الراصد القديم

2011/12/25

التحولات في الإستراتيجية الحكومية للتعامل مع الأقلية الفلسطينية في إسرائيل يبدأ من النقب

د. ثابت ابو راس

مدير مشروع "عدالة" في النقب



بعد أيام تغيب شمس عام 2011. يلاحظ المتتبع لسياسات حكومات إسرائيل تجاه الأقلية الفلسطينية في إسرائيل أن هذا العام مثل تغييرًا استراتيجيًا عميقًا في السياسة الحكومية المتبعة في التعامل مع المواطنين العرب. فموجة سن القوانين العنصرية لم تقتصر على المواطنين العرب فحسب بل وصلت حتى إلى شرائح ومؤسسات يهودية التي من الممكن أن تدافع عن المواطنين العرب أيضًا. أن قوننة العنصرية في إسرائيل تعطي الضوء الأخضر والشرعية لشرائح متطرفة للعمل الإجرامي ضد المواطنين العرب. نذكر هذا العام بأنه عام محاولة ضعضعة مكانة اللغة العربية في البلاد وإسكات الآذان في المساجد على يد المشرع الإسرائيلي وحرق المساجد على يد طلائع الفاشيين في المجتمع الإسرائيلي. والسؤال ماذا يخبئ لنا العام 2012؟

لا شك أن خطاب الحكومة الإسرائيلية الحالية المتشدد يؤكد على أثنية الدولة ويهوديتها ويضعف ديمقراطيتها الاثنية, فيما تسعى إسرائيل لانتزاع اعتراف فلسطيني بذلك من خلال المفاوضات مع السلطة الفلسطينية. هذه السياسة ليست محاولة للتهرب من استحقاقات أي اتفاق إسرائيلي فلسطيني بشأن قضية اللاجئين فحسب ولكنه تغيير استراتيجي عميق متعدد الأهداف. مضمون هذا التغيير, في أحسن الحالات، تضييق الخناق على المواطنين العرب في إسرائيل، وتنفيذ ترانسفير لمواطنة المواطنين العرب وترحيلهم من وطنهم في أسوأها.

لطالما عارضت حكومات إسرائيل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم بحجة عدم الإخلال بالتوازن الديموغرافي وبالتالي "ضعضعة يهودية الدولة". لكن واضح جليا أن مواطني إسرائيل الفلسطينيين لا يخلون أي توازن ديمغرافي في الدولة. إذًا على ما يبدو فأن إصرار الأقلية الفلسطينية على التمسك بهويتها الوطنية الفلسطينية هو ما يقلق المفكرين الصهيونيين لأنه يحد من طبيعة الدولة اليهودية.

أن استمرار الهجوم على الأقلية الفلسطينية بمؤسساتها, أحزابها وقيادتها في السنوات الأخيرة, يتوج الآن بهجوم على بعض مؤسسات الدولة ,كلب الحراسة لما تبقى من اثنوقراطية الدولة الصهيونية. الهجوم على مؤسسة القضاء العليا, من خلال تعيين القضاة ,وعلى مؤسسات المجتمع المدني وخاصة منظمات حقوق الإنسان هدفه الأول ضرب الشريحة الأضعف في إسرائيل وهي المواطنون العرب. إن تقليص الحيز الديمقراطي الإسرائيلي سيؤدي حتما إلى تقليص حدود النضال السياسي والاجتماعي للأقلية الفلسطينية في إسرائيل.

لقد استطاعت حكومة نتانياهو وفي وقت قصير نسبيًا ومن خلال تعميم ثقافة الخوف عند الشعب اليهودي بإقناعه إن الدولة في خطر وان هذا الخطر قادم من الخارج ومن الداخل, من إيران حتى الثورات في العالم العربي. حتى أن السلام مع الفلسطينيين أصبح يمثل تهديدًا لإسرائيل وأمنها, لذلك لا سلام مع الفلسطينيين حتى يعترفون بيهودية الدولة. إن ورقة الإرهاب لم تعد مقنعة والسؤال ماذا ستكون الحجة القادمة لحكومة إسرائيل. من جهة أخرى تزيد هذه الحكومة من بطشها باعتمادها نظام الإصلاحات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية بحجة زيادة نجاعتها وتحصين أمن الدولة الداخلي. لكن اخطر هذه "الإصلاحات" هو تغييرات في سياسة الأراضي والمؤسسة التي تديرها في إسرائيل. ولا تتورع الحكومة الإسرائيلية عن سن القوانين لتهويد المكان والحيز الفلسطيني من خلال إحكام قبضتها على غالبية المساحة الجغرافية للدولة.

إسرائيل والتي تدعي إنها واحة للديمقراطية في الشرق الوسط, لا تستطع أن تكون كذلك في قضية الأرض والسيطرة عليها على الأقل. دولة إسرائيل, من خلال اذرعها المختلفة, تسيطر اليوم على أكثر من 93% من مساحتها. هناك ثلاثة دول في العالم فقط تسيطر على هذا الكم الهائل من أراضيها, هي كوريا الشمالية, الصين وكوبا. هذه الدول تعرف نفسها على إنها دول اشتراكية والبعد ألاثني غير قائم فيها مثل ما هو الأمر في إسرائيل.

إستراتيجية إسرائيل الداخلية هي خليط من خطاب ديمغرافي مشوه وعقلية عسكرية خطيرة. وترى أن خروجها من أزمتها يحتم عليها ,الهروب إلى الأمام والعمل على زيادة تهويدها على حساب مواطنيها العرب. وتعتبر الهجمة الجديدة والخطيرة على أراضي عرب النقب وإرغامهم على السكن في البلدات القائمة جزء من مخطط لتطبيق هذه الإستراتيجية.

السياسة الإسرائيلية تجاه عرب النقب والمتمثلة بتقرير برافر هي دفعة أخرى بالمواطنين العرب نحو الهاوية. ففي الأسابيع القادمة سيتم تقديم اقتراح قانون بموجبه سيتم مصادرة أكثر من 80% من أراضي عرب النقب. لقد استعملت حكومات إسرائيل منذ تأسيسها كل الوسائل لحصار وتطويق وتهميش عرب النقب. هذه الوسائل شملت: مصادرة الأراضي، هدم البيوت, اقتلاع الأشجار, إبادة المحاصيل الزراعية, منع المياه والخدمات الصحية عن سكان القرى غير المعترف بها. ولتنفيذ سياساتها في النقب فقد أغلقت مناطق واسعة وأعلنت عنها مناطق عسكرية. أما مناطق أخرى فقد تم تحريشها. هذا بالإضافة إلى إقامة 60 مستوطنة أفراد، تسكن لك منها عائلة واحدة، والإعلان الآن عن إقامة عشر بلدات يهودية جديدة في النقب.

من جهة أخرى ومن خلال رؤية عرب النقب مشكلة أمنية فأن الحكومة تنصب جنرالات مع ماضي عسكري "لحل" قضايا عرب النقب. فلا حاجة للإستراتيجية القديمة والإعلان عن حكم عسكري على المواطنين العرب ما دامت الديمقراطية الإسرائيلية تسمح بذلك والجنرالات العاطلين عن العمل كثيرون. ومن هؤلاء الجنرالات برافر نفسه، الجنرال عميدرور رئيس مجلس الأمن القومي, يهودا باخر رئيس ما يسمى "سلطة توطين البدو", والآن جاء دور الجنرال دورون الموغ- القائد السابق للمنطقة الجنوبية والذي عين مسئولا عن تنفيذ مخطط برافر على الأرض.

إستراتيجية إسرائيل الجديدة هي فتح ملف النكبة – على طريقتها- وإنهاءه من خلال الإجهاز على أراضي مهجري الداخل. أن احد اخطر البنود في تقرير برافر هو الموقف من ادعاءات الملكية لعرب النقب في النقب الشمالي والغربي. فينص البند العاشر في التقرير والذي أضافه الجنرال يعقوب عميدرور رئيس مجلس الأمن القومي في إسرائيل على دفع تعويضات مادية فقط لعرب النقب مقابل التنازل النهائي عن أراضيهم ومنع إقامة أي بلدة عربية في هذه المنطقة. هذه الأراضي خالية اليوم من العرب بعد أن طردوا منها عقب قيام دولة إسرائيل وركزوا للسكن في منطقة السياج, المنطقة التي يسكنها عرب النقب اليوم. هذا البند سيصبح جزءا من قانون له انعكاسات خطيرة على مئات ألوف مهجري الداخل في الجليل, المثلث ومدن الساحل, حيث سيسد الطريق أمام عودتهم إلى أراضيهم أو تعويضهم بأرض مقابل ارض. من هنا يجب رؤية تقرير برافر والقانون الذي يحضر الآن بأنه موجه ضد مجمل الأقلية العربية الفلسطينية وليس عرب النقب وحدهم.

كذلك فأن إستراتيجية إسرائيل الجديدة تتمثل في تطوير ما اتبعته من سياسات إبان النكبة وعدم العودة على "أخطاء" ارتكبتها آنذاك. فما زلنا نرى بعض الحطام والشواهد في قرانا المهجرة الماثلة أمامنا منذ العام 1948. أما هذه المرة فلا تعتمد حكومة إسرائيل على عملية التحريش فقط لإخفاء الجريمة. تهويد المكان يتطلب محوه من الذاكرة وخلق هوية ورواية جديدة له. إستراتيجية إسرائيل الجديدة رأيناها في العراقيب وقبل ذلك في طويل ابو جروال وهو عدم ترك أي شواهد وآثار لوجود عربي في المنطقة . في هاتين القريتين تم هدم البيوت وإزالة حطامها من المكان وتم قلع أشجار الزيتون وأشجار مثمرة أخرى وزرع أشجار الايكاليبتوس مكانها.

الزائر للعراقيب اليوم لا بد أن ينفعل من صمود أهلها وثباتهم على أرضهم بعد هدم القرية واحد وثلاثون مرة. لقد محت الجرافات الإسرائيلية كل ذكر للقرية وأشجارها. لكن الزائر لا بد إلا أن يتفاءل عندما يرى الأشجار التي أبت إلا أن تقاوم. فهنا وهناك وعلى حطام القرية وبساتينها ترى بزوغ أشجار الزيتون, الرمان, النخيل والجوافه. فبعد الأمطار الأولى لهذه الموسم في القرية أبت هذه الأشجار إلا أن تقول ها أنا هنا, وأن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". استراتجياتكم تتغير أما أنا فباق إلى الأبد في ارض الآباء والأجداد.

المواطن العربي النقباوي يقاوم والأشجار تقاوم, ويبقى السؤال هل تقترح قيادات جماهيرنا أي جديد للمرحلة القادمة, المرحلة التي تهدد وجودنا على أرضنا وفي وطننا؟


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر