الراصد القديم

2012/01/29

الثورة السورية ضد نظام الأسد.. لبنانية أيضاً

لا يعطي الرسالة المفتوحة التي وجهها المجلس الوطني السوري للشعب اللبناني معناها الحقيقي أكثر من التصريح الذي أدلى به، قبل ذلك بيومين فقط، قائد "فيلق القدس" الإيراني العميد قاسم سليماني وكشف فيه موقف بلاده من لبنان من جهة ومن العراق من جهة ثانية. هذا المعنى هو وضع اللبنانيين أمام خيار من اثنين: إما لبنان البلد العربي السيد المستقل، بعد إسقاط نظام بشار الأسد وإقامة نظام جديد، أو بقاؤه منطقة احتلال للنظامين الحاليين في طهران ودمشق، بكل ما تعنيه هذه الكلمة، في حال لم يحدث هذا التغيير.

وفي صلب هذا المعنى، لا يطرح السؤال عما إذا كان المجلس الوطني السوري سيكون قادراً على إسقاط نظام الأسد وإقامة سلطته الجديدة الآن أو بعد حين، ولا ما إذا كانت طهران الرسمية تنفي تصريح قاسم سليماني أو لا تنفيه (وفي الحالين، أن تلتزم حكومة لبنان الصمت إزاء الموقفين بدعوى "النأي بالنفس")، وإنما أولاً وقبل كل شيء عما إذا كان اللبنانيون يريدون فعلاً أن يخرجوا من السجن الذي يحشرهم فيه النظامان منذ عقود أو أن يبقوا تحت الاحتلال لفترة أخرى، أو ربما عقود طويلة أخرى، مع ما يستتبعه هذا البقاء مما يعرفه القاصي والداني ويعيش اللبنانيون نتائجه وتبعاته في هذه الفترة من تاريخهم.

"أيها الأشقاء اللبنانيون،

أمام السوريين، بعد انتصار ثورتهم، وأمام اللبنانيين، بعد حرية سوريا وتحقيق ديموقراطيتها، كفاح مديد من أجل نقل البلدين الى عصر جديد، عصر الدولة المدنية، عصر الحداثة والتقدم، عصر بناء المصالح المشتركة".

بهذه العبارات البالغة الدلالة، خاطب المجلس الوطني السوري "الشعب اللبناني الشقيق" في رسالته هذه، متحدثاً بشكل خاص عن مستقبل البلدين والعلاقات بينهما، وإن كانت البنود التي أوردها عن إنهاء الدور الأمني المخابراتي لنظام الأسد في لبنان وإلغاء المجلس الأعلى اللبناني- السوري وترسيم الحدود بين البلدين لا سيما في منطقة مزارع شبعا، ليست قليلة الأهمية في حال من الأحوال.

بل أكثر من ذلك، تقول الرسالة عن هذا المستقبل، "إن المجلس الوطني السوري، إذ يتقدم بالمبادئ التي يرى أنها يجب أن تحكم العلاقات بين سوريا ولبنان، فإنه في واقع الأمر ينطلق من مصلحة سوريا (الدولة والشعب) في أن تقوم بينها وبين لبنان علاقات أخوة وحسن جوار وعمل مشترك ومصالح بينة، ومن مصلحة سورية لبنانية في أن ينهض نظام عربي جديد مؤسس على المصالح بين دول سيدة ومتكافئة".

هل كان لبنان يشكو من غير فقدان هذه "المبادئ" وتزويرها، حتى لا نتحدث عن عمليات القتل والاغتيال والابتزاز والنهب المنظم والتدخل في كل شاردة وواردة فيه وحتى تعيين الموظفين والوزراء والنواب في حكوماته ومجالسه، على امتداد العقود الأربعة الماضية، مما كان يسمى "وحدة المسار والمصير"؟. بل وفي السياق ذاته، وللسبب ذاته أيضاً، هل كان يمكن تصور مجرد تصور سماع ضابط إيراني، مثل قاسم سليماني، يتحدث عن "حضور إيراني" في جنوب لبنان (عملياً في لبنان كله، وليس في جنوبه فقط)، أو قيام رئيسه محمود أحمدي نجاد شخصياً، بالإعلان من العاصمة السورية ذاتها عما سمي "تحالف الشعوب المقاومة" في العراق وسوريا وإيران ولبنان، من دون تكليف نفسه حتى بطرح الفكرة على مؤسسات لبنان الدستورية، ما دام الأسد من ناحية والأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله من جهة ثانية كانا يقفان الى جانبه؟.

الواقع، أن رسالة المجلس الوطني السوري لا تقف عند إعلان دمشق بيروت الذي وقعه بعض المثقفين اللبنانيين والسوريين قبل أعوام، وانتهى معظمهم في السجون والمعتقلات السورية أو على قوائم الاغتيال اللبنانية، وإنما تجاوزه الى إعطاء هوية متكاملة وأكثر شمولاً لثورة الشعب السوري ضد نظام عائلة الأسد وامتداداته المفتعلة في لبنان وإيران وفلسطين وصولاً الى دول الخليج العربية. وهي، من هذه الزاوية، إعلان صريح بأن ما كان يعتبره نظام الأسد أوراقاً للمساومة واستدرار النفوذ (عملياً، بقاء النظام قبل كل شيء)، لم يكن سوى معاول هدم وتخريب للمصالح الوطنية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لسوريا الدولة من ناحية أولى وللشعب السوري وكرامته وحرياته وقوت يومه من ناحية ثانية.

واستطراداً، فهي رسالة مفتوحة الى الشعبين الفلسطيني والعراقي أيضاً، تحمل المعنى ذاته بعد أن بات واضحاً للشعبين الشقيقين مدى تلاعب النظام السوري، وحليفه النظام الإيراني، بقضايا الشعبين ودماء أبنائهما في خدمة أهدافهما الخاصة... ودائماً بدعوى ما يسميانه "الحلف الاستراتيجي" في المنطقة، وتحت عناوين لم يعد لها محتوى ولا مضمون عملي على الأرض: "المقاومة... والممانعة".

وفي الواقع أيضاً، فكل عبارة في الرسالة المفتوحة تقول هذا المعنى بصراحة وجلاء لا تخطئهما العين.




لكن ما يبقى بعد ذلك، هو أن يقرأ اللبنانيون، أو بعضهم على الأقل، هذه الرسالة جيداً وأن يفهموا المعاني التي تقصد المجلس الوطني السوري أن يوجهها اليهم في هذه المرحلة الدقيقة من نضال الشعب السوري (والشعب اللبناني كذلك) من أجل إنهاء حقبة بالغة السواد في تاريخ العلاقات التاريخية والأخوية بينهما.

ذلك أنه صحيح أن ثورة الشعب السوري تريد إنهاء الاستبداد وحكم العائلة في الداخل، واستعادة الحرية والكرامة الإنسانية، وإسقاط النظام الأمني المخابراتي، وتوفير حاجات الناس الحياتية، إلا أن الصحيح أيضاً أنها تستهدف الخلاص من ذلك لبناء سوريا وطنية وقومية عربية فعلاً.

وبالنسبة للبنان، وعلاقاته البنيوية والعائلية التاريخية مع سوريا وشعبها، فهذه الثورة لبنانية كذلك... بل ولبنانية قبل أي شيء آخر.

ولا تقول "الرسالة المفتوحة من المجلس الوطني السوري الى الشعب اللبناني الشقيق"، كما هو عنوانها، إلا ذلك بشكل محدد وخاص.

::محمد مشموشي::

"المستقبل"

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر