الراصد القديم

2012/01/08

نسيب المتني -اغتياله اشعل ثورة 1958 ضد كميل شمعون

كان اغتيال نقيب المحررين السابق نسيب المتني عام 1958 فاتحة الاغتيالات السياسية لأرباب القلم في لبنان. لكن اغتياله «صُنع في لبنان» مئة في المئة، على عكس الاغتيالات اللاحقة التي طاولت أعلاماً بارزين في مهنة البحث عن المتاعب.

دفع المتني دمه ثمناً لموقفه السياسي. إذ كان معارضاً لسياسات عهد الرئيس كميل شمعون. ووقف بكل ما أوتي من حبر ضد التجديد لرئيس الجمهورية، معتبراً ان «التمديد جريمة»، ومعلناً معارضته «الاعتداء على الدستور... وفرض شخص لمدة 12 سنة، حتى لو كان أقرب أقربائنا وأعز أصدقائنا».
كان نسيب المتني من أولئك العصاميين الشرفاء، وقد بدأ عاملاً في المطبعة، ولم يكن يحسب انه سيأخذ المهنة عن أصحابها فلم يكن له نصيب من الثقافة لكن ضميره كان يقظاً.. وقد باشر كتابة الأخبار ثم التعليقات بالاضطرار، وكان يهتم بإثارة قضايا الناس والتركيز على همومهم بلغة بسيطة وبأسلوب مباشر فيه قدر عظيم من الجرأة. وحين آلت اليه «التلغراف» جعلها على مثاله، وهكذا فقد باتت صوت المعارضة، كل معارضة، وبالتالي صوت العمال والفلاحين وصغار الكسبة والمظلومين والمغبونين والذين لا صوت لهم..
وفي الساعة الأولى والنصف من فجر الثامن من أيار (مايو) من العام الذي شهد «ثورة 1958»، اغتيل المتني بخمس رصاصات، اخترقت إحداها قلبه، ليخرّ صريعاً بعدما صرخ في وجه قاتله: «يا كلب يا جبان». فأشعلت دماؤه شرارة «الثورة» ضد عهد شمعون. إذ عمّت التظاهرات والاضرابات أرجاء البلاد. واندلعت في طرابلس معارك مع الجيش وقوى الأمن الداخلي، ذهب ضحيتها المئات بين قتيل وجريح، من دون أن يتزحزح شمعون عن كرسيّه قيد أنملة. فأكمل عهده حتى اليوم الأخير، لكنه لم يجدد ولم يمدد. كانت كل المؤشرات تدل آنذاك إلى أن المتني قتل على أيدي أنصار شمعون. لكن معلومات ترددت لاحقاً حول قيام عناصر تابعة لاستخبارات عبد الحميد السرّاج كانت وراء اغتيال المتني بهدف إشعال نار الثورة ضد شمعون.

ومع ذلك، لم تكن تلك أولى معارك المتني مع رؤساء الجمهورية. فقد خاض ذلك الصحافي الجريء الذي انتخب نقيباً للمحررين عام 1947، معركة سابقة دفاعاً عن المبادئ ذاتها ضد عهد الرئيس بشارة الخوري الذي استقال في 18 أيلول (سبتمبر) 1952، تحت ضغط الرأي العام الغاضب والمستجيب لدعوات المتني الى إضراب شامل عمّ لبنان ثلاثة أيام متتالية.

واستطاع المتني، بقربه من المواطنين الذين اعتبروه ضميرهم العام أن يصنع جريدة على نمطه هو. فأصدر صحيفة «التلغراف» اليومية عام 1945 لتصبح الجريدة الشعبية الأولى آنذاك، بعدما جعلها صوت المعارضة ومنبرها الأخطر، يتناوب على الكتابة لها وفيها وعلى تزويدها بالأخبار كل أقطاب ذلك الزمن من السياسيين، وبينهم صائب سلام وحميد فرنجية وكمال جنبلاط وحسين العويني وأحمد الأسعد... وغيرهم.

وحتى اغتيال المتني عام 1958، كانت «التلغراف» تطلع كل صباح على اللبنانيين بمقالات نارية، بقلم رئيس تحريرها، فاضحةً تغلغل الفساد في إدارات الدولة، ومنتقداً بقوة الاستعانة بالخارج ضد الداخل، مطالبةً «سيد العهد» بالرحيل لتجنيب البلاد حرباً أهلية كانت ملامحها بدأت تلوح في الأفق

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر