الراصد القديم

2011/12/26

لا احتجاجات ولا ضغوط سياسية: الأزمة المالية الأقدر على إطاحة حكم العسكر

تضيف الازمة المالية في مصر الى الضغوط التي يمارسها محتجون وساسة على المجلس العسكري الحاكم لتسليم السلطة الى حكومة مدنية قبل منتصف 2012 وهو الموعد الذي حدده الجيش للعودة الى ثكناته.

وارتفعت ديون مصر لتبلغ حاليا 85 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي وتفاقم عجز الميزانية وهوت احتياطيات النقد الاجنبي الى مستوى ربما سيكفي في يناير/كانون الثاني لتغطية واردات البلاد لشهرين فقط وهي عوامل تشكل في مجموعها الوصفة المثالية لازمة مالية.

وهذه مجموعة من العوامل القابلة للانفجار أمام أي حكومة وربما تشجع الجيش على السعي لان ينأى بنفسه عن مشاكل مصر الاقتصادية ويعطي الحكومة الجديدة مزيدا من السلطات قبل أن يكتوي بنيران أزمة مالية.

وفي الوقت الحاضر لا يزال الجيش مصرا على الاحتفاظ بصلاحيات واسعة لحين اجراء الانتخابات الرئاسية في يونيو/حزيران المقبل لكن الضغوط لانتقال سلس للسلطة بدأت تتزايد خلال احتجاجات الشهر الماضي على الحكم العسكري وأيدها ساسة يطالبون بمزيد من الصلاحيات بعد الجولة الاولى من الانتخابات البرلمانية.

وربما تكون المشاكل الاقتصادية التي تمر بها مصر القشة التي تقصم حكم المجلس العسكري.

وقال رضا أغا كبير الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الاوسط وشمال أفريقيا لدى رويال بنك أوف سكوتلند "التقلبات (الاقتصادية) التي نراها، تشكل مزيدا من الضغوط على المجلس العسكري ليعمل بطريقة تهدئ هذه التوترات".

"حتى اذا لم يدرك الشارع ذلك جيدا فان الحكومة تدركه جيدا".

وهبط الجنيه المصري في الايام الماضية لادنى مستوى في نحو سبع سنوات أمام الدولار وارتفعت تكلفة اقتراض الحكومة لاعلى مستوياتها في ثلاثة أعوام وخفضت وكالة ستاندرد اند بورز تصنيفها لمصر قائلة ان "الوضع السياسي والاقتصادي الضعيف" يزداد سوءا.

ويحدث ذلك كله في ظل فراغ سياسي. وتحولت احتجاجات في الشوارع مطالبة بانهاء الحكم العسكري الى أعمال عنف الشهر الماضي مما أسفر عن مقتل 42 شخصا. ومن بين التنازلات التي قدمها المجلس العسكري قبوله استقالة الحكومة الا أن هذه الخطوة لم تكن كافية لاقناع المتظاهرين بفض اعتصامهم في ميدان التحرير.

ولم يعلن بعد رئيس الوزراء المكلف كمال الجنزوري تشكيل الحكومة الجديدة مقرا بصعوبة مهمته نظرا للتحديات.

وستشهد وزارة المالية في ظل مجلس الوزراء الجديد ثالث تغيير وزاري منذ الاطاحة بحسني مبارك في فبراير/شباط.

وشكا وزير سابق من التدخل في سياسة وزارته. وحينما رفضت مصر الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي في الصيف قال الوزير ان ذلك يرجع جزئيا الى قلق المجلس العسكري من تراكم الديون.

وكرر مسؤول عسكري كبير هذه المخاوف الخميس.

وقال اللواء محمود نصر رئيس هيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة ان من الافضل عدم الاقتراض من الخارج حيث ترتبط القروض بقيود تقوض السيادة الوطنية.

وتضيف انتخابات برلمانية جرت جولتها الاولى يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين أيضا الى عوامل عدم اليقين حيث يتوقع الاسلاميون أن يحققوا نجاحا مما يثير مخاوف بعض المستثمرين الغربيين. وقال الاخوان المسلمون ان الحكومة القادمة ينبغي أن يشكلها الحزب الفائز بالاغلبية البرلمانية وربما يشيرون الى حكومة أخرى بعد أشهر أو حتى أسابيع.

وقال أغا "ليس من المعروف بعد ان كان (المجلس العسكري) سيستطيع البقاء حتى انتهاء هذه الانتخابات. اذا استمرت التوترات في التصاعد أعتقد أنه سيكون من الصعب جدا بقاء الجيش حتى أوائل مارس".

ويمكن أن تؤدي التداعيات الاقتصادية الى زيادة حدة الجدل السياسي حيث يلقي الساسة والعسكريون باللوم على بعضهم البعض.

وفي غضون ذلك تحتاج مصر الى حل سريع.

ويقول خبراء اقتصاديون ان عجز الميزانية لا يمكن تحمله بدون تغيير في السياسات. وقال الجيش يوم الخميس ان العجز قد يرتفع من 8.6 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي الى نحو 11 في المئة بحلول يونيو/حزيران 2012 وهو ما يتماشى مع ما قاله خبراء لاشهر.

وقال سيمون وليامز الخبير الاقتصادي لدى اتش.اس.بي.سي "لا يزال هناك طريق طويل أمام العملية السياسية حتى تكتمل ادارتها وسيظل تمويل العجز الكبير والمتزايد في الميزانية تحديا رئيسيا".

وحتى قبل الثورة كان لدى الحكومة مشكلات في توصيل السلع الاستهلاكية المدعمة الى مستحقيها من الفقراء. ويقول الجيش الان انه قد يحتاج لمراجعة هذا الدعم الحساس.

وقال اللواء نصر ان هناك حلولا عديدة للتعامل مع العجز ومن بينها اعادة النظر في الدعم وبصفة خاصة دعم البنزين.

ووعدت دول الخليج بتقديم مساعدات كبيرة لمصر وقدمت قطر والسعودية بالفعل مليار دولار لدعم الميزانية.

ويقول خبراء اقتصاديون ان البنوك المصرية وصلت الى أقصى حد ممكن في اقراض الحكومة مما اضطر الحكومة لدفع عائدات مرتفعة. وارتفع متوسط العائد في الثلاثة أشهر السابقة على أذون خزانة لاجل 91 يوما بما يزيد عن 2.25 نقطة مئوية الى 14.25 في المئة.

وقال يوسف كامل محلل استثمارات الدخل الثابت لدى رسملة "عندما ترتفع أسعار الفائدة فهذا يعني أنهم في حاجة الى مزيد من الاقتراض وهذا بدروه يدفع الفائدة للصعود".

وأظهرت حسابات لرويترز أن تحتاج الحكومة لجمع عشرة مليارات جنيه شهريا بجانب الديون التي تحتاج لتمديد اجال استحقاقها.

ويمكن أن يؤدي ابرام صفقة قرض مع صندوق النقد الدولي الى طمأنة المستثمرين الذي يفضلون السير على خطى الصندوق.

وقال وزير المالية المستقيل حازم الببلاوي ان الحكومة تعود الان مجددا الى صندوق النقد بصفقة متوقعة مماثلة للقرض الذي ألغته الحكومة في وقت سابق ويبلغ 3.2 مليار دولار. لكن ابرام هذه الصفقة قد يصبح مثار شك في ظل التغيير الوزاري.

ورغم ذلك فان الجنزوري الذي تولى رئاسة الحكومة في عهد مبارك في سنوات التسعينات تمكن من تحسين العلاقات مع صندوق النقد والبنك الدوليين مما يتيح له الاستفادة من ذلك.

وقال كامل "سيؤثر قرض صندوق النقد الدولي بالقطع في تمويل العجز لكن التأثير كان سيكون أكبر اذا كانت الصفقة أبرمت منذ ثلاثة أشهر"، مضيفا أن ذلك يمكن أن يخفف الضغوط على أسعار الفائدة.

وقد يكون خفض قيمة الجنيه حلا سريعا يساعد على جعل مصر أكثر جاذبية للمستثمرين الاجانب في أذون الخزانة حيث ينتظر كثير منهم أن يصبح سعر صرف الجنيه قريبا من قيمته السوقية قبل أن يعودوا الى السوق.

لكن ذلك يمكن أن يدفع التضخم للصعود بعد أن انخفض في الاشهر الاخيرة الى خانة الاحاد بعد سنوات من الارتفاع الكبير. وكان ارتفاع الاسعار من بين شكاوى المحتجين ضد مبارك وربما لا يكون الجيش راغبا في أن يوصم بخفض قيمة الجنيه.

وفي الوقت نفسه فان قدرة الحكومة محدودة في الدفاع عن قيمة عملتها التي تراجعت نحو خمسة في المئة أمام الدولار منذ يناير/كانون الثاني. وانخفضت احتياطيات النقد الاجنبي 16 مليار دولار الى 20 مليار دولار في نهاية نوفمبر.

وقال اللواء نصر ان الاحتياطيات يمكن أن تهبط الى 15 مليار دولار بنهاية يناير وهذا سيكون كافيا لتغطية الواردات لشهرين حيث سيكون متاحا عشرة مليارات دولار فقط بينما سيوجه الباقي لسداد التزامات أخرى.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر