الراصد القديم

2011/12/04

تكتل التغيير »: وراء « الجنرال » سرّ… إلى المعارك المستحيلة


«

فارغ اليدين، يدخل العماد ميشال عون القاعة السفلية من دارته في الرابية، متأبطاً في معظم الوقت، ابتسامة أبوية… وقاموس مفرداته الاستثنائية. يجد في انتظاره نواب تكتله: «البرتقالي»، «الأخضر»، الصديق، والحليف. ينضم إليهم وزراء «التكتل» ممن تسنى لهم مغادرة «الكرسي» لساعة من الوقت، من ضمنهم «الرفاق» من «الطاشناق» و«المردة». خلطة هجينة من الألوان والمصالح والمشارب والحسابات تتطلب قدرة عالية على ضبط الإيقاع، في الداخل… كما في الخارج.

جلسة الثلاثاء، ثابتة على جدول أعمال النواب والوزراء. التغيب يحتاج الى عذر، وندر أن يكون هناك معتذرون. ليس طمعاً بالنقاشات، ولكن منعاً لتسجيل نقطة سوداء في سجّلهم. والمفارقة تكمن في أن تثبيت هذا الموعد كان بناء على طلب بعض النواب، بغية سحب المعطيات من «جيب القائد»، كونها الآلية الوحيدة المتاحة أمامهم للتشاور مع «الجنرال» في آخر المستجدات، وإلا فكل نائب مضطر «لتدبير راسه»… في أغلب الأحيان، يتحدث «الجنرال»، ثم يتحدث والكل يستمع اليه. لا مكان للنقاشات الحامية أو للسجالات المفصّلة. القاعدة التي تحكم الاجتماع: استاذ يعطي مادته ويغادر الى حيث ينتظره المنبر الاعلامي الأحب الى قلبه.
بعض الوجوه مألوفة في «الدار البرتقالية». حضور شبه دائم للجلسات: ادغار معلوف، عباس هاشم، فريد الخازن، نبيل نقولا، غسان مخيبر، ابراهيم كنعان، الان عون، زياد أسود، ميشال حلو، سيمون أبي رميا، اميل رحمة، أرتور نظاريان وغيرهم… وهناك من يصنف في عداد المفقودين: عصام صوايا حالة فريدة من نوعها، وحده اسمه على اللائحة الالكترونية في البرلمان يعرّف عنه بصفته النيابية. وهناك من منعته انشغالاته الوزارية من المواظبة على الاجتماع الدوري كالوزير العوني بلا حقيبة سليم كرم!

المطبخ العوني، النيابي والوزاري والسياسي، ليس في التكتل نفسه. هو عبارة عن صيغة مركبة لـ«الجنرال» دور محوري فيه. نمط تفكيره. ادارته. حدته… وفي النهاية يكون القرار اما حصيلة قراءة فردية، أو غب ترك الأمور على سجيتها (على طريقة سيري فعين الله ترعاك)، أو نتاج تشاور يبدأ في الضاحية ويمر أحيانا على بنشعي وبرج حمود ومطارح أخرى اذا لزم الأمر، من دون اغفال دور «الحلقة الضيقة» التي تقتصر في أغلب الأحيان على «الجنرال» والوزير جبران باسيل وآلية التواصل المنتظمة مع «حزب الله».

يأخذ «برتقاليون» على العماد عون افراطه الاعلامي بالاصرار على «الطلة» كل يوم ثلثاء بعد اجتماع التكتل، وميله دوماً إلى تجهيز مدفعيته، لتصويبها يمنة ويسرة، لا يوّفر قريباً أو بعيداً… انطباع لا يقبله المتحمسون لـ«الجنرال»، على قاعدة أن ما كرّسه، بالممارسة وعلى صعيد الخطاب السياسي «لم يسبقه إليه زعيم مسيحي».

رئاسة كتلة وزارية «عشرية»، من أصل حكومة ثلاثينية، ليست مزحة. ويحق لميشال عون ما لا يحق لغيره… حتى لو قال كلاما أمام الاعلام، صادف في أكثر من مرة أن أعضاء التكتل لم يسمعوا به نهائيا في الاجتماعات!

يلجأ الحلفاء إلى لعبة توزيع الأدوار، فيختلف منسوب التصعيد بين فريق وآخر. في كثير من المحطات، توكل المهام الصعبة الى «الضابط المشاكس». لكن سرعان ما يأتيه اللوم على نبرته الهجومية. حتى صار الأمر مدعاة للأسئلة عند العونيين. هل ثمة ادارة عشوائية أم هناك تنسيق حقيقي وبالتالي توزيع أدوار بين «الحلفاء»؟

النموذج «الطازج» قرار وزراء «التكتل» بالاعتكاف ردا على اشهار رئيس الحكومة نجيب ميقاتي سيف الاستقالة اذا لم تقر الحكومة التمويل. اعتبر البعض أن قرار الاعتكاف وفق لائحة مطالب وزارية، رمية من غير رام، وفي المقابل، قال آخرون انها ضربة معلم من جانب «تكتل التغيير»، فلقد أحرج ميقاتي وباقي الحلفاء وبالتالي أعيد خلط الأوراق وصار المخرج ممكنا، وفي الوقت نفسه، لن يكون سهلا على ميقاتي أن يرمي الحكومة في مهب تصريف الأعمال لأسباب والتزامات سياسية وانتخابية، فنحن لنا اعتباراتنا وحساباتنا أيضا، وعلى حد ما قال أحدهم «يريد نجيب ميقاتي أن يتحول الى بطل، ماذا ينقصنا ايضا حتى نسبقه الى البطولة»؟

«نعم كان لا بد من رفع البطاقة الصفراء. لقد تكررت أخطاء الأكثرية في ملعب التجربة الحكومية، وها نحن بعد سنة من تحملنا مسؤولية ادارة البلاد نكتشف أن ما فعلته أيدينا كان في سياق تبرير السياسات السابقة في شتى المجالات… والمحصلة صفر في الادارة (التعيينات) والاقتصاد والخدمات، من دون اغفال حقيقة القضاء الممسوك والأمن الممسوك، لكأن سهيل بوجي(الأمين العام لمجلس الوزراء) كان يقود الحكومة بالنيابة عن سعد الحريري أو فؤاد السنيورة» على حد تعبير أحد وزراء «تكتل التغيير».

لطالما كان «الجنرال» وما يزال عاشقاً للمعارك المستحيلة. يطرح عناوين كبيرة سرعان ما يبدو أنها عالقة في زواريب مطالبه الضيّقة. الكل يحترم خصوصيته، وإن كانوا يفضلون أحياناً الهدوء والتروي لاقتناص الأهداف، وفضّ الإشكالات. وكثيراً ما يسايرونه، لأنهم يعرفون جيداً أن تصعيده الإعلامي هو من باب تكتيك سياسي، يبرع باستخدامه، في ظل قابلية لعدم التراجع الى الوراء أحيانا، ما يؤدي الى جعل «التيار» ومعه «الجنرال» هواة تحويل الانتصارات الى هزائم على عكس فريق 14 آذار الذي لطالما حول هزائمه الى انتصارات بدليل ملف الكهرباء وملف النفط وانتخابات محامي بيروت الخ…

تكفي استعادة تجربة «الثلثاء الأسود» في 23 كانون الثاني من العام 2007، يوم استخدمت المعارضة سلاح حرق الدواليب لإخضاع خصومها، لإبراز «نديّة» العلاقة بين مكونات «التكتل» الذي كان لا يزال طريّ العود، في عهده وفي شبكة أمانه الداخلية. يُقال يومها، أن «الجنرال» كان متحمّساً لسياسة «الأرض المشتعلة»، وأنه كان منحازاً لتمديد خيار إقفال الطرقات، في حين أن حليفيه «المردي» كما «الطاشناقي»، ضغطا باتجاه الحيلولة دون اية فتنة مسيحية مسيحية وبالتالي ضرورة استعادة الهدوء، ورفع حالة الطوارئ في ساعات بعد الظهر بعدما أدت الرسالة قسطها إلى العلى… وهكذا صار.

على طاولة الرابية، جدول أعمال جلسة الثلثاء مفتوح دائماً. في السابق، كان البرنامج المعدّ سلفاً يسبق وصول النواب إلى البيت «البرتقالي». اعترض هؤلاء على حصر نقاشاتهم بقضايا محددة، فجرى إلغاء هذه الآلية، لتترك الجلسة على عفويتها. عادة يبدأ اللقاء بـbreafing سياسي يقدمه الجنرال يختصر فيه قضايا الساعة، على أن يتولى من بعدها النواب تقديم ما في دلوهم، من تساؤلات أو استيضاحات، ونادراً ما تأتي في صيغة ملاحظات أو انتقادات.

يوم الثلاثاء الماضي كانت المحكمة الدولية الطبق الرئيس. كرر الجنرال «لازمة» رفضه للتمويل، «بمعزل عن موقف الحلفاء». الموضوع السوري نال قسطا كبيرا من «المحاضرة البرتقالية». استفاض «الجنرال» في شرحه لأسباب ارتياح القيادة السورية: سقوط امكانية فرض «ممر عسكري» لاستعادة تجربة بنغازي، الدعم الروسي نابع من مصلحة استراتيجية لا يمكن مقايضتها، ولا خوف من الحصار الاقتصادي طالما أن المعبر العراقي حيّ يرزق وطالما أن السوريين خبروا «القلّة الاقتصادية» وبمقدورهم الاكتفاء ذاتيا…

كيف يتفاعل نواب «تكتل التغيير» مع قائدهم ومن هو أكثر النواب مشاكسة في حضرة «قائد المشاكسين»؟

معظم المشاركين في الجلسة يفضلون الاستفادة من معطيات «الجنرال» على محاصرته باعتراضات ندر صدورها. كثيراً ما يلجأ إلى استفزاز انطباعاتهم من قضية ما ليراكم المعطيات التي بين يديه، قبل أن يبوح بما في ذهنه، ومن بعدها يسود الرأي الواحد. أحياناً تحمل الخلفية القانونية للنائب غسان مخيبر إلى «المزاركة» في القانون، وقد يذهب في بعض الحالات بعيداً عن الواقعية السياسية إلى أقصى المثالية التي لا تقنع الحاضرين. هناك من يفضّل السير جنب الحائط لأنه يخشى «وجع الراس» مع «الجنرال»، وهناك من يخشى تطويل لسانه لأنه يدرك أن محاضر اللقاء قد تصبّ لدى جهات أخرى.

قد يكون النواب غير «العونيين» أقل شراسة من غيرهم، لأنهم يدركون أن مرجعيتهم هي خارج «الجدران البرتقالية»، ويفترض بهم المشاركة في حلقات النقاش الحزبية الداخلية، كما أن لنواب «التيار الوطني الحر» قنواتهم الحزبية للتعبير عن آرائهم من القضايا المطروحة.

على هامش الجلسة الموسّعة، ثمة حلقات ثنائية تعقد بعيداً عن عيون «رفاق الصف». بعض تلك الجلسات تكون من باب «النق» والشكوى على بعضهم البعض، مع العلم أن «الجنرال» لا يحبّذ النميمة، لكنه يستمع دوماً لخفايا النواب ونواياهم. يفضّل طرح الوقائع والحقائق وعرض الحلول على سياسة «البكاء على الاطلال». وبعض اللقاءات الثنائية يكون من باب عرض مبادرة سياسية فردية لعضو في «التكتل» يخشى فلشها على الطاولة، خشية أن يلتقطها «رفيق» له على الطاولة ويسابقه في استثمارها.

يتبارى «جنود التكتل» على التودّد من القائد أكثر من منافستهم في أدائهم البرلماني أو الوزاري. هاجس بقائهم على الخارطة النيابية يطغى على ما عداه. والأنانية الفردية «فيروس» متنقل بين «أبناء البيت البرتقالي». يروي أحدهم أنه لما سأل زميلاً له عن رأيه بآخر التطورات، اكتفى الأخير بالرد: أرى عيون الورثة تكثر من حولي!

يتسلح «الجنرال» الذي يحسن الإمرة، منذ زمن المؤسسة العسكرية، بمخزون معيوش على مدى العقود السبعة، وبتراكم معرفي حصّل الجزء الأكبر منه في زمن المنفى الباريسي وبقدرة على التواصل اليومي مع الناس وإيمانه بكسب ثقتهم.
يترك ميشال عون «بوسطة» التكتل تسير على هديها: ارتباك دائم في مواجهة ماكينة الخصوم الإعلامية والسياسية. غياب آلية التنسيق الواضحة والثابتة بين أعضاء التكتل. اتكال على بعض الجهود الفردية في التقاط الأفكار وطبخها قبل بثّها في ساحة المواجهة.

وفي كلّ مرة يعاني فيها «التكتل» من هبوط في أدائه الدفاعي، يُسأل «الجنرال» عن أسباب الامتناع عن إنشاء «غرفة عمليات» قادرة على توزيع المهام على «الضباط» في معاركهم. وجوابه دوماً: من لا يظهر اندفاعه ولا يحسن استخدام قدراته بمبادرة منه، لا يهمني وقوفه إلى جانبي!

في عامه السادس، لم يتمكن «التكتل» من صياغة آلية واضحة المعالم لتنسيق قدراته. يُحكى عن صيغة قد تبصر النور وتساهم في التخفيف من الانزلاقات… وتبقى التجربة خير برهان.



كلير شكر -السفير

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر