الراصد القديم

2012/01/15

العرب والصهيونية(1882 -1914) الجزء الثاني عشر

هـ) مواقف مركبة وتأثيرات خارجية:

كما ذكر أعلاه، هذا التقسيم للاتجاهات يرمي أساساً لتلبية ضرورة التحليل النظري لظاهرة مناهضة الصهيونية في أوساط العرب. إلا أنه في الواقع استكمل عدد من هذه الاتجاهات بعضه بعضاً، فتداخلت معاً. والعرب الذين عارضوا زيادة الاستيطان، قاموا بذلك عموماً لعدد من الأسباب. كان الموقف الأكثر انتشاراً في فلسطين يقوم على الولاء للعثمانيين، وانضم إلى الوطنية المحلية. وعلاوة على ذلك، يمكن تمييز أسس أخرى أيضاً ( مثل اللاسامية، المخاوف الاقتصادية، وما شابه)، والتي تختلف وتتبدل من شخص لآخر حسب ديانته، مهنته، وما شابه.

فنجيب نصّار، محرر "الكرمل"، كان البارز بين الناشرين العرب في فلسطين، والذين عبروا عن هذا الموقف المركب، وحتى الممثل، في مناهضة الصهيونية. في الجدل الأول حول الصهيونية في البرلمان العثماني في شباط/ فبراير1911، تكلم الصدر الأعظم عن الصهيونيين باستخفاف وكأنهم "حمقى تماماً". وضد هذا الادعاء خرج نصّار حالاً بملف نشره في حيفا: " الصهيونية، تاريخها، هدفها، وأهميتها"، وفيه أراد إثبات أن خطر الصهيونية ليس خيالياً، وأن القادة الصهيونيون ليسوا حمقى. والجزء الأكبر والأول من هذا الملف كان في الأساس ترجمة محرّفة لمادة الصهيونية في "الموسوعة اليهودية" التي كتبها الأستاذ ريتشارد غوتهايل. وفي الجزء الثاني، الأكثر أهمية، سأل نصّار "ماذا نستطيع أن نتعلم من هذا الُمؤلًف عن الصهيونية؟ وكذلك "ماذا نحتاج"؟ وكعثماني مخلص، اجتهد نصّار في إظهار أن الحركة الصهيونية تنطوي على تهديد لوحدة السلطنة وسلامة أراضيها. ومع أنه ادعى علاوة على ذلك، بوصفه وطني محليّ، أن من واجب السكان المحليين في فلسطين أن يولوا مصالحهم الاهتمام, خاصة إزاء ما حدده كتجاهل الحكومة العثمانية لمسؤولياتها. والتوجه الوارد هنا يجسد تركيب موقف نصّار:
" فليقم رجالنا ويبدؤوا بتشكيل اتحادات للحرب من أجل العثمانية، ولتعلّم الاقتصاد وزرع المبادئ، بألا يسمح لأموال العثمانيين أن تجري إلى جيوب المستوطنين الذين يحاربوننا على الوجود، ولن يردّوا (أموالنا إلينا)". . . . "لماذا لا نكون نحن الذين تحملوا لمئات السنين المآسي والعذابات، رجالاً ونسلك سبيل الحرية، ونحيا من أجل وطننا، ومن أجل أنفسنا، كي لانجرّ على أنفسنا وعلى أبنائنا لعنة آبائنا بسبب ضياع البلاد التي امتلكوها بدمائهم!"

وإلى هذه الاتجاهات المتشابكة يجب أيضاً إضافة التأثيرات الخارجية، للأحداث السياسية في ذلك الزمان. وبالفعل، نبعت ردّة فعل العرب على الصهيونية في الأساس من ازدياد الاستيطان الجديد المستمر في فلسطين. ومع أنه منذ 1909 تأثر العرب كذلك من نواح معينة بالنضال السياسي في السلطنة العثمانية، وحتى بأنشطة مجموعات يهودية غير صهيونية، سعت على سبيل المثال، للحصول على إذن للاستيطان اليهودي في أجزاء أخرى من السلطنة، مثل العراق.

والثورة المضادة في نيسان /ابريل1909 نجمت ضمن أسباب أخرى جراء المعارضة للمفاهيم العلمانية لدى أعضاء "جمعية الاتحاد والترقي"، وجراء القلق من أن "الجمعية" تعرض للخطر موقع "الشريعة" والطابع الإسلامي للسلطنة. وبعد قمع الثورة المضادة، ارتدى هذا القلق صوراً أخرى،ومنها إلقاء التهمة على "الجمعية" بأنها واقعة تحت سلطة اليهود والماسونية .

وفي موقع آخر، وصفت إثارة تلك الاتهامات بتوسع في الصحافة، وحتى في مداولات البرلمان، وكذلك الضرر الذي لحق بالشأن الصهيوني في أعقاب ارتداع "الجمعية" عن إظهار الموقف الايجابي إزاءه، وهو حكم قد يفسّر بأنه تأكيد الاتهامات.
والكذب في تلك الاتهامات، حتى ولو كان واهياً جداً، فإنه امتلك أرجلا سريعة، ومنذ أيار /مايو 1909 قدمت للقارئ العربي النظرية بشأن سلطة اليهود والماسونيين في "جمعية الاتحاد والترقي". وقد وردت في "نهضة العرب"، نشرة " اللجنة المركزية السورية" – تنظيم عربي لا أهمية له (يبدو أنه كان صغيراً) في باريس:
"وهكذا، فهم (اليهود) يقولون: المسلمون، الأتراك، والعرب،لا يستطيعون بأي حال العيش بسلام واستقرار والتمتع بالحرية والمساواة في دولة قائمة على نهج خليفة مسلم. وماذا سيحدث عندها؟ سيتمردون على الأحرار (الماسون). وستنفجر الصراعات بينهم، وعندها تتدخل الدول الكبرى وتحمي شؤون اليهود. وهذا الأمر سيتسبب بنزاعات وعداوات بين العناصر المختلفة من المملكة ويختل النظام ويغيب الحكام ويحصل اليهود أخيراً على أطماعهم".

وبعد ادعائه بأن اليهود مسئوولون عن عودة "جمعية الاتحاد والترقي" إلى الحكم بعد الثورة المضادة في نيسان/ ابريل 1909، وأن كل أعضاء "الجمعية" دخلاء على عمانوئيل كراسو، (يهودي ماسوني في سالونيكي)، توجه الكاتب وسأل: "ألا ترون أنهم (اليهود) أخذوا الآن زمام الحكومة في أيديهم، وبعد قليل سيرفعون العلم اليهودي؟ "ولذلك: " مَن ِمن الحكام لا يتوجب عليه التفكير بالخطر الذي سيحيق به من اليهود؟" .

في البداية لم تجد هذه النظرية مساراً لها في أوساط العرب، وإنما استخدمها أساساً اليونان والأتراك من أعداء "جمعية الاتحاد والترقي" فقط، بهدف إرباكها. بيد أنه بعد النقاش حول الصهيونية، الذي جرى في شباط / فبراير 1911 في البرلمان العثماني في "استنبول" بدأت الاتهامات بشأن تسلط اليهود على "الجمعية" تستوعب في أوساط العرب، خاصة في أوساط الصحفيين العرب المعارضين لـ"الجمعية"، وطبعاً في أوساط العرب المناهضين للصهيونية .

وكما ورد أعلاه، نشر نجيب نصّار بعد تلك المداولة في البرلمان ملفّه "الصهيونية"، وتبنّى تلك الاتهامات. وفي حينه أشار رشيد رضا، الذي انضم في 1911 إلى معارضي "الجمعية" في أمور كتبها في "المنار" الى أنه لدى إقامته في استنبول قبل ذلك بسنة، انتبه إلى أن تأثير اليهود في "جمعية الاتحاد والترقي" قد تزايد . ولأسباب مفهومة، أقلقت تلك المعلومة الكاذبة بالذات العرب المناهضين للصهيونية، وبشكل خاص القوميين العرب.

وثمة تأثير خارجي آخر أسهم في معارضة العرب للصهيونية، كان متعلقاً بأنشطة جماعات يهودية غير صهيونية، سعت للحصول على إذن لاستيطان يهودي في السلطنة. لأنه، فيما عارضت "جمعية الاتحاد والترقي" الصهيونية فعلاً، فإنها لم تعارض من حيث المبدأ هجرة يهود إلى السلطنة العثمانية بمجملها، وحتى صرح عدد من أعضاء "الجمعية" بدعم استيطان كهذا. أمور بهذا المعنى صدرت عن الدكتور ناظم، أمين سر "الجمعية" في نهاية 1908، وبمرور عدد من الأشهر.، كررها أحمد رضا بك، من قادة " اللجنة" على مسامع الحاخام باشي (الحاخام الرئيسي) في استنبول. وكانت هناك جهات يهودية تمسكت بأقوالهما: "بيكا" حصلت على إذن بمسح أراض في مناطق معينة من العراق وآسيا الصغرى، وفي عام 1909و1910 قدم من برلين إلى استنبول الدكتور ألفرد نوسيغ، وتحدث مع قادة عثمانيين حول "التنظيم اليهودي العام للهجرة"، الذي أنشأه هو وتطلع لتوطين يهود مطاردين في العراق.

لم ينتج شيء من كل هؤلاء، ماعدا الإرباك الذي حصل لدى شخصيات عثمانية عديدة بدأت تتسأل ما إذا كانت "بيكا " والمنظمات اليهودية الأخرى ليست سوى هيئات صهيونية خفيّة. وكان الأشد خطورة أنه في أذهان العديدين ارتبطت مشاريع الصهيونيين بمشاريع الاستيطان في العراق والأمكنة الأخرى، وانضوت في مشروع شامل، وكما ادعى مقال في منشور تركي، "روملي" صدر في سالونيكي في نيسان/ ابريل1911: "من وراء تلك المشاريع يتخفى حلم تأسيس مملكة يهودية ومركزها القدس، والتي تشمل بلاد بابل ونينوى القديمة".

سارع العرب المناهضون للصهيونية للتشبث بتلك الدعوى. وفي ملف "الصهيونية" جهد نصّار، ومن خلال مقاطع من التوراة، لإثبات أن رؤية "عودة صهيون لليهود تشمل لبنان والعراق أيضاً. ولذلك، "يضم (الصهيونيون) "سوريا" إلى فلسطين، وأحياناً "المناطق الآسيوية والشرقية من تركيا". وفي النقاش الثاني حول الصهيونية في البرلمان في استنبول، أيار/ مايو 1911، أعلن المتكلمون العرب الثلاثة كلهم هذا الادعاء.

نجيب نصار

الصحـــافة العــــربــية:

أدت الصحافة العربية دوراً مركزياً في تطور مقاومة الصهيونية في أوساط العرب. وكانت وسيلة التعبير الرئيسية لإثارة دعاوى العرب المقيمين بعيداً عن فلسطين ضد الصهيونية، والذين لولا الصحافة لكان من المشكوك فيه إن كانت هذه المعلومات ستصل إليهم. وفي منظور تاريخي، توفر لنا الصحافة العربية مقياساً هاماً جداً لتفحص موقف الجماعات العربية المختلفة من الصهيونية. وقد ذكرنا المنشورات العربية في المراكز خارج حدود فلسطين، مثل بيروت والقاهرة وباريس. وعلى مسافة أبعد، ومنذ 1910، بدأت "مرآة العرب" صحيفة المهاجرين العرب السوريين في نيويورك، بنشر مقالات ضد الصهيونية.

وفي أواخر 1910 تركزت غالبية الدعاوى العربية الأولى ضد الصهيونية، ونشرت على يد شكري العسلي في رسالة مفتوحة، بقلمه، ظهرت في صحيفة "المقتبس" بدمشق، وكذلك في صحف أخرى مثل "الكرمل" في حيفا .
في ذلك الوقت، خدم العسلي، سليل عائلة حسيبة من دمشق، حاكماً لقضاء الناصرة، وأدار بالاشتراك مع عرب آخرين نضالاً ضد بيع أراضي الفولة (مرحافيا المستقبلية). ولكونه موظفاً في الدولة، فضل التوقيع على رسالته المفتوحة،باسم مستعار، يذكر بفخار الماضي، من أيام هزيمة الصليبيين على يد "صلاح الدين". وباقتطاف من سفر يرمياهو(32، 54)، ادعى العسلي أن الحركة الصهيونية ــ بالاشتراك مع "بيكا"، "الأليانس" و"العمال" وغيرهم – تحاول تجسيد نبوءة عودة صهيون من خلال شراء الأراضي في فلسطين. ونظام السلطان عبد الحميد قد كبح، حسب قوله، استيطان اليهود، إلا أنه، في النظام الجديد لـ "جمعية الاتحاد والترقي" مكـّن موظفون فاسدون وأصحاب أراض عرب خونة، اليهود من التسلط على مساحات أراض واسعة. وقد وصفت تلك المساحات بأنها "ثلاثة أرباع قضاء طبريا، نصف قضاء صفد، وأكثر من نصف القدس وقضاء يافا، وكذلك الجزء الأهم من حيفا ذاتها، وعدد من القرى في محيطها". وفوق ذلك:
"فاليهود لايختلطون أبداً مع العثمانيين، وكذلك لايشترون شيئاً منهم – فلليهود بنك خاص "بنك أنجلو- فلسطين" الذي يقرضهم المال بفائدة 1%سنوياً".
"ففي كل قرية ومستوطنة أسسوا لأنفسهم مجلساً مركزياً، ومدرسة، وعلى رأس كل مدينة ومدينة، مستوطنة ومستوطنة، يقوم مدير وزعيم"
"ولليهود أيضاً علم بلون أزرق، وفي وسطه "نجمة داوود"، وتحتها كلمة عبرية، معناها "صهيون" على اسم "أورشليم" المكتوب في التوراة، على اسم "بنت صهيون". وهم يرفعون هذا العلم مكان العلم العثماني في أعيادهم واجتماعاتهم، وينشدون النشيد الصهيوني!"
"وعندما يأتي اليهود إلى دوائر الحكومة يقولون بأنهم: مسجلون في قيد النفوس (كرعايا). . . ولكن ذلك كذب ونفاق! هم ليسوا عثمانيين أبداً، وإنما يحتمون في ظل حكومات أجنبية... وعندما يقعون في محكمة عثمانية، فقط عندها ينكشف خداعهم، ويتوجهون فوراً إلى وكلائهم الأجانب للدفاع عنهم، وتبرئتهم من ذنبهم، وإنهاء كل أمورهم وأشغالهم، دون علم الحكومة أبداً".
"اليهود يعلمون أبناءهم الرياضة الجسدية والحرب الخاطفة وقرع التروس. وإذا ذهبت إلى بيوتهم وجدتها مليئة بأدوات القتال والسلاح، والكثير من بنادق "المرتين"، وكذلك بريد خاص وغيره... وكل ذلك ليظهروا لك أن لديهم أيضاً علاجات على أساس مشاريعهم السياسية وتأليف حكومتهم الكاذبة والخيالية".
وفي نهاية الرسالة المفتوحة يحذر العسلي من أنه إذا لم تضع الحكومة العثمانية نهاية لهذا التيار الجارف من المستوطنين اليهود، لن يمر وقت طويل قبل أن تتحول فلسطين إلى ملك المنظمة الصهيونية وشركائها، وحتى في أيدي الأمة اليهودية".
ومن الجدير تلخيص ادعاءات العسلي كما طرحها: يدّعي اليهود بالحق الإلهي على فلسطين؛ الصهيونيون سوية مع جماعات يهودية غير صهيونية أخرى، يعملون بجدّ لتجسيد هذا الحق؛ وهم ليسوا موالين للسلطنة العثمانية؛ ويحملون جوازات سفر أجنبية، ويستغلون حقوقهم المفضلة بحسب "الامتيازات"؛ وامتلكوا مساحات واسعة من الأراضي. ويحاولون شراء أكثر بكثير؛ لا يختلطون بالسكان المحليين؛ ولديهم أهداف سياسية خاصة؛ ولديهم رموز قومية؛ وهم يعملون بجد على صياغة مؤسسات حكم ذاتي ودفاع ذاتي؛ والحكم الجديد في السلطنة لا يوقف الاستيطان اليهودي في فلسطين؛ والموظفون فاسدون، وأصحاب الأراضي العرب خونة – البلاد ضائعة إلا إذا اتخذت إجراءات.

من الواضح أن الكثير مما كتبه العسلي منحاز، والقليل حتى غير صحيح، وعلى سبيل المثال مبالغته الزائدة في مسألة ملكية اليهود لأراض واسعة في فلسطين في 1911. ولكن هذا ليس الجوهري في الأمر هنا، حيث بالفعل كانت هذه هي الادعاءات، وهذه كانت الصيغة التي عرضت فيها منذئذ، مرة تلو الأخرى، من قبل العرب،صحفيين وغيرهم، ممن يكتبون ضد الصهيونية.

وتجدر الإشارة هنا إلى تزايد مسار تدخل الصحافة العربية في مسألة الصهيونية. ففي 1909 شغلت المسألة بالأساس الصحف الصغيرة في القدس، يافا، وحيفا، والأهم فيها كانت "الكرمل" لنجيب نصّار. وفي أعقاب شكاوى من قبل اليهود على مقالات نشرت في هذه الصحيفة، أُوقف إصدارها مؤقتاً في بداية صيف 1909، وأعيد إيقافها ثانية في شتاء تلك السنة. وقدمت شكوى قضائية ضد نصّار بسبب مقال نشره في شباط/فبراير1910، ولكن في 30 أيار/ مايو برّئ بحجة أنه قلق لخيرة مصالح السلطنة. وأحد العاملين في المحكمة برر الحكم بأن نصّار يهاجم الصهيونية فقط، و"بصدق" بينما "بقية الأمور غير هامة في مقالاته ولا قيمة لها".

وهكذا استمر نصّار في حربه على الصهيونية. ويبدو أنه كان ذا مزاج نشط، وقد حزم أمره لتوصيل قضيته إلى جمهور أوسع . وسنحت له الفرصة في أواسط سنة1910، عندما بدأ نجيب الأصفر (صاحب أملاك بيروتي)، مفاوضات مع الحكومة لشراء أراضي الدولة (الجفتلك) في ولاية الشام (سوريا) وفلسطين . وباستغلال الإشاعة بأن الأصفر يعمل نيابة عن اليهود، أقنع نصّار محرري ثلاث صحف بيروتية: ("المفيد" "الحقيقة"، "الرأي العام")، وصحيفة واحدة في دمشق" المقتبس"، بالانضمام إلى معركته مع الصهيونيين.
ومن زاوية إضافة الوزن لحملته، كان انضمام تلك الصحف بمثابة تعزيز ملموس. كانت "الكرمل" نشرة صغيرة، تصدر كل أسبوعين، ويحررها مسيحي، حلقة قرائه المحدودة بالتأكيد لم تتجاوز حدود حيفا وشمال فلسطين. في المقابل كانت الصحف الأربع المذكورة هنا كبيرة نسبياً، وكل محرروها مسلمون،. "المقتبس" في دمشق كانت الأهم بينها لأن محررها محمد كرد علي، الذي كان شخصية هامة في الأدب العربي. إضافة إلى ذلك، كانت جميع تلك الصحف يومية، ماعدا "الحقيقة" التي كانت أسبوعية.
دائرة الصحف التي كتبت عن الصهيونية خارج حدود فلسطين اتسعت أكثر في النصف الأول من 1911، في أعقاب نقاشين بهذا الأمر في البرلمان . ففي الصيف جددت بعض الصحف العربية هجماتها على نجيب الأصفر ومشروعه. وفي آب/أغسطس أفاد القنصل البريطاني في دمشق بأن الأصفر أرسل وكيلا، دكتور حيدر من بعلبك، ومهمته كانت إسكات تلك الصحف من خلال عرضه أسهماً من مشروعه على محرريها. وفي أعقاب ذلك توقفت الهجمات على الأصفر – ولكن ليس الهجمات على الصهيونيين.
في تشرين الثاني/نوفمبر 1911، تأسس حزب سياسي جديد، "الوحدة الليبرالية"؛ ضم في داخله غالبية معارضي "جمعية الاتحاد والترقي" في البرلمان، وأربك الحكومة. وقد انضمت إليه غالبية المندوبين العرب، ودعمه العديد من الصحف العربية. وبعد هزيمة خطيرة في الانتخابات الفرعية في استنبول، وفي أعقاب الإدلاء بنقد علني من جانب رجال سلطة عبد الحميد السابقة، حلت "الجمعية" البرلمان واستعدت لانتخابات عامة جديدة. وكانت حملة الانتخابات مريرة. وفي مسارها استغلت صحف عربية عديدة، من معارضي "الجمعية" الاتهامات بأنها تساعد الصهيونيين في فلسطين، وفي أعقاب ذلك لم تستطع أية صحيفة عربية في ربيع سنة1912، سواء في فلسطين أو محيطها، اتخاذ موقف سياسي، متجاهلة موضوع الصهيونية.
وفي نهاية 1911 بدأ المكتب الصهيوني في يافا يتعقب بشكل منهجي الصحافة العربية، وفي النصف الأول من 1912 جرى تشريح دقيق للمنشورات الصادرة بانتظام في بيروت، دمشق والقاهرة، ومن هذا التحليل برزت استنتاجات معينة في مسألة موقفها إزاء الصهيونية.
وللإطلال على تلك الاستنتاجات بمنظور صحيح، يجب البدء بصحف فلسطين. ففي 1912كانت في البلد صحيفتان عربيتان هامتان "الكرمل" في حيفا و"فلسطين" في يافا. وقد قيل الكثير عن "الكرمل" ويكفي أن نقدم كمثال في هذا السياق الحادث البسيط، ولكن المنير للعيون. ففي نيسان/ ابريل1912، اتهم نجيب نصّار حاكم عكا بمساعدة اليهود في صفقات أراض مختلفة، فقاضاه الحاكم. إلا أن الحاكم خسر في المحكمة. وكما حدث في 1910 برّئ نصّار بحجة أنه كتب ما كتب كما يليق بعثماني "موال ٍوصادق".
بدأت صحيفة "فلسطين" بالظهور في يافا في كانون الثاني/ يناير1911. وكانت تصدر مرتين في الأسبوع، وصاحباها ومحرراها هما الأخوان: عيسى داوود العيسى، ويوسف العيسى . وكانا من أبناء الطائفة الأرثوذوكسية، وهما شابان لم يخفيا آراءهما، واختلفا مراراً مع القيادة الروحية لطائفتهما. ومنذ بداية ظهورها، دعمت صحيفتهما "جمعية الاتحاد والترقي". وفيما يتعلق بموضوع الصهيونية، يبدو أنه لم يكن للصحيفة في البداية موقف مبلور. وفي السنة الأولى نشرت مقالات مناهضة للصهيونية، إلا أنه ظهرت فيها أيضاً مقالات بإيحاء اليهود، وحتى مقالات كتبها يهود.
وعند الانتخابات العامة في ربيع 1912، مالت الصحيفة إلى تجاهل مسألة الصهيونية، الخط الذي انسجم مع سياسة الصحف الأخرى الداعمة لـ"الجمعية" خارج فلسطين. إلاً أنه منذ بداية صيف 1912 بدأت الصحيفة تنشر مقالات توضح أن المحررين قررا اتخاذ موقف حازم من هجرة اليهود والنشاط الصهيوني في فلسطين. ومنذئذ تعاظمت مقاومة الصحيفة للصهيونية، وفي ربيع 1914، اعتبرها مراقبون يهود معادية أكثر من "الكرمل".
كان موقف "فلسطين" مختلفاً عن موقف "الكرمل" من ناحية واحدة هامة. نجيب نصّار قاوم الصهيونية من دافع مزدوج من الولاء للعثمانيين ووطنية محلية ( على الأقل حتى نهاية سنة 1913، عندما تبدل الولاء للعثمانيين بالقومية العربية)، فيما المقاومة من جانب "فلسطين" نبعت كلها من الوطنية المحلية. ويشار أيضاً إلى أنه حتى نهاية 1913 قدمت "الكرمل" دعمها لـ"جمعية الاتحاد والترقي"، فيما بقيت "فلسطين" موالية لــ"الجمعية " حتى صيف 1914. وهكذا يمكن التلخيص وتحديد أنه في غالبية الفترة قيد البحث كانت الصحيفتان العربيتان الرئيسيتان في فلسطين (وكلاهما بتحرير مسيحي) متعاطفتين مع "جمعية الاتحاد والترقي" ومقاومتين للصهيونية وإن من زوايا مختلفة.
في بيروت ودمشق كان الاتجاه مختلفا. وتفحص الصحف في هاتين المدينتين، والذي جرى في المكتب الصهيوني في يافا، أفاد بأن الصحف التي حررها مسيحيون كانت في الغالب متعاطفة مع "جمعية الاتحاد والترقي"، بينما هي في المسألة الصهيونية كانت محايدة، وحتى– بشكل غير مباشر– متعاطفة مع الصهيونية . ومن جهة أخرى الصحف التي حررها مسلمون ( الغالبية بين 24 منشورا جرى استعراضها) كانت دون استثناء تقريبا ضد "جمعية الاتحاد والترقي" وضد الصهيونية .
الجزء الحادي عشر

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر