الراصد القديم

2012/01/01

نوستراداموس تنبأ بالربيع العربي


من بين أبرز المنجمين الذين تنط أسماؤهم إلى ذاكرة الأوروبيين كلما وقع حدث خطير، مثل الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، فرنسي اسمه نوستراداموس عاش في القرن السادس عشر، ويقال إنه ألّف رباعيات غامضة ضمّنها تنبؤات عما سيحدث في العالم في قادم الأيام. يبدو أن الرجل لم يترك كبيرة أو صغيرة في التاريخ اللاحق لزمانه إلا وتنبأ بها؛ تنبأ بوقوع كذا وكذا؛ وتنبأ بظهور فلان وفلان، سواء كان ذلك في نطاق عالمه آنذاك أو في أماكن ربما لم يكن قد سمع بها، فهو تنبأ مثلاً بظهور هتلر وبالحربين العالميتين، وتنبأ بأزمة النفط عام 1973 وبحربي الخليج الأولى والثانية، وغيرها كثير. ويقال إن كتابه توجد منه طبعات لا حصر لها، كل طبعة تختلف عن سابقاتها لأن ما يحدث في العالم يضاف إلى الطبعة الجديدة كأمور تنبأ المنجم بوقوعها، ووقعت.

كذلك يقال إن أسلوبه في صياغة تنبؤاته يتميز، إضافة إلى الغموض، برمزية معقدة مما يجعل القارئ يفسرها حسب هواه، فمثلاً قد تكون هناك رباعية تقول "آكل الحشيش ينتقل من فرنسا إلى روسيا ليصبح أمير الغاب"، وكان التفسير الممكن لهذه الرباعية قبل مئتي سنة أن نوستراداموس قد تنبأ بظهور نابليون، أما اليوم فيمكن أن يقرأ نفسَ الرباعية شخص مثل برهان غليون الذي لا بد - بحكم كونه أستاذاً في جامعة السوربون - أن يكون قد أطلع على تلك التنبؤات، فيفسرها بأن نوستراداموس لم يكن يقصد بالحشيش هذا الذي تأكله الخراف بل تنبأ بظهور الحشيش الذي يتناوله الناس لغرض التحشيش؛ وهو لم يشأ أن يستخدم عبارة "شارب الحشيش"، بل قال "آكل الحشيش" حتى يموّه على المقصود؛ ومن يكون أو ما يكون "شارب الحشيش" يا تُرى؟ لا بد إنه مجرد رمز للإشارة إلى الغليون الذي قد يعبّئه "الشارب" بالتبغ أو بالحشيش؛ وماذا عن ذكر روسيا؟ لا بد إنه كان يقصد "سوريا" وحصل سهو وخلط بين اسمي البلدين؛ أما الغاب فهو إشارة إلى أناس متوحشين يذبحون البشر تحت صرخات "الله أكبر". وفي آخر المطاف سيزعم الأستاذ غليون بأن نوستراداموس قد تنبأ بظهوره هو، غليون، وبأنه سيذهب من فرنسا إلى سوريا ليكون أميراً على بعض المتوحشين – رئيساً لمجلس من هذه المجالس التي يؤلفها ساركوزي والمتخلف عقلياً شيخ قطر. بالتأكيد فمنجّم تافه مثل نوستراداموس ما كان له إلا أن يتنبأ بظهور تافهين على شاكلته على مر التاريخ، ويربط أسماءهم بأدوار حقيرة في قتل البشر، نابليون، هتلر، برهان غليون، إلى آخر القطيع!

إسم نوستراداموس نط إلى الذاكرة الأوروبية مرة أخرى مؤخراً. كان الذي سمعته منه الآن أكاديمي من الوزن الثقيل. ذكر أن نوستراداموس هذا تنبأ بالربيع العربي وبقدوم وقت يطغى فيه الإسلام في العالم ويسيطر فيه المسلمون (يقصدالإسلاميون) على المناطق المحيطة بأوروبا. وحين أدرك الأكاديمي الحصيف الوقع المرعب لكلماته سارع إلى تطمين الحاضرين، الذين كانوا يستمعون إليه بقلق، وأكمل الجزء الآخر من نبوءة المنجّم الفرنسي بأن ذلك الطغيان لن يستمر طويلاً بل سيكون بداية لزوال الإسلام من العالم. تنفس الحاضرون الصعداء.

نعم هذا هو بيت القصيد!

كيفية البحث في أمر نبوءة نوستراداموس العبقرية هذه متروك لنا، إذ يمكن أن نفهما بطرق شتى، رفضاً أو قبولاً، بجدية أو بسخرية، بالغَوص في لاوعي الشعوب الأوروبية الخائفة من الإسلام أو في الخوض في جهل الإسلاميين، أو بالنظر إلى القضية من زاوية أنّ أكبر عرّابي ما يسمى "الربيع العربي" هو المسيو ساركوزي الذي وإن كان من أصل هنغاري إلا أنه لا بد أن أطلع على تنبؤات مواطنه، نوستراداموس، وتأثر بسحرها واستوحى منها بعض حماقاته.

ويمكننا أيضاً أن نترك الحديث عن نوستراداموس نهائياً ونعتبر أنه كان في أحسن الأحوال دجالاً من أمثال مسيلمة الكذاب، وكانت وظيفته التاريخية إشباع رغبة الأوروبيين في أن يظهر بينهم ولو نبي أو متنبئ واحد، فجيرانهم إلى الجنوب ظهر بينهم ثلاثة أنبياء كبار! دعونا نلتفت إلى السؤال المحير الذي سنظل نطرحه مراراً .. لماذا أصبحت أوروبا خلال سنة واحدة، 2011، تبدو وكأنها تستسلم للقدر الإسلامي، خاصة على حدودها الجنوبية – وعلى حدودها الجنوبية الشرقية لا تنقص السلسلة إلا سوريا، وهي تعمل بكل قوة لإيصال الشيخ برهان غليون إلى سدة الحكم فيها؟ هل يؤمن ساركوزي وغيره فعلاً بنبيّهم "الأثْوَل"، نوستراداموس، وهم في عجلة من أمرهم ويريدون تحقيق زوال الإسلام بتوفير شرط طغيانه أولاً؟ هكذا يفكر، مثلاً، بعض المهووسين بما يسمى معركة هرمجدون وعودة المسيح إلى الأرض، إذ يرون أنه يعود بعد أن تقع حروب بشعة وتسيل دماء غزيرة، فيكثرون من شن الحروب لنهب ثروات الشعوب بدعوى أنهم يستعجلون نزول المسيح. هكذا فعل المعتوه جورج بوش الإبن.

نحن نعرف جيداً ظروف صعود نجم الإسلاميين بعد أن خابت الآمال التي علقتها شعوب المنطقة على الحركات اليسارية والاشتراكية والقومية. وقد ساعدت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة خلال السنوات العشر الماضية على الإسلام وغزوها وتدميرها لبلدان مسلمة على رفع رصيد الإسلاميين بشكل لم يسبق له مثيل. لقد أصبح الإسلام في ظل الحرب الأمريكية عليه بالنسبة للمسلمين قضية هوية وليس قضية إنجازات أو مكاسب دنيوية.

وعلى هذا لا بد أن نقر بأن وصول الإسلاميين إلى السلطة في بعض البلدان حالة طبيعية وصحية، خاصة حين تكون صناديق الإقتراع هي الحكم، بصرف النظر عن العواقب التي ستترتب عليه. لكن ما يثير الشكوك ليس فقط كون القوى الإمبريالية تدعم هذه الحالة – ونحن نعرف أن تلك القوى فعلت كل شيء لإجهاض ما أدت إليه انتخابات الجزائر قبل عشرين سنة، أي تحقيق الإسلاميين أغلبية ساحقة. إن ما يثير الشكوك أكثر هي أن أوروبا تجهد بقوة السلاح والتآمر لفرض أنظمة إسلامية لا شك أبداً في كونها مرتبطة بالقاعدة سيئة الصيت في الغرب نفسه، كما هي الحال في ليبيا، وكما هي الحال مع ما يجري حول سوريا. إن موقف الإمبرياليين لا ينم عن تقبل واقع تفرضه الانتخابات، بل عن إصرار على إحاطة أوروبا من الجنوب بحزام إسلامي. فلماذا؟

ليس من دليل قاطع على ما نقول، ولكن من يعش في أوروبا ويطلع على مشاكلها مع الإسلاميين – فأوروبا عندها مشاكل عويصة مع الإسلاميين وليس مع المسلمين، ويتلمس قلق الأوروبيين من المستقبل على ضوء الدراسات الكثيرة عن الازدياد المضطرد في عدد سكان العالم وعدد الفقراء وعن مشاكل الهجرة التي ستصاحب المشاكل الاقتصادية المقبلة جنوب القارة الأوروبية، ينشأ عنده إحساس بأن أوروبا لديها فعلاً مشروع مستقبلي مصيري؛ وهي ترى أن أنظمة إسلامية لها شرعية انتخابية (ليس ليبيا) يمكن أن تكون مفيدة في تنفيذ هكذا مشروع! المشروع ثنائي الهدف: أولاً السيطرة على إسلاميي أوروبا، وثانياً التصدي لزحف الجياع القادمين من الجنوب.

فيما يتعلق بالهدف الأول، نرى أنه على عكس إسلاميي مصر وتونس وليبيا والمغرب الذين يعرفون بشكل جيد الحدود المرسومة لهم وشروط قبول أنظمتهم كجيران لأوروبا، لا يعرف إسلاميو المهجر الأوروبي حدودهم، ويرون حتى في الأحداث الأخيرة تحقيقاً لنبوءات نوستراداموسية من نمط آخر. لهذا فإن سلوكهم السياسي والاجتماعي داخل أوروبا يحمل نذر أخطار لن يستطيع الأوروبيون التغلب عليها دون معين إسلامي يضبط هولاء! لا يخفى على أحد أن إسلاميي أوروبا يهلوسون ويظنون أنهم سيرفعون ذات يوم قريب علم المملكة العربية السعودية على البرلمان الأوروبي. إن السيطرة على منابع ومراجع هؤلاء في بلدان شمال أفريقيا سيكفي الأوروبيين شر انتهاك حقوق الإنسان على مستويات لا يمكن إخفاؤها وفي عقر دارهم. والإسلاميون يدفعون إلى ذلك دفعاً؛ إنهم يظنون أن وصول أقرانهم الإسلاميين إلى الحكم في بلدان شمال أفريقيا مؤشر على قرب انتصارهم في العالم كله، فيزدادون حماقة في أوروبا، ولا يعرفون أن أنظمة تلك البلدان ستكون صمام الأمان للأوروبيين، فإما أن تلجم تلك الأنظمة إسلاميي أوروبا أو أن تستقبلهم ليمارسوا إسلاميتهم فيها بحرية! فإعادة إسلامي تونسي إلى تونس الغنوشي، مثلاً، ليس كإعادته إلى تونس أيام زين العابدين بن علي حيث كان ينتظره الإعدام أو السجن.

أما بخصوص الهدف الثاني، التصدي لأخطار الهجرة، فقد تنبأ الباحثون هنا، وليس نوستراداموس، منذ ثمانينيات القرن الماضي، بأن محاولات الوصول إلى أوروبا ستبلغ في المستقبل القريب مستويات مخيفة، وتصل أرقام من يطرقون أبواب أوروبا من الجنوب عشرات الملايين، ويستحيل التصدي لهم. إن أوروبا بحاجة فعلية إلى حزام من الأنظمة المستعدة لتولي الصدام مع الغزاة من الفقراء والجياع ومنعهم حتى من الوصول إلى حدود أوروبا وذلك بجعل ساحة المواجهة معهم تكون إلى الجنوب في وسط القارة الأفريقية. تتذكرون أن القذافي رحمه الله خلق مشكلة كبيرة لإيطاليا في الصيف الماضي بمجرد أنه غض النظر عن عبور خمسة آلاف مهاجر إلى إيطاليا عبر ليبيا (لم يُعرف مصيرهم أبداً)، وقال إنه لن يلعب دور الحارس لحدود أوروبا! أوروبا بحاجة إلى كلاب حراسة وفية لحدودها إلى جهة الفقر. وكيف ستتصدى أنظمة الإسلاميين في شمال أفريقيا لغزو ملايين الفقراء والجياع الزاحفين نحو أوروبا الغنية؟ الله أعلم، ربما سيعتبرون الأمر غزواً لدار الإسلام ويعلنون الجهاد ضدهم – بعون ومباركة من الأوروبيين الذين سيتهمونهم بعد ذلك بارتكاب جرائم بحق الإنسانية فيحصل ما يجعل نبوءة نوستراداموس تتحقق!

ظاهرة المنجمين، وهم يكذبون ولو صدقوا، منتشرة في كل العالم، ولا تقتصر على شعب دون سواه. وهي في كل مكان وسيلة للتحايل على الناس لحجب منطق الأحداث عن أعينهم وعقولهم، لكنها تصبح جديرة باهتمام أكبر حين يتعاطاها أناس لا مجال للشك في قدرتهم على التحليل المنطقي. لا ندري، ربما سيريح بالنا ويطمئن نفوسنا أن نعرف ماهية الاتفاقات السرية التي يوقعها فرسان الربيع العربي الإسلامي مع ساركوزي والشروط التي يوافقون عليها في السر كي يبارك لهم ساركوزي عرسهم الإسلامي الذي يقال إن إحدى رباعيات نوستراداموس تسميه بـ "الطغيان الإسلامي" الذي يمهد لزوال الإسلام من العالم! وساركوزي ليس أقل دجلاً وتفاهة من صاحبه.

د. عمر ظاهر

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر