الراصد القديم

2012/01/02

العرب والصهيونية(1882 -1914) الجزء العاشر

ب) الوطنية المحلية

يبدو أنه منذ 1910 وما بعد، بدأ يتطور الإحساس بالهوية المحلية في أوساط عرب فلسطين؛ والدليل على ذلك يمكن أن نجده، على سبيل المثال، في الصحيفة المسماة، وليس عرضا "فلسطين"، والتي بدأت بالصدور في ربيع سنة 1911 في يافا، والتي اعتادت التوجه إلى قرائها كـ"فلسطينيين". وفي هذه الأجواء المتبدلة، ربما كان بالإمكان التكهن بأن بعض العرب المحليين سيبدأون النظر إلى أهداف الصهيونيين ونشاطاتهم في فلسطين على أنها تهديد مباشر للسكان المحليين . ويمكن أن يكون موقفهم قد انطلق بداية من مسار فكري، شكلت بحسبه الصهيونية خطراً على السلطنة بشكل عام، وعلى فلسطين بصورة خاصة. ومن هنا كانت خطوة صغيرة فقط كافية لاستيعاب الصهيونية كخطر خاص على فلسطين، دون علاقة بآثارها على السلطنة بكليتها . وفي أيار/مايو1910، عندما أرسلت من حيفا البرقية المذكورة أعلاه، وفيها احتجاج على مشروع بيع الأراضي لإقامة مستوطنة "مرحافيا"، أرسلت أيضاً برقية موازية إلى استنبول من قبل رؤساء كل الطوائف الدينية في الناصرة. ورأى هؤلاء بالاستيطان اليهودي في منطقتهم تهديداً مباشراً لهم دون علاقة بالخطر على السلطنة بكليتها. " قدوم مهاجرين يهود بعدد كبير من الخارج إلى هذه المنطقة يتسبب بأضرار سياسية واقتصادية كبيرة. في الماضي، منعوا من الإقامة هنا، والصحافة كلها تتفق في العالم بأن الصهيونيين يُنمّون في قلوبهم النية لمصادرة أملاكنا. هذه النوايا هي بالنسبة لنا مسألة حياة أو موت. . . ".

وفي أواخر 1910 ظهر تطور مثير للاهتمام في الصحافة العربية المحلية، ينطوي على إظهار كيفية إسهام نشاط الصهيونيين أيضاً في تنمية الإحساس بهذه الهوية في أرجاء البلد. ففي تشرين ثاني/ نوفمبر نشر أحد أعيان حيفا العرب رسالة مفتوحة في "الكرمل". وفيها دعوة محرر " النجاح" (منشور صغير وقصير العمر في القدس)، للتأمل في المحيط ورؤية ما يحدث. وبعد شهر شكر محرر "النجاح" " الكرمل" على تلك الدعوة: " لا مفرّ لنا إلا قبول كلامك والمشاركة بصوت دعوتك والاعتراف بيقظتك والقول للوطنيين في القدس : استيقظوا أيها النيام، استيقظوا !"

الوطنية المحلية التي كانت نقوم على أساس أكثر اتساعاً تحولت إلى ركيزة معروفة ومفهومة في المقاومة للصهيونية. وقد جرى التعبير عن الأمر بشكل واضح في 1913، عندما أوصى رجل نابلسي في جريدة "فلسطين" بإقامة شركة، يساهم فيها أعيان من جميع المدن الرئيسية في فلسطين: القدس، يافا، حيفا، غزة، ونابلس. وعلى الشركة شراء الأراضي الحكومية والأراضي المزروعة لإنقاذها من أيدي الصهيونيين. واقترح الكاتب أن تسمى الشركة باسم جدير بالإشارة: "شركة وطنية فلسطينية" بخلاف صارخ عن " الحزب الوطني العثماني" الذي تأسس في يافا قبل عامين.

هذا الاتجاه المحلي و"الفلسطيني" تعزز في 1914. ففي2 نيسان/ ابريل أُوقف صدور صحيفة " فلسطين " بأمر من السلطات، وكما يبدو في أعقاب نشر مقال قبل ذلك بأسبوعين، يتضمن هجوماً عنيفاً على الحكومة في مسألة الصهيونية . وكان جواب صحيفة "فلسطين" نشر رسالة دورية إلى قرائها في نهاية شهر نيسان/ ابريل، تعبر, حسب شهادة نائب القنصل البريطاني في يافا، والقنصل البريطاني في القدس , " بصدق عن العداء المتصاعد في أوساط العرب للصهيونية".

وبمرور شهرين، وزعت في القدس "دعوة عامة للفلسطينيين، موقعة من قبل "فلسطين"، وفيها نداء لعمل حازم ضد الصهيونية.

في عام 1914 بدأ أعيان عرب مقدسيون، ممن كانوا قبل بضع سنوات أولياء الموالين للعثمانيين، يعارضون الصهيونية على أساس تبريرات وطنية محلية. وقد ظهر ذلك في سلسلة مقابلات أجرتها صحيفتا "فلسطين" و"الإقدام" قبل انتخابات نيسان /ابريل 1914 وبعدها. وجاء المرشحون من الزعامة المسلمة حصراً، وجميعهم أولوا اهتماماً خاصاً بمستقبل فلسطين.
حسين الحسيني، رئيس المجلس البلدي في القدس، كان في نظر الاستيطان الجديد متعاطفاً معه. وكان إلى حد ما الأكثر اعتدالاً بين الذين أجريت معهم المقابلات، كونه قال بأنه لا يرى خطراً في الحركة الصهيونية، لأنها ليست حركة سياسية، وإنما هي حركة تعمل في الاستيطان. ومع ذلك، كانت لديه تحفظات خاصة، نابعة أيضاً من هموم محلية:
" لست أرى أي خطر من الحركة الصهيونية، لأن هذه الحركة ليست سياسية، وإنما استيطانية. وأنا متأكد أنه ما من صهيوني واحد، عاقل وذي علم، تخطر في باله فكرة تأسيس حكومة يهودية في فلسطين، كما يقولون عنهم. جاء الصهيونيون إلى هذه الدولة من أجل العيش فيها. وهم أناس متعلمون وذوو ثقافة، ولا مطامح لديهم، وهم موحدون فيما بينهم . ليس من العدل والإنسانية أن نكره ونعادي هذا الشعب. . . . إلا أنه مع ذلك علينا مراقبتهم بعيون مفتوحة، وإذا استمرينا في طريقنا وهم في طريقهم فستنتقل كل أراضينا لملكيتهم، وفلاحنا فقير ومعدم، والفقير قد يتنازل عن أملاكه من أجل عيشه. ولذا فعلى الحكومة أن تصدر قانوناً جديداً في فلسطين فيما يتعلق ببيع الأراضي، وتضع شروطاً معروفة له وتقيده تبعاً لموقعنا في البلد".

أما حافظ بك السعيد /من يافا/ الذي طالب في 1909 في البرلمان بإغلاق يافا في وجه هجرة اليهود، فقد أعلن:
"لولا أن الخطر الصهيوني كبير، لكنت أول من يعلن أننا بحاجة إلى الصهيونية في هذا البلد. ولكن الوضع مختلف، وإذا استمر الحال دون تقييد، وإذا كان مسموحاً للمهاجر شراء الأراضي في أي مكان يريد... وإذا لم تقم الحكومة بأي عمل ضد خطر هجرة الصهيونيين، فإنه من الممكن قطعاً أن ينتزع المستوطنون الجدد لأيديهم نصيب الأسد من التجارة والأراضي (في فلسطين)، وأن يفوقوا بعددهم السكان المحليين، الذين تسعة أعشارهم لا يعرفون ما هو العلم والتعليم. . . وأنا أصلي إلى الله، أن يتخذ الأشخاص القائمون على دفة الحكم الوسائل التي تفيد سكان البلد".

وأخيراً أحمد العارف ( والد عارف العارف) الذي فاز في انتخابات 1912، إلا أنه هزم في 1914، قال لمحرر" الإقدام":
" موضوع أحاديث سكان فلسطين الوحيد حالياً. .. هو مسألة الصهيونية. الجميع يخشاها ويخافها ــ والمسألة الصهيونية، وإن كانت في الظاهر اقتصادية، إلا أنها، في الحقيقة سياسية هامة . ولو طالعنا تاريخ الشعوب القديمة والأراضي التي فقدتها / فإننا نتأكد من أن جميع الأحداث السياسية قامت على أسس اقتصادية. والحكومة تنظر إلى الصهيونية على أنها مسألة اقتصادية. إلا أنه ما من شك في أنها عاجلا أم آجلا، ستتأكد أن المسألة سياسية هامة. وستجري، لامحالة تغيرات وتبدلات في جغرافية فلسطين – إذا استمر الأمر على هذا النحو في المستقبل. ونشاط الصهيونيين للحفاظ على لغتهم، عاداتهم ومواطنيتهم – يؤكد استنتاجي هذا".
يتبع.......

الجزء التاسع

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر