الراصد القديم

2011/12/13

عمان تتراجع عن استقبال مشعل

د. مصطفى يوسف اللداوي

هل استعجل خالد مشعل الرحيل إلى عمان أو العودة إلى الأردن، فحزم متاعه وطوى فراشه ورحل رجاله، وأمرهم على عجل بإغلاق بيوتهم، وبيع أثاثهم، ونقل أطفالهم من مدارسهم، والانتقال فوراً إلى عمان وبيروت والقاهرة وغزة والدوحة، بعد أن أغدق عليهم العطاء، وأجزل لهم التعويض، وشجعهم بالمزيد، ووعدهم بأن يحذو حذوهم ويلحق بهم، وأرسل لهذا الغرض أهله ومحبيه لينتظروه في عمان والدوحة، ويكونوا في استقباله عندما يعود، وأشاع في كل مكانٍ أنه عائدٌ، وأنه ينوي لقاء الملك، وإعادة ترتيب أوراق حركة حماس معه، وسمح لوسائل الإعلام أن تسرب بعضاً من هذا الخبر، وأن ترقب شيئاً من تنفيذه، وأن تتابع مآل بعض رجاله، والمحطة الأخيرة التي نزلوا فيها، ولم يشأ أن يكذب الخبر أو ينفيه، بعد أن أكدته الوقائع، وأثبته تذاكر السفر وحافلات العودة المحملة بالعائدين ومتاعهم.

فرح بعض العائدين بالقرار، واستبشروا به خيراً، فهم يعودون إلى بيوتهم وأسرهم، وإلى الأرض التي ولدوا ونشأوا فيها، فبيوتهم تنتظرهم، وأسرهم ستسعد باستقبالهم، ولن تعترضهم في موطنهم مشاكلٌ أو عقبات، فقد سويت مشاكلهم، وذللت الصعاب أمامهم، وأزيلت العقبات من طريقهم، ولم تعد المخابرات الأردنية تلاحقهم، وقد اعتبرت أنها أخطأت إذ طردتهم، وتجاوزت إذ حرمتهم من حقوق المواطنة، وأساءت إلى دستورها وسيادتها عندما خرجت على القانون، فأكدت عزمها على إصلاح الخطأ وتجاوز تبعاته، فكانت فرحة بعضهم كبيرة بالندم الذي تحقق بالعودة، وبالظروف التي يسرت وجوبها، وقد منحوا كل التسهيلات، وأعطوا كل النفقات، ولم يتكبدوا عناء السفر والترحال، إذ يسرت لهم وسائل النقل وسبل العودة، فلا كلفة ولا مشقة، ولا خوف ولا قلق، فوظائفهم مؤمنة، ورواتبهم محفوظة، ومراكزهم باقية.

وآخرون أصابهم السقم إذا أجبروا على الرحيل، وحزنوا على هذا المصير، وبكت عيونهم على هذا القرار الذي اجتثهم من الأرض التي أحبوها، وأخرجهم من بين الشعب الذي أكرمهم وآواهم سنين طويلة، ومنحهم الكثير بعد طول حرمان، وأغدق عليهم وهم الفقراء من كرمه وسخائه وجوده، وشملهم بأخلاقه وقيمه وتعاليمه، فما شعروا فيه بغربة، ولا عانوا فيه من وحده، ولا شكوا فيه من فقر، ولا أحسوا فيه عن الأهل بعداً، وعن الوطن نفياً، ففي هذا البلد الطيب وجدوا كل ما يحبون ويتمنون، وشعروا فيه بالأمن والأمان، والدفء والصدق والحنان، شاركوه أفراحه، واغتموا لأحزانه، وأصبحوا جزءاً من نسيجه، فاضطربوا إذ طالبهم القرار بالرحيل، وأمرهم باستعجال العودة، لا إلى عمان أو بيروت أو القاهرة، ولكن إلى منافٍ في الأرض جديدة، فهذا الصنف من المكرهين على الهجرة لا يقبل بهم أحد، ولا ترحب بهم دولة، ولا تسعد باستقبالهم حكومة، إنهم أبناء غزة الذين ساكنهم الألم وعاش معهم الموت، وهم ضعفاء لا يقوون على الرفض، ولا يملكون غير السمع والطاعة، وإن كان فيه حتفهم ونهاية حياتهم.

وكانت الأردن قد رأت في الظروف فرصتها، وفي الأحداث ضالتها، وفي ادعاء الاستقبال نجاتها من الثورة، وخلاصها من المحنة، وتجاوزها للأزمة، ورأت أنها قادرة على خداع الآخرين، وتسكين الثائرين، والاستفادة من أموال المحرضين، وإرضاء الراعين، فأعلنت استعدادها لاستقبال مشعل وصحبه، ورحبت بهم، وأعلنت أنها ستكون سعيدة باستقبالهم، راضيةً بإقامتهم، فانقلبت على ماضيها، وأعلنت خطأ رئيس حكومتها الذي قرر إخراج قادة حماس منها، وحملته وحده تبعة القرار، والمسؤولية عن نتائجه، وكسرت أقلامها التي دافعت عن القرار القديم، ومزقت صحائفها السوداء التي كتبت عنه مؤيدة، وبرت أقلاماً جديدة وصحفاً كثيرة ترحب بالقادمين الأحرار، وتمجد بالقرار، وتعلن أنها ستكون على ذات المسافة من جميع الأخوة والثوار.

لكن خالد لم يعد إلى عمان، فلا الملك استقبله، ولا الأمير رافقه، ولا الأهل والأصحاب خرجوا لاستقباله، والاحتفاء بقدومه، وهو الذي حرق كل سفنه، وأغرق كل مراكبه، ولم يبق له مركباً غير عمان، ولم يستبق خياراً غير الأردن، وقد ملأ الدنيا ضجيجاً أن الملك رحب به، وأنه سيخطو في القصر الملكي بصحبة رئيس الديوان الملكي ليلقى الملك، ويضع يده في يده مصافحاً أو معاهداً، مرحباً أو مبايعاً، فباع لهذا الهدف قميصه، وتخلى عن ردائه، وفض من حوله أصحابه، واستعجل الخطى ورسم الخطط قبل أن تصبح عودته حقيقة، ورجعته قائمة، ولكنه مازال ينتظر، عل عمان تحدد له موعداً، وتقرر له وقتاً ومكاناً يلقى فيه الملك، وحده أو بصحبة الأمير، فهذا أمله، وتلك غايته، ولها يسعى ويحفد.

أم أن الملك أدرك أن مشعل قد استعجل الخطى، وأخطأ قراءة الأحداث والظروف السياسية، وأنه قد صدق الوعود، وآمن بالعهود، وانتظر الوفاء بها، وظن أن الطريق إلى عمان قد عبدتها دولٌ وملوكٌ وأمراء، وقد ضمنتها سياساتٌ وحكوماتٌ ورؤساء، ولكنه لم يدرك أن وفاء الأردن له ثمن، وأنه وغيره يجب أن يدفع الثمن، ويؤدي البدل، فلا مرور في هذا الزمن بلا بدل، ولا إقامة بلا رسوم، ولا توافق على المبادئ والمثل بغير أجر، فكل شئٍ أصبح في زماننا له قيمة وثمن، فإذا قصر المحتاجون عن دفع الثمن أو القيمة والأجر، فلا ينتظرون من غيرهم أن يعطيهم صدقة، أو أن يتفضل عليهم بإحسان، وقد رأت عمان دخان المراكب وهي تشتعل، وشاهدت فلول العائدين وهي تعبر، وأدركت أن مشعل قد غدا وحيداً، ولم يبق عنده إلا القليل، ممن لا يقوى بهم على المسير، ولا يأنس بهم في الطريق، فلماذا ترسل له وفيه بعض الرمق، ولماذا تستقبله وفي لسانه بلل، وهي التي بإمكانها أن تصبر عليه حتى يزول عنده آخر رمق، وتتيبس شفتاه فلا يعود يقوى على الاشتراط أو الرفض، إلا سؤالاً لاستضافة أو طلباً لحماية، ألا ترون أنه قد استعجل، وكان في استعجاله ندامة وأي ندامة ....

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر