الراصد القديم

2012/01/19

نظام الأسد و«إستراتيجية الصمود وتقطيع العام 2012»

في بداية العام 2012 حصل بعض التحول في التوقعات والتقديرات المتعلقة بالأزمة في سورية ومسارها ومستقبل الوضع والنظام هناك، فالتقدير الذي ساد على نطاق واسع قبل أسابيع بأن نظام الأسد آيل الى السقوط عاجلا أم آجلا، انحسر الآن الى سقوط النظام «آجلا وليس عاجلا»، في ظل عدم وجود مؤشرات الى سقوطه في وقت قريب أو في أمد منظور، والتقديرات الأوروبية التي كانت تصب كلها في توقع سقوط النظام السوري وانتهاء حقبة عائلة الأسد، أخذت منحى مختلفا وطغى توقع آخر هو «جنوح سورية نحو حرب أهلية».
إذن التوقع العام الذي كان يدور حول نقطة سقوط النظام السوري قريبا، تحول في اتجاه آخر: أزمة طويلة الأمد.

ومع سحب «السيناريو الليبي» من التداول، يشتد التداول بـ «السيناريو العراقي»، بمعنى أن يأخذ الوضع في سورية أشكال فوضى مسلحة وعمليات تفجير واغتيال وأعمال عنف طائفي.

وفي رأي محللين ومتابعين لتطور الأوضاع في سورية، فإن الرئيس بشار الأسد أفاد من جملة معطيات وثغرات داخلية وعربية ودولية، ما أتاح له التصرف من موقع من استعاد زمام المبادرة والثقة بالنفس وقدرة التحرك المتزامن على خط المعالجة الأمنية و«الضرب بيد من حديد»، وأيضا على خط الاصلاحات السياسية ولكن من طرف واحد وعلى طريقة الأمر الواقع. أما أبرز هذه المعطيات والثغرات فهي:

الانقسام في الموقف العربي حيال سورية بخلاف ما كان عليه الأمر «شبه إجماع» في الموقف حيال ليبيا، خصوصا ما يتعلق بالتدخل العسكري الخارجي، وهذا الانقسام هو الذي يفسر الأداء الضعيف والمتردد للجامعة العربية في الملف السوري. وبدلا من أن تؤدي المبادرة العربية الى حشر النظام السوري فإنها انتهت الى «طريق مسدود» والى أن تضع الجامعة نفسها في مأزق الخيارات الصعبة: بين أن تسحب المراقبين وتقر بفشلها وتعرض مصداقيتها ودورها وتعلن سحب يدها من أزمة سورية وتركها لمصيرها، وأن تندفع في اتجاه الأمم المتحدة لنقل الملف السوري الى مجلس الأمن، ولكن في ظل انقسامات عربية وضبابية دولية.

وإذا كان البعض ينظر الى الاجتماع المقبل للجنة العربية الوزارية على أنه سيكون حاسما، فإن المؤشرات لا تدل على ذلك وإنما على ترجيح تمديد مهمة المراقبين شهرا إضافيا وربما الى تطويرها وتطعيمها بخبرات وتقنيات دولية.

المعارضة السورية المختلفة فيما بينها والتي لم تستطع حتى الآن تنظيم صفوفها والاتفاق على برنامج سياسي موحد للمرحلة الانتقالية وللنظام الجديد. فإذا كانت المعارضة بكل أطيافها تلتقي على «إسقاط النظام»، فإنها لا تلتقي حتى الآن على طريقة وظروف إسقاطه، والانقسام هنا حاصل على مستويين: الانقسام بين (هيئة التنسيق) و(المجلس الوطني)، ويدور أساسا حول مسألة التدخل الخارجي التي ترفضها الأولى وتؤيدها الثانية.

المؤشرات الديبلوماسية تدل على أن المعارضة السورية لم تتوصل حتى الآن الى انتزاع إعجاب الأوروبيين والأميركيين واقتناعهم الكامل بأدائها وقدراتها، وهذا سبب من أسباب تأخر الاعتراف الدولي بالمجلس الوطني كممثل شرعي للشعب السوري على غرار ما حصل مع المجلس الانتقالي الليبي.

وهنا يدور جدل اتهامي وتقاذف لكرة المسؤولية بين المعارضة والمجتمع الدولي: المعارضة تقول إنها ضعيفة ومستفردة لأنها لا تلقى دعما دوليا واضحا وحاسما، والمجتمع الدولي يقول إنه لا يدعم المعارضة بقوة ومن دون تحفظ لأنه لم يثق بعد بقدراتها وجهوزيتها.

الموقف الدولي العربي الذي ينأى بنفسه، وفي ظل الأوضاع والمعطيات الحالية، عن مشروع التدخل العسكري في سورية لمساعدة المعارضة والتعجيل في إسقاط النظام.

ولأن مشروع التدخل العسكري لم تنضج ظروفه ومقوماته، فإن عملية الانتقال من مرحلة التعريب حتى لو ظهرت بوادر فشله، الى مرحلة التدويل حتى لو ظهرت الحاجة إليه، ستأخذ وقتها، والأمر لا يتعلق فقط بتذليل عقبة الموقف الروسي وإنما بعدم وجود رغبة التدخل العسكري وتكرار السيناريو الليبي.

الموقف التركي الذي انطلق حيال الموضوع السوري قوي ومتشدد وحازم وأضحى الآن يشكو من «ضياع وحيرة». فالواضح في هذا الموقف، أن تركيا قطعت كل الخطوط ونسفت كل جسور العلاقة مع نظام الأسد، ولا ترضى عن سقوطه بديلا. ولكن هذا الموقف الذي مازال موقفا كلاميا وسياسيا ولم يترجم الى خطوات عملية وميدانية،

الموقف الإيراني الذي يشكل مرتكز الدعم الاقليمي للنظام السوري والذي شكل عامل توازن في مواجهة الاندفاعة التركية وأدى الى تعطيلها، وأهم ما في هذا الدعم المستمر منذ سنوات سياسيا وعسكريا، أنه أدى الى تأمين ظهير دعم من جهة العراق ما أدى الى الحد من آثار العقوبات الاقتصادية والى التعويض عن السوق التركية.

وبناء على كل ما تقدم، فإن الوضع السوري عشية الاجتماع العربي الذي يوصف باجتماع «إعادة النظر والتقييم» يمكن اختصاره بنقطتين:

انكفاء في المسار الخارجي للأزمة السورية الى أبعد حدود، ذلك أن مسار «التسوية السياسية» يتلاشى تدريجا وتتقلص فرصه من المبادرة العربية التي تقدم فكرة الحوار بين النظام والمعارضة على فكرة إسقاط النظام، الى المحاولة الإيرانية التركية التي لم يكتب لها النجاح بسبب التعارض في الخلفيات والأهداف: تركيا تريد حوارا مع إيران حول «ترتيبات مرحلة ما بعد الأسد بما في ذلك إعطاء تطمينات لإيران بشأن النظام الجديد». وإيران تريد حوارا بين النظام والمعارضة حول الاصلاحات وأن تقوم تركيا بإقناع حلفائها للانخراط في هذا الحوار. أما مسار «التدخلات الخارجية» فإنه مازال متوقفا عند الموقف العربي غير المكتمل والموقف الروسي الرافض والموقف الأوروبي غير المتحمس والانهماك الأميركي بملفات وأولويات أخرى.

الأزمة السورية في تطورها ووجهتها وفي تحديد مستقبل الأوضاع، صارت مرهونة بمسارها الداخلي وتطوراتها ومعطياتها على الأرض أآثر من أي وقت مضى وأكثر من أي عامل آخر. وهذا يعني ترقب تطورات وأوضاع صعبة من جهة، وترتيب مسؤولية وأعباء أكثر على المعارضة واندفاع النظام السوري في خطة الصمود وتقطيع الوقت والاستحقاقات في العام 2012 الذي هو عام مفصلي وعام حياة أو موت بالنسبة له.

النظام السوري يراهن على أن عامل الوقت لمصلحته وينتظر تحول رئاسة اللجنة العربية من قطر الى العراق، وتفاقم الصراع في الخليج حول إيران والنفط ومضيق هرمز، وانهماك ساركوزي الذي يقود الموقف الأوروبي في انتخاباته الصعبة، ودخول الولايات المتحدة فلك الانتخابات الرئاسية. وفي وقت ينتظر الغرب سقوط الأسد فإن القيادة السورية تنتظر سقوط ساركوزي وأوباما.

تشير تقارير صحافية خليجية الى أن سورية بدأت تشهد حالا من الفوضى، أخطر ملامحها انحسار سلطة النظام عن مناطق عديدة، وتنامي مظاهر التسلح بين الناس، فضلا عن ان النظام السوري ربما تساهل أو سهل وصول قطع من السلاح الخفيف الى المحتجين، استعدادا لتبرير شن هجوم عسكري واسع، وإعلان ان البلاد في حال حرب، وخلط أوراق المنطقة. الحرب الأهلية في سورية لم تبدأ، لكن بوادرها تلوح على نحو يصعب إنكاره. حوادث التطهير الطائفي بدأت في بعض الأحياء المختلطة، وعمليات الاعتقال أصبحت تنفذ بطرق عشوائية، وهناك من يعتقل ثم يطلق من أجل الحصول على المال. وتحدث قادمون من سورية عن غياب للسلطة المركزية أصبح ملموسا، وعن تصرفات تشير الى ان بعض قوات الأمن بات يعمل لمصلحته، بما يذكر بأوضاع الميليشيات في الحرب الأهلية في لبنان وأفغانستان. وربما شهدت سورية خلال الأسابيع المقبلة، في ظل ضعف السلطة المركزية، انقسامات حادة داخل الأجهزة الأمنية وصفوف الجيش من أجل أطماع سياسية ومادية
الأنباء

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر