الراصد القديم

2012/01/11

خطاب بشّار الاسد... او الرهان على الوقت والزيتون!

لم يعد من همّ في سوريا، اقلّه بالنسبة الى النظام العائلي- البعثي، سوى كيفية كسب الوقت. كان الخطاب الاخير للرئيس بشّار الاسد اوضح دليل على ان ليس لديه ما يراهن عليه سوى الوقت، علما ان الوقت سيساهم في تفاقم الازمة العميقة التي يعاني منها النظام السوري العاجز عن حلّ اي مشكلة يعاني منها البلد. اللهمّ الاّ اذا كان القول، استنادا الى ما ورد في الخطاب، ان سوريا صارت القوة الخامسة في العالم من ناحية انتاج الزيتون يؤمن لها موقعا على خريطة التوازنات الدولية.

ربما تكمن المشكلة الاولى التي يعاني منها الرئيس السوري في عدم قدرته على استيعاب انّ الوقت لا يمكن ان ينقذ النظام. فاته ان السوريين سيستمرون في المقاومة والممانعة والثورة الى ما لا نهاية نظرا الى ان المسألة بالنسبة اليهم مسألة حياة او موت. بات السوري يفضل الموت على الظلم والقمع والذل. لم يعد مقبولا في القرن الحادي والعشرين بقاء نظام ستاليني في السلطة في بلد حيوي مثل سوريا يمتلك شعبا عظيما استطاع المحافظة على التعلّق بثقافة الحياة على الرغم من كلّ المحاولات التي استهدفت الغاءه من الوجود. ما يفترض ان يفهمه النظام السوري ان التحايل على المراقبين العرب لا يفيد في شيء، كذلك الرهان على شق صفوف المعارضة وتأجيج الخلافات بين مجموعاتها المختلفة. مثل هذا الرهان ليس في محلّه نظرا الى من يحدد اجندة الثورة الحقيقية التي يشهدها البلد هو الشعب السوري وليس هذه المجموعة المعارضة او تلك.

مرّة اخرى، لا بدّ من القول بانّ ما تعاني منه سوريا هو ازمة كيان ونظام في الوقت ذاته. كان هناك دائما شعور ما لدى المقيم على رأس هرم السلطة في دمشق ان الكيان السوري ضيّق عليه. والواقع، الذي يثبته تسلسل الاحداث، ان المشكلة لم تكن في الكيان بمقدار ما انها كانت في النظام. لم يستطع النظام السوري يوما حلّ اي مشكلة من مشاكل البلد. ولذلك، كان الانقلاب العسكري الاوّل بعد استقلال الكيانات العربية في سوريا وليس في مكان آخر. كان ذلك في العام 1949 قبل ثلاث سنوات وبضعة اشهر من الانقلاب الذي شهدته مصر واطاح النظام الملكي في تمّوز- يوليو من العام 1952.

زادت الرغبة في الاتجاه الى الخارج في عهد الرئيس الراحل حافظ الاسد الذي تولّى السلطة، كل السلطة، في خريف العام 1970. كان نجاح الاسد الاب في خوض حرب تشرين- اكتوبر الى جانب انور السادات، مبررا للسعي الى دور اكبر على الصعيد العربي. عمل الاسد الاب على ثلاث جبهات هي لبنان والعراق ومصر. عمل ايضا على جبهات اخرى، بما في ذلك اقامة علاقة معينة مع الادارات الاميركية المتلاحقة. توجت العلاقة مع الاميركيين باتفاق فك الارتباط مع اسرئيل في العام 1974. امّن الهدوء والسكينة في الجولان على الرغم من انّه بقي محتلا!

نجح الاسد الاب الى حدّ كبير في تقويض مؤسسات الدولة اللبنانية عن طريق تسليح الميليشيات بغض النظر عن الحزب الذي تنتمي اليه. وكان اوّل من وقع في الفخ بعض الاحزاب المسيحية التي اضطرت الى الاستنجاد به في مرحلة معيّنة من الحرب اللبنانية ومن حروب الآخرين على ارض لبنان!

جهد في الوقت نفسه نتيجة عمل دؤوب بدأه عندما كان لا يزال وزيرا للدفاع في عملية تجميع المسلحين الفلسطينيين في لبنان واستخدام الورقة الفلسطينية ضد ياسر عرفات الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني. وقع ياسر عرفات بدوره في الفخّ الذي نصبه له النظام السوري في لبنان. لم يتعلّم الكثير من التجربة التي مرّ بها في الاردن في العام 1970 وفي السنوات التي سبقت 1970.

على الصعيد العراقي، لعب الاسد الاب ورقة معاداة صدّام حسين. نجح في ذلك الى حدّ كبير نظرا الى ان العرب كانوا في معظمهم يخشون تهوره. استطاع ايجاد حاجة عربية اليه في لعبة التوازنات الاقليمية وذلك على الرغم من الموقف السوري الداعم للنظام الايراني في حربه مع العراق ابتداء من العام 1980.

على الصعيد المصري، كان النظام السوري المستفيد الاوّل من عزل مصر في عهد انور السادات بعد زيارته القدس والقاء خطاب في الكنيست وبعد توقيعه اتفاقي كامب ديفيد ثم معاهدة السلام مع اسرائيل في آذار- مارس من العام 1979. جرّ الاسد الاب العرب، بمن فيهم العراق البعثي الذي كانت تنقص قيادته السياسية النضج السياسي، الى لعبة المزايدات التي مكّنته من لعب دور اقليمي لا افق سياسيا له.

كان الرهان في سوريا على الوقت. تغيّرت اللعبة كلّيا مع رحيل حافظ الاسد في السنة 2000 ثم مع سقوط النظام العراقي في 2003. لم يستطع النظام السوري التكيّف مع التغيير، خصوصا بعد العام 2005 عندما اضطر الى الانسحاب عسكريا من لبنان نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. لم يدرك ان هناك تطورا جذريا طرأ على التوازنات الاقليمية. يتمثل هذا التطور في ان القرار السوري صار ايرانيا وان ليس في استطاعة دمشق امتلاك اي نفوذ في لبنان لولا ما تجود به عليها طهران. لم يدرك النظام السوري انّ للتخلص من رجل في حجم رفيق الحريري ثمنا ضخما لا يمكن مقارنته الاّ بالثمن الذي دفعه صدّام حسين نتيجة احتلاله دولة مسالمة اسمها الكويت...

ما يرفض بشّار الاسد الاعتراف به هو انه مع مرور الوقت، ظهرت مشاكل سوريا على حقيقتها. مع مرور الوقت، سيتبيّن ان هناك خطرا جدّيا على الكيان السوري في غياب الترتيبات اللازمة لمرحلة انتقالية تضمن هبوطا هادئا وآمنا للطائرة السورية. انها لحظة بروز كل المشاكل في الوقت نفسه. للمرة الاولى منذ ما يزيد على ستين عاما لا مكان في الخارج يهرب اليه النظام السوري ولا لعبة توازنات يمكن ان يراهن عليها. انه في مواجهة مع شعبه لا اكثر ولا اقلّ. من يقول ان احتمال تفتت سوريا غير وارد يستطيع التمعّن في تجربة السودان!

خيرالله خيرالله

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر