الراصد القديم

2011/12/28

عراقُ ما بعدَ الشهيد صَدَّام: ما يُصَدَّقُ.. وما لا يُصَدَّق!!

عزيز العصا

لقد قدر الله، جل شأنه، للعظماء أن لا يكونوا ملك أنفسهم، أو ملك أسرهم والمقربون منهم. فهم رموز أممهم وشعوبهم، بل رموز الإنسانية جمعاء التي تزهو بهم وتحتفل بمناسباتهم الخاصة كأعياد وطنية.. وها هو التاريخ يزخر بأسمائهم، التي تتباهى بها الأمم وتتوزع على الحقب والعصور كافة. وأن حجم أي أمة أو ثقلها بين الأمم الأخرى يقاس بقدر ما تُنجِب من أولئك القادة الذين يضعون على المسيرة البشرية بصمة لا يمكن أن تمحوها الأحداث، مهما تزاحَمَت و/أو عَظُمَت، ولا تستطيع الأيام والسنين والدهور تناسيها أو القفز عنها.

ونحن نغادر العام 2011، وكما في نهاية كل عام، فإننا لا نفرح كما يفرح الآخرون بقدوم عامٍ جديدٍ، بل يعتصرنا الألم ونحن نستذكر أيام البؤس والانكسار والهزيمة، ومنها آخر يوم في العام 2006م (30/12/2006) عندما صعدت روح الشهيد-الأسير صدام حسين، الرئيس الشرعي للعراق، إلى بارئها في أجواء مكفهرة وقاتمة من القهر والغيظ والغضب العارم، ليس على مستوى العراق والأمتين العربية والإسلامية فحسب، بل أن المشهد غير الأخلاقي الذي أحاط بعملية الإعدام، وما قابله به الشهيد من شجاعة ورباطة جأش فضحت الجلادين، وكشفت سوآتهم، وأظهرت هشاشتهم وسطحية تفكيرهم الساذج.

تلك المشاهد والمواقف التي لا يمكن محوها و/أو التحرر من تبعاتها، إلا بعد محو الاحتلال الأمريكي-الصفوي وإعادة العراق إلى حضن الأمة وإعادة الأمة حرة مهابة الجانب بعراقها الحر الأبي وبفلسطينها الطبيعية من نهرها إلى بحرها. وعليه، فإن لهذه الذكرى شئون وشجون يصعب حصرها؛ فهي واسعة ومتشعبة. ولكي لا نغرق في التشتت، فسأحصر الحال العراقي بأمرين هامين، يحددان الملامح الرئيسية للمشهد في هذا البلد الولود-الزاخر، عبر التاريخ، بالعلماء والقادة العظماء:

فأما الأمر الأول فيتمثل بالأجواء التي دُمِّرَ فيها هذا البلد، ثم احتُلَّ وانتُهِكَت شرعيته، ليس بسبب ضعفٍ و/أو هوانٍ لدى العراق وأهله، لا قدر الله، بل إنها القوة المفرطة المتمثلة بأكثر الأسلحة التي تفتقت عنها دماغ بني البشر دماراً.

فقد وُضِع العراق تحت المجهر منذ اللحظة الأولى التي بدأ يتشكل نمطه المستقل، المناوئ للآلة الاستعمارية، الرافض للخنوع والتبعية، المعتمد على ذاته، القادر على إدارة ثرواته وتنمية موارده الطبيعية وتطويرها لاستثمارها لصالح أبنائه وأبناء الأمة، المتكئ على إمكاناته البشرية في تحقيق تنمية ونهضة على محاور الحياة العراقية كافة العلمية والتكنولوجية في الزراعة، والتصنيع (العسكري والمدني)، والطب (والصناعات الدوائية) والهندسة... الخ، المنادي بوحدة أقطار الأمة وتحرير أبنائها واستغلال ثرواتها لصالح أبنائها، الساعي إلى استعادة الأجزاء المغتصبة في فلسطين، والجولان، وعربستان والاسكندرونة..

ولإيمان الغرب، بزعامة أمريكا، بأن ليس لأي شعبٍ من شعوب العالم الثالث الحق في التمتع بثرواته.. ولإيمانهم المطلق بضرورة حماية "اسرائيل" بصفتها دماغهم وذراعهم في المنطقة الذي يضمن سير الأمة على سكة الخضوع للغرب وخططه واستراتيجياته الاستعمارية بامتياز، تم صياغة مبررات غزو العراق والسيطرة على ثرواته بالاستناد إلى كل ما يؤجج العداء، له ولقيادته الشرعية، ويجمع الآلة الحربية الغربية ويكرسها في حربٍ شاملةٍ تغير وجه المنطقة، وتعيد صياغة معدلاتها بما يضمن "أمن إسرائيل" واستمرار تدفق النفط بالأسعار والأوقات التي يحددونها هم أنفسهم وليس لمالكيها أي دورٍ في ذلك.

وقد وثق الإعلامي الفرنسي الشهير جون كلود موريس في كتابه: "لو كررت ذلك على مسمعي فلن أصدقه" لأكبر فضيحة سياسية عرَّت الأسباب الحقيقية وراء احتلال العراق، ووراء كل هذا الدمار الشامل الذي ألحقه جورج دبليو بوش بالعراق وأهله (المتوسط أون لاين، 07 آب، 2011). ويكفي في هذا الجانب أن نورد واحداً من الأمثلة على تلك الفضيحة، فقد قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك: طلب مني بوش في مطلع عام 2003 الموافقة على ضم الجيش الفرنسي للقوات المتحالفة ضد العراق، مبرراً ذلك بأنه (بوش) قد تلقى وحيا من السماء لإعلان الحرب على العراق، لأن "يأجوج ومأجوج" انبعثا من جديد في العراق، وهو في طريقه الى مطاردتهما، لأنهما ينويان تدمير الغرب المسيحي!!

وإذا أضفنا إلى ذلك ما انكشف، وما ستكشفه لنا الأيام، من أكاذيب وتضليلات تتعلق بمسوغات الحرب على العراق، نجد أنفسنا أمام أكبر عملية تضليل للعالم أجمع، شهدها التاريخ البشري؛ فلم يقتصر الأمر على الأساطير، ذات العمق المسيحي-المتصهين الذي ينتمي إليه سيد البيت الأبيض في حينه، بل حاول بوش إقناع قداسة البابا عن طريق ايهامه بأنه ضد الإجهاض، وأوهم آخرين بأنه ذاهب إلى العراق من اجل محاربة الإرهاب، وآخرين أوهمهم بأنه ذاهب لاحتلال العراق من اجل نزع أسلحة الدمار الشامل (ومعها وبحجتها نزع كامل اسلحته الدفاعية). كما حاول بوش إقناع آخرين بحربه على العراق عن طريق نشر الديمقراطية فيه، ليس الديمقراطية كما يعرفها العالم المتمدن، ولكن الديمقراطية التي كان يتمناها أعداء العراق من الداخل والخارج (القس لوسيان جميل، موقع: كُتَّاب من أجل الحرية).

بذلك تكون أمريكا قد استخدمت سطوتها وسلطتها الكونيتان لحشد التأييد لتلك الحرب الظالمة التي شنت على العراق لانتزاعه من عمق التاريخ والجغرافيا، ولبعثرة قوته الديموغرافية المتنوعة-المتماسكة التي فرضت نفسها، بقيادة الشهيد صدام حسين، على المنطقة كقوة اقتدار مهابة الجانب ويُحسب حسابها في المحافل المحلية والإقليمية والدولية كافة.

وأما الأمر الثاني فيتمثل بما آلَ إليه العراق من "قيادة!" عاجزة عن المحافظة على وحدته الجغرافية والديموغرافية. فهي قيادة مشتتة، مبعثرة، متعددة الأهواء والمرجعيات؛ لا يوجد بينها من يتمتع بمهابة القائد المرجع الذي لا يُشَق له غبار. ومن المؤلم أن هذه القيادة بتلك المواصفات موزعة على الطيف الديموغرافي العراقي. لكي لا يعتب أحدٌ على أحدٍ، وفي ذلك الشأن يقول د. مازن الرمضاني: منذ العام 2003 والعراق ليس مجرد بلد فاشل وإنما هو بلد فاسد (مقابلة مع قناة الحوار الفضائية، أعيدت بتاريخ 25/12/2011م).

لقد جاءت هذه القيادة كولادة ميتة لفكرة ما أسماه الأمريكان "الديمقراطية" التي جاءت من رحم تزاوج غير شرعي، بين الاحتلال وأهدافه الاستراتيجية الموصوفة أعلاه، وبين أحزابٍ وجماعاتٍ وأفرادٍ ذات أجندات تخلو من أي عمق عقائدي؛ دينياً أو قومياً أو أممياً. وفي ذلك يشهد شهود من تلك القيادة نفسها، منها: الاتهامات المتبادلة بين المالكي المسمى برئيس وزراء العراق من جهة، والآخرون الذي يشكلون طيفاً واسعاً من سنة وشيعة، وعربٍ وأكراد وتركمان، ومتدينين وعلمانيين... الخ. ولعل ذروة هذه الاتهامات ما قال به طارق الهاشمي (نائب الرئيس الهارب إلى الشمال!!)، المتهم بإرهاب العراقيين وقتلهم بل تقتيلهم: القضاء العراقي يفتقر للحيادية والاستقلالية والنزاهة والشفافية، وأن الدولة فاسدة من "شوشتها" حتى أخمص قدميها.

بهذا نجد أنفسنا أمام "قيادة!" تفتقر إلى الحد الأدنى من الاتفاق و/أو التوافق الذي يمكنها من حفظ العراق وأهله من التمزق والتشتت كأيتامٍ على موائد اللئام من صفويين وأمريكان. ولعل أكثر أولئك اللئام إيلاماً للعراق وأهله ومستقبل أجياله أن يتم تسليم ثرواته لمجموعة من الشركات، وهي من النوع الاقتصادية المظهر الاستعمارية الجوهر. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الصراع القائم بين المالكي والأكراد الذين أجروا تعاقدات نفطية مع شركة النفط الأمريكية العملاقة "إكسون موبيل" من خلال الزيارة الأخيرة لوفد كردي إلى واشنطن (أنظر الموقع الالكتروني لمكتب إعلام الاتحاد الوطني الكردستاني:

www.pukmedia.com). ويجري ذلك كله بالرغم من أنف الحكومة المركزية بقيادة المالكي الحزين على الوهم الذي يتعلق بحباله؛ باعتقاده أنه زعيم العراق بلا منازع.

ولعل ذروة الاحتلال للعراق والعراقيين تتمثل في أن يؤسس الكونغرس في العام 2003 صندوقاً لـ "إغاثة العراق وإعادة إعماره" بمليارات (هي من حُرِّ مال العراق وليست مِنَّةً من أحد) تصرف في تطوير قوات الجيش والشرطة، وليس على التنمية والتطوير والمناهج والتعليم!

الآن، ونحن في رحاب الذكرى الخامسة لاستشهاد صدام حسين، وبعد مرور تسعة أعوامٍ إلا قليلاً على احتلال العراق، ونحن في أجواء الاندحار الأمريكي من العراق.. يبقى السؤال الاستراتيجي الذي يحكم على مستقبل العراق وأهله، وهو: ما الذي نصدقه، وما الذي لا نصدقه في الحال العراقي؟

فلا يمكن لصاحب عقلٍ رشيدٍ أن يصدق أن الأمريكان قد حضروا للعراق لكي "يمتعوه" بديمقراطية الغرب التي شكلت حاضنة للحضارة الإنسانية التي تتفيأ في ظلالها شعوب الأرض قاطبةً.. بل سنصدق أنه سواءٌ بِعِلْمِ الأمريكان، أو بغير عِلْمِهِم، قد دُمِّر قدر كبير من الحضارة الإنسانية الرابضة في الجغرافيا العراقية، منذ الإنسان الأول حتى تاريخه، وهناك من عاث فيها فساداً، وبشكلٍ مبرمجٍ، يهدف إلى محو هذا البلد من الذاكرة الإنسانية.

ويستحيل أن نصدق أن العدوان الهمجي قد استخدم تلك القوة المفرطة، لِنقل العراق من قيادة ديكتاتورية (!!) إلى قيادة منتخبة من الشعب، كل الشعب..! بل الذي سنصدقه نحن، والذي ستؤمن به الأجيال القادمة هو أن الهدف الاستراتيجي للاحتلال وأعوانه وعملائه هو حرمان العراق من قيادته الشرعية، وحرمان قيادته من شرعية وطنية تمكنها من المحافظة على وحدة ترابه وتماسك (بل تلاحم) مكوناته الديمغرافية، التي وضعته على الخريطة الجيوسياسية في المنطقة وعلى مستوى العالم.. وعندئذ، سينتهي به الأمر، لا سمح الله، لمجرد ورقة للمساومة عليه مع الجيران الطامعين فيه تاريخاً، أرضاً، وإنساناً، ومجرد أداة في يد الشركات الاستثمارية التي تتكئ عليها القوى الاستعمارية في استباحتها لخصوصيات الأمم والشعوب وتبديد ثرواتها لغير صالح أبنائها الشرعيين..

كما لا يمكننا أن نصدق أن التحالف الأمريكي-الصفوي في العراق الذي أنجب حكومة المالكي الطائفية المحتوى والمظهر والجوهر، يهدف إلى أن يتمتع أبناء العراق بثروات وطنهم الذي رووه بالعرق والدم، عبر التاريخ.. بل أن، ما وقر في القلب وما صدقه العمل، هو أن نفط العراق، وثرواته الأخرى، ستكون وبالاً عليه، إن بقي الوضع هكذا لا سمح الله، وعندئذٍ سيتقاسمه أصحاب الأجندات الطائفية والقومية والعشائرية؛ التي تنظر إلى الأمر من منطلق "منطق القوة والبلطجة" المدعوم من قوىً استعماريةٍ، وشركاتٍ استثماريةٍ، لا تأخذها في العراق وأهلهِ لومةَ لائمٍ..

وهكذا يبقى العراق بين "صدِّق.. أو.. لا تصدِّق" إلى أن يستلم زمام الأمور فيه، وبإرادة شعبية، فتية آمنوا بربهم أولاً، وقاتلوا قتال الأبطال من أجل دحر الاحتلال وأعوانه، وهم يؤمنون بعراقهم الحر الأبي الواحد الموحد جغرافياً، المتماسك ديمغرافياً، الموحد في مشاعر أهله نحو استعادة عراقهم القوي العزيز، صاحب القرار الوطني في التصرف في ثرواته كيفما شاء ومتى يشاء.

فلسطين، بيت لحم، العبيدية

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر