الراصد القديم

2012/01/08

العرب والصهيونية(1882 -1914) الجزء الحادي عشر

ج) القومية العربية :

مع أن قلة، من الناحية العددية، كانت من القوميين العرب الذين أسسوا "اللامركزية"(11) في القاهرة عام1912، ولجنة الإصلاح"(12) البيروتية في بداية 1913، إلا أن أهميتهم، سواء من ناحية فكرية، أو بالنظر إلى المستقبل، كانت كبيرة جداً. فمواقفهم إزاء الصهيونية واتصالاتهم بالقادة الصهيونيين ستبحث بتفصيل معين لاحقاً. ونكتفي إذن هنا بالقول أنه في 1913 بدا وكأن غالبيتهم مالت لتأييد تسوية مع الصهيونيين، بينما في 1914 حصل تغيّر في التوجه، وظهر اتجاه واضح من المقاومة المبدئية للصهيونية، ليس فقط بسبب الدعوى بأنهم عقدوا حلفاً مع "جمعية الاتحاد والترقي"13) وإنما أيضاً بسبب الإدعاء بأن هجرة يهودية مستمرة إلى فلسطين قد تقطع التواصل الإقليمي العربي. وهذه النقطة الأخيرة قدمت بصورة مفصلة من قبل خليل السكاكيني ،وهو شاب راديكالي مقدسي، إذ كتب في يومياته في 23 شباط/ فبراير 1914:

" احتلال فلسطين من قبل اليهود يعني احتلال قلب الأمة العربية، إذ أن فلسطين هي الحلقة الواصلة بين شبه الجزيرة العربية ومصر وإفريقيا. وإذا احتل اليهود فلسطين، فإنهم سيحولون دون توحيد الأمة العربية؛ وفي الحقيقة، فإنهم سيقسمونها إلى جزأين، ليس بينهما صلة. وهذا الأمر يضعف الشأن العربي، ويحول دون تضامن الأمة ووحدتها" .

د ) اتجاهات فرعية :

إلى جانب الاتجاهات الرئيسية الثلاثة في ظاهرة المقاومة للصهيونية في أوساط العرب، يمكن تمييز ثلاث اتجاهات فرعية أيضاً، هامشية بالنسبة إلى الاتجاهات الرئيسية: مقاومة للصهيونية بسبب التنافس في المجال الاقتصادي، بسبب اللاسامية، أو لأسباب ودوافع إسلامية.

(1) ومع أن تحفظات لأسباب اقتصادية كمنت في أساس برقية الاحتجاج في 1891، ومع أنها أثيرت في الصحافة من حين لآخر، فإنه فقط في 1911 جرى التعبير المنظم عنها. ففي تلك السنة، التي شهدت تشكيل " الحزب الوطني العثماني" في يافا، شكلت أيضاً مجموعة أسميت " الشركة الاقتصادية التجارية".
وبناء على شهادة شمعون مويال، الطبيب في يافا، الذي كتب في صحيفة " حيروت " ( القدس)، حظر على اليهود الانضمام إلى تلك الجمعية، التي كان هدفها مقاومة الصهيونية. وطرحت الجمعية، حسب مويال، إثارة كراهية اليهود في قلب السكان المحليين، وهكذا يجبر اليهود على ترك البلد. وذكر أيضاً أنه بموازاة ذلك حاول نجيب نصّار تنظيم مقاطعة اقتصادية لليهود في حيفا, وطرح نصار ألا يؤجر العرب المحليون بنايات لليهود ولا يتاجروا معهم. ومع أن هذا الطرح لم ينجح كثيراً، حيث كما أشار إلى ذلك "العامل الشاب" (هفوعيل هتسعير): "حتى الأشد تعصباً بين المسيحيين" سرّ لتأجير بيته ليهودي دفع كما يجب تماماً، عاماً بعد عام.
مسألة التنافس الاقتصادي مع الاستيطان اليهودي الجديد، بقيت في أساسها موضوعاً للصحافة العربية حتى منتصف 1914، عندما ذكرت صحيفة "فلسطين" تشكيل لجنتين جديدتين في القدس. الأولى أسميت "الشركة الوطنية الاقتصادية". ويجوز أن الصفة "وطنية" تشير إلى أن الشركة مالت للولاء العثماني، وهو ما يمكّن أيضاً تفسير تشكيل اللجنة الأخرى، التي أسميت "شركة الاقتصاد الفلسطيني العربي".
(2) اللاسامية الأوروبية: التي جرى التعبير عنها في المناهضة العربية للصهيونية، الأمر الذي تمكن ملاحظته في الرسوم الكاريكاتورية، التي نشرت في النشرة الساخرة "الحمارة" البيروتية، خلال فترة قصيرة بعد بيع أراضي الفوله لإقامة مستوطنة مرحافيا في ربيع 1911: صلاح الدين البطل المسلم الذي طرد الصليبيين من الأرض المقدسة، يوصف في الرسم الكاريكاتوري وكأنه يهدد صورة يهودي، رسمت بخطوط لاسامية فجّة، وهو يدحرج ذهباً كثيراً إلى يد ممدودة، تخص موظفاً عثمانياً، أو مالك أرض عربياً. وبالفعل، فإن لهجة اللاسامية التي استشعرت في جزء من النقد العربي كانت شديدة، إلى حد أن روحي بك الخالدي، لدى افتتاحه المداولة حول الصهيونية في البرلمان، في 16 أيار/مايو 1911، أحس أنه مضطر للإعلان بداية، وبارتباك معين، أنه ليس لاسامياً وإنما مناهض للصهيونية.

ونكتفي هنا بنموذج آخر من تلك الاتجاهات الفرعية، ففي 8 تشرين الثاني / نوفمبر 1913، نشر الشيخ سليمان التاجي الفاروقي في صحيفة " فلسطين" قصيدة سياسية، تعبر عن ذاتها: "الخطر الصهيوني". كان المؤلف شيخاً ضريراً من الرملة، صاحب أملاك في محيط يافا، ورد ذكره في 1911 كعضو هام، سواء في "الحزب الوطني العثماني" أو في "الجمعية الاقتصادية التجارية" في يافا. وكان مطلع القصيدة في صحيفة "فلسطين": "أبناء الذهب الرنان، توقفوا عن خداعنا" وفي استكمال القصيدة طور الفاروقي في لهجة لاسامية عتيقة، بحسبها يملك اليهود أموالاً طائلة، وبواسطتها يستطيعون فرض إرادتهم على شعوب ساذجة وغير واعية.

(3) وأخيراً، ربما كجزء من التمرد الإسلامي بعد حرب البلقان، بدأت المقاومة العربية الضئيلة للاستيطان الجديد، تتنوع بأفكار إسلامية خاصة. سليمان التاجي على سبيل المثال – الذي كان بعد الحرب العالمية الأولى محرّر "الجمعية الإسلامية" (نشرة إسلامية ذات ميول مناهضة للصهيونية) توجه بقصيدته "الخطر الصهيوني" إلى الخليفة مع أن الخلافة كانت في حينه لا وجود لها كمؤسسة إسلامية:

" وأنت" أيها الخليفة حامـــي المؤمنين ارحمنا
يا صاحب التاج، هـــل يحلو بـــعينيك أن تـــرى
كيف تشرى أرضنا منّا، وكيف تنزع من أيادينا"
الدعوة العامة للفلسطينيين، التي ورد ذكرها أعلاه، والتي وزعت في القدس، في حزيران/يونيو1914، كانت إسلامية في لهجتها إلى حد كبير. وهذه الدعوة نشرت باسم عمر بن الخطاب (فاتح فلسطين للإسلام)؛ والدعوة أوردت قول النبي محمد ، كأنما "مغادرة الوطن هي جريمة"، وحذرت من أن المتنازلين عن ميراثهم ليسوا مسلمين. "الله، ورسوله، وملائكته، وجميع الناس، سيكونون ملزمين بعقابكم... هل تريدون أن تُسْتَعبدوا للصهيونيين، الذين جاؤوا إليكم لإخراجكم من وطنكم، بقولهم أن هذا البلد هو لهم؟ اسمعوا إني أدعوا الله ورسوله أن يشهدا ضد أقوالهم، إنهم كذابون..."

الجزء العاشر

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر