الراصد القديم

2012/01/05

جنبلاط حسم أمره ضد الأسد.. الأسباب والنتائج

تدرج الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بوتيرة تصاعدية في مواقفه من النظام السوري في الفترة الأخيرة وأطلق إشارات متتالية تفيد بأنه يعد العدة لفك ارتباطه المستحدث مع النظام السوري، فتحدث عن فشل الحل الأمني ونصح النظام بسلوك الحل السياسي والموافقة على المبادرة العربية، ووجه التحية الى الشعب السوري البطل الجبار، الى أن وصل به الامر يوم أمس الاول الى اتخاذ قرار نهائي وواضح بإعلانه أنه مع تغيير جذري للنظام في سورية، وأرفق هذا الموقف برسالتين: الأولى الى «بني معروف (دروز) سورية» داعيا إياهم الى الإحجام عن المشاركة في عمليات القمع ضد الشعب السوري، والثانية الى حليفتي سورية، روسيا وإيران، للكف عن دعمهما للنظام السوري، مذكرا بانتفاضة الشعب الروسي على ظلم القيادة وبإسقاط نظام شاه إيران «أعتى الأنظمة»، ومتحدثا عن «قوة الضعفاء» التي كتب عنها فاتسلاف هافل رئيس تشيكيا السابق.
الأسباب التي تعطى «للتحول الجذري» عند جنبلاط تجاه نظام الرئيس بشار الأسد وقراره بنسف علاقة طرية العود كان أعاد بناءها في العامين الأخيرين، أدرجت في ثلاثة أطر رئيسية:

٭ الإطار الأول يتعلق بمعاملة سياسية وشخصية غير مريحة وأداء غير مطمئن من جانب القيادة السورية، وتشير مصادر قريبة من جنبلاط الى ثلاثة أمور تركت لديه أثرا سلبيا: اختفاء (اختطاف) المعارض السوري القيادي السابق في حزب البعث شبلي العيسمي أثناء إقامته في عاليه وبسبب موقف نجله ونشاطه في الولايات المتحدة، وقطع القيادة السورية اتصالاتها المباشرة مع جنبلاط بمجرد أن دعاها الى اعتماد الحل السياسي وأظهر عدم وقوفه التام الى جانب النظام، واستقبال الأسد أخيرا وفدا درزيا لبنانيا، وهو ما عده جنبلاط تدخلا في الشأن الدرزي الداخلي.

٭ الإطار الثاني يتعلق بخشية حقيقية لدى جنبلاط على أمن ومستقبل الطائفة الدرزية في سورية، خصوصا في ظل الترابط الوثيق بين دروز لبنان وسورية، في حال سقوط نظام الأسد واستمرار الموقف الدرزي على ما هو عليه من تأييد للنظام وعدم انخراط في الثورة، وهذه الخشية تعاظمت لدى جنبلاط بعد تلقيه إثر اتصالاته مع الأتراك والفرنسيين معلومات وتأكيدات بأن نظام الأسد آيل الى سقوط حتمي والمسألة مسألة وقت.

٭ الإطار الثالث حددته أوساط 8 آذار في تفسير وتبرير «انقلاب» جنبلاط ويتضمن ثلاث نقاط:

- تلقي جنبلاط مغريات مالية لفك علاقته مع دمشق على نحو ما أورده النائب عاصم قانصوه أمس الاول عندما تحدث ومن دون تحديد الجهة الدافعة عن مبلغ 150 مليون دولار تلقاها جنبلاط.

- تلقي جنبلاط معلومات من «صديقه» نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان معلومات أثناء خلوتهما الأخيرة في بيروت وفحواها أن النظام السوري سيسقط في مهلة أقصاها منتصف العام 2012، وأن عليه والقادة اللبنانيين الاستعداد للمرحلة الجديدة، وبعدما طرح جنبلاط أسئلة كثيرة حول الإسلام المتطرف وموقع الأقليات ومن يحميهم وما دورهم وعن مستقبل سورية وانفجار الأوضاع فيها، طمأنه فيلتمان وطلب منه الانتظار فقط، وأوحى إليه أنه يقدر ظروفه وظروف قوى 14 آذار ولا يطلب منهم أي تحرك على الأرض.

- تلقي جنبلاط وعودا سياسية انتخابية من حليفه «السابق اللاحق» الرئيس سعد الحريري بأن قانون النسبية لن يمر وأن الانتخابات ستجري كما في العام 2009 على أساس قانون الـ 60 (القضاء والنظام الأكثري) وعلى أساس التحالف القائم بينهما والذي قطع قسريا وموقتا العام الماضي، وبعدما فرقتهما الحكومة سيجمعهما مجلس النواب.

لم تعد مهمة الأسباب التي دفعت جنبلاط الى إعلان موقفه النهائي من الأحداث السورية بقدر ما صار مهما الوقوف على النتائج السياسية المترتبة على هذا الموقف الذي ينقله الى تموضع سياسي جديد يبدو فيه أقرب الى 14 آذار لأن ما يجمعه مع هذا الفريق بات أكثر بكثير مما يفرق بينهما وأكثر بكثير مما يجمعه مع فريق 8 آذار في ملفات وقضايا أساسية هي: الموقف من النظام السوري، والموقف من المحكمة الدولية، والموقف من قانون الانتخابات.

ويطرح موقف جنبلاط في الموضوع السوري سؤالين أساسيين:

1 - كيف سيتعاطى حزب الله، وهل يوافق ضمنا ومضطرا على نظرية جنبلاط بالفصل بين سورية وحزب الله، وهل يستمر في مراعاة جنبلاط لأسباب تتصل بتركيبة الوضع اللبناني وخصوصياته وموقع جنبلاط الثابت في المعادلة، ودوره في أي تسوية سياسية مستقبلا وصنعها وتكوين ظروفها ومعطياتها، والمطلعون على موقف جنبلاط يعتبرون أنه لم يكن ليقدم على تظهير اختلافه مع النظام في سورية لولا شعوره بابتعاد المخاطر التي كانت تهدده، وأن العلاقة الجيدة مع حزب الله التي تحميه هي خط أحمر لا يمكن أن يتجاوزه تحت أي ظرف؟

2 - ما مستقبل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وهل جنبلاط قادر على الاستمرار فيها، وهل الحكومة قادرة على «حمله» بهذا الموقف الذي يفتح فيها ثغرة سياسية كبيرة لمجرد أنه يتعارض مع سياستها الرسمية «النأي بالنفس»؟ فجنبلاط الآن باق رسميا في الحكومة ولكنه سياسيا غادرها وغادر «الأكثرية الجديدة»، إلا إذا كانت هذه الأكثرية متفهمة لموقفه وأصبحت هي أيضا في حسابات جديدة.

ينقل سياسي لبناني قريب من دمشق عن مسؤولين سوريين قولهم «إننا منذ أشهر نعتبر جنبلاط أنه لم يعد معنا ونحن لم نفاجأ بموقفه ولم نصدم به، ولكن لم نتوقع أن يتدخل في الشأن الداخلي لسورية عندما بادر الى تأليب دروز سورية على النظام والى إقامة علاقات واتصالات مع المجلس الوطني ورئيسه برهان غليون، وينقل السياسي اللبناني خصوصا خيبة اللواء محمد ناصيف (أبووائل) من جنبلاط بعدما كان راهن عليه وأخذه على مسؤوليته وأقنع القيادة السورية بعودته وبخياره السياسي الجديد.
"الأنباء"

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر