الراصد القديم

2011/12/25

كيفَ نغرسُ الأنانيّة ؟

...بقلم : سامية عثمان

في عصر العولمة والتكنولوجيا الحديثة لم يعُد أفرادُ العائلة يجتمعون على طاولة واحدةٍ يتجاذبون أطراف الحديث ـ مثل ذي قبل ـ إلاّ بالصدف النادرة ، ولن أقول في المناسبات لأنّنا صرنا نخرج للترفيه أثناءها .

ما دعاني لكتابة هذه المقالة هو سماعي إحدى الزميلات تحادث زميلة أخرى بأنّها قد اشترت حاسوبًا لابنها الصغير كي لا يتشاجر مع أخيه الأكبر سنّا، على استعمال الحاسوب .إذ فضّلت راحتها على تعليمهما أن يخصّص كل شخص فيهما ساعة يستعمل الحاسوب فيها... بينما يتطلّب من الثاني الانتظار والصّبر حتّى يأتي دوره .

تساءلتُ في نفسي : ألسنا نحنُ من نزرع الأنانيّة وحبّ الذات في نفوس فلذات أكبادنا ؟ فبدل أن نحثّهم على التنازل للغير والعطاء وكبح جماح النفس التي تحثّ على ارتكاب المعاصي وإتباع الشهوات .ونعوّدهم الانتظار حتى يأتي دورهم، نحنُ نحلّ مشاكلهم بتوفير جميع متطلباتهم ونقدمها لهم على أطباق من ذهب، فلا يشعرون بمشقّات الحياة ويعتقدون أنّها سهلة المنال ..لا يتعلمون تحمل المسؤوليات في صغرهم فتنقلب عليهم جحيما حينما يكبرون فيواجهون مشقات الحياة بتأفف وتذمّر .

يعتقد علماء النفس أنه وكلما مرّ الإنسان بصدمات ثمّ تخطّاها بجهوده ومعانياته فإنّه يصبح أصلب وأقوى،، فيتلقّى ضربات الحياة الأصعب بعزيمة وصبر وجلد فتهون عليه مصائب ومصاعب الحياة.

لا عجب أنّ أولادنا لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب وطلباتهم لا تنفد مهما لبيناها وحقّقناها لهم، فلم نؤهلهم ولم نعوّدهم على الصبر والانتظار وتحمل أعباء الحياة ، ولم نغرس في نفوسهم الأثرة وحبّ الغير والتنازل له..وكيفَ يكون ذلك وكل فردٍ في العائلة يمتلك حاسوبا خاصّا وجهازا خلويا وشاشة تلفاز في غرفته الخاصّة! فلا يصطدم مع أخيه في البيت لأن لا أشياء مشتركة بينهما فلا يتشاجران ولا يتنازعان على شيء ولا تواجههما مواقف تدعوهما للحوار أو الجدال والنقاش لإقناع الآخر بحقّه ...لا مواقف تحثّهم على الصّبر أو التنازل وتفضيل الغير على النفس .

وما يحدث في شوارعنا خير دليل على ذلك؛ فكلّ يطمح للانفراد بالشّارع العامّ ومن ثمّ موقف السيّارات ...إن صار جدال على موقف سيّارة ولمن يعود حقّ الأولويّة يحتدم فيغدو صراعا وتشابكا بالأيدي والأسلحة ، فتنشبّ حرب شعواء بين داحس والغبراء. فهذا يقتل ذاك.. وآخر يودّ أن يثأر لدم أخيه، وبطرفة عين تسبح العائلة في بركة من دماء، وما من أحد من أفراد العائلة يحكّم عقله وينتزع أنانيّته المغروسة في أعماق أعماقه.

قد يعتقد البعض أنّني أهوّل الأمور و"أعمل من الحبّة قبّة" ...لكن ..دعونا نسلّط الضوء وننظر للأمور بمنظار يجعلنا ننظر لمشاكلنا الاجتماعية بصورة واضحة ، كي نسعى جاهدين على اجتثاث آفة العنف والأنانيّة والغضب وحبّ الانتقام والأخذ بالثّأر من أفراد مجتمعنا .

فلنهيئ لفلذات أكبادنا الفرصَ العديدة ليتشاجروا ويتنازعوا ومن ثمّ يتفقوا فيما بينهم على برنامج مشترك يشاهدونه، أو ساعة معيّنة ومخططة لأحدهم يستعمل فيها الحاسوب المشترك لأفراد العائلة ، وليطوّروا مهارات المحادثة والمجادلة ويـُنموا طرق الإقناع وتقبّل الآخر والتسامح وليتعوّدوا على تحكيم عقولهم قبل قلوبهم ...وقبل اتخاذ أيّ تصرّف أرعن قد يجرّهم إلى الدخول في مواقف ومتاهات هم في غنى عنها ......سامية عثمان

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر