الراصد القديم

2012/01/04

سنة سوريا...ومصر ايضا2012 !

على الرغم من ان التركيز في السنة الجديدة سيكون على سوريا والثورة الشعبية فيها، فانّه يمكن ان تكون السنة 2012 سنة مصر ايضا. ستبين خلال السنة الجديدة، التي عمرها ايّام، هل يمكن لمصر استعادة عافيتها، ام ان اكبر بلد عربي محكوم عليه بالمرور في مرحلة طويلة من انعدام التوازن في غياب القدرة على تشكيل نظام جديد يخلف نظاما بلغ الستين من العمر، نظام تأسس في العام 1952.

في تلك السنة، وجد العسكر ان من المناسب قلب النظام الملكي وتولّي السلطة. اقاموا مصر جديدة كانت تهرب باستمرار الى الخارج في عهد جمال عبدالناصر. توقف الهرب الى الخارج مع سقوط العرب في فخّ حرب العام 1967 الذي لعب النظام السوري دورا كبيرا في جرّ مصر عبد الناصر اليها. مصر هذه اضطرت في عهدي انور السادات وحسني مبارك الى الانصراف الى مشاكلها الداخلية التي راحت تتراكم. اتخذ الاتجاه الى الاهتمام بالداخل منحى حاسما بعد حرب تشرين في العام 1973 واتخاذ مصر قرارا واضحا بانّ تلك الحرب هي آخر الحروب التي يخوضها البلد...

ما لبث الوضع الداخلي المصري ان انفجر في الشهر الاوّل من السنة 2011، اضطر مبارك الى التنحي في الشهر الثاني من تلك السنة. لم يحلّ رحيل مبارك اي مشكلة. يبدو واضحا انه مطلوب اكثر من اي وقت الاسراع في معالجة الوضع الداخلي. يبدو مطلوبا اكثر من اي وقت الحصول على جواب عن السؤال الاساسي الآتي: هل المشاكل الداخلية لمصر قابلة للحلّ؟

بغض النظر عن الذي حصل وما يمكن ان يحصل في تونس وليبيا، سيكون الامتحان الاوّل للتيار الاسلامي في المنطقة في مصر وليس في اي مكان آخر. ففي مصر سيتبين هل في استطاعة الاسلاميين، على رأسهم جماعة الاخوان، اقامة نظام ديموقراطي يقوم على التداول السلمي للسلطة، ام انهم سيكررون تجربة العسكر ولكن تحت شعارات مختلفة.

في النهاية سيتوجب على اي حكومة جديدة في مصر مواجهة استحقاقات الداخل. سيتوجب عليها في الواقع الاجابة عن اسئلة مرتبطة اساسا بتراكمات سنوات طويلة من الفشل في حلّ اي مشكلة حقيقية من ايّ نوع كان. هل في استطاعة مصر العيش في ظل نسبة النمو الحالية لعدد السكّان؟ هل في استطاعة مصر الاستمرار في اعتماد البرامج التربوية المعمول بها؟ هل من شخصية قادرة على ابلاغ المواطنين بحقيقة الوضع وبانّ هناك مشاكل ستزداد مع الدول التي يمرّ بها نهر النيل الذي من دونه لا وجود لمصر؟

من الواضح ان هناك قرارا عربيا يقضي بمساعدة مصر والاستثمار فيها. ثمة حاجة الى نحو اربعين بليون دولار على وجه السرعة. لكنّ العرب لن يكونوا قادرين على القيام باي خطوة في هذا الاتجاه في غياب جهة مصرية مسؤولة يمكن ان تشرف على المساعدات وتوظيفها حيث يجب ان توظّف. سيتبين في المستقبل القريب ما اذا كان في الامكان اعادة لملمة الوضع المصري بعيدا عن مسرحية محاكمة حسني مبارك ونجليه علاء وجمال. هناك ظلم كبير لحق بالرئيس المخلوع الذي لم يعرف انه كان عليه الاعتراف بانّ العالم تغيّر وان الوقت حان للانتقال الى نظام جديد مختلف كلّيا عن ذلك المعمول به منذ العام 1952... هذا اذا كان مطلوبا انقاذ مصر.

من مصر، يمكن اصلاح العالم العربي. في حال استعادت مصر عافيتها، سيكون من السهل التفاؤل بالمستقبل العربي. فايّ نجاح في مصر، يعني في طبيعة الحال نجاحا في ليبيا ونجاحا في تونس. كذلك، ان اي تطور ايجابي في مصر ستكون له انعكاساته على اليمن وخصوصا على سوريا التي دخلت في مرحلة مخاض عائد الى تجاهل المشاكل الداخلية منذ نحو نصف قرن. اعتقد النظام السوري منذ وصول البعث الى السلطة في العام 1963 انّ وهم الدور الاقليمي يمكن ان يعفي النظام من اي سعي الى التعاطي مع المشاكل الحقيقية للبلد، على راسها النمو السكّاني وغياب المؤسسات التي يمكن ان تقوم عليها دولة تنتمي الى العالم المتحضّر.

ما لا يمكن تجاهله ان ما يسمى "ثورة 23 يوليو" التي اطاحت النظام الملكي في مصر اثرّت على كل العالم العربي. لولا تلك "الثورة" لكان النظام الملكي في ليبيا لا يزال قائما، اي ان ليبيا كانت لا تزال بخير. كذلك الامر بالنسبة الى العراق، الذي لم ير يوما ابيض منذ العام 1958. سوريا نفسها تأثّرت بمصر وتحولت الى دولة تحكمها الاجهزة الامنية، علما بأنّ الانقلاب العسكري الاوّل فيها كان قبل ثلاث سنوات من اطاحة الملكية في مصر.

كان نجاح المصريين في اسقاط حسني مبارك من بين العوامل التي شجّعت السوريين على الثورة والسعي الى استعادة حريتهم وكرامتهم. لا شيء يمكن ان يوقف الثورة السورية التي هي امّ الثورات في المنطقة، لكن الثابت ان نجاح المصريين في بلورة نظام جديد، معقول نسبيا، سيساهم في التعجيل في المرحلة الانتقالية في سوريا. فالنجاح في مصر سيكون نجاحا عربيا على كلّ صعيد، خصوصا ان مصر المزدهرة التي تصدّر الديموقراطية ستساعد في نقل المنطقة من مرحلة المزايدات والشعارات المزيفة من نوع "المقاومة" و"الممانعة"... الى مرحلة التعاطي مع الاسئلة الحقيقية المرتبطة بمستوى التعليم والصحة والاسكان والدخل الفردي وتداول السلطة.

هل في استطاعة مصر ان تلد معجزة... ام ان زمن المعجزات ولّى الى غير رجعة في عالمنا العربي وان السنة 2012 ستتميز بانها السنة التي تأكّد فيها ان مشاكل مصر غير قابلة للحل؟

خيرالله خيرالله

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر