الراصد القديم

2012/01/29

آخر حروب عون

هناك شبَه كبير في نهوض الدول، والجماعات، والأحزاب، والشخصيّات، ثمّ هبوطها وانحطاطها .. حتّى سقوطها.

منها ما يُضيف الى مسار الحضارة، ومنها ما يُعيقه ويشوّهه.

بعضها يطبع التاريخ بانجازات، وبعضها يطويه التاريخ في سجلّ السيّئات، وذاكرة الاخفاقات.

وفي معاينة باردة لسيرة ميشال عون على مدى ربع قرن، يتّضح في أيّ سجل سينزل اسمه، بل أين نزل بالفعل.

ليس في هذه السيرة سوى مسلسل حروب، في اتجاه وعكسه. وجميعها "مكلّلة" بالاحباط والهزيمة، سياسيا وعسكريا، والنجاح الوحيد فيها صخب اعلامي يُبهر بعض العقول بعض الوقت، وليس كلّ العقول كلّ الوقت.

والظواهر الصوتيّة الاعلاميّة ليست قليلة في التاريخ القديم والحديث، كوكبت حولها مؤيّدين ومصفّقين، لكنّها تبدّدت، في الزمن، كغبار زوبعة عابرة، أو صدى في واد سحيق.

أسوأ ما يُصاب به مسؤول شعبي هو الشعبويّة. وأقبح ما يحكم سلوكه خبطُه العشوائي. وأشنع ما يتحكّم به حقدُه الغامض على شخص أو فريق أو جماعة لأسباب شديدة الذاتيّة. وأخطر ما يُسيّره عدم قدرته على تحديد أعدائه، وتأرجح أهدافه بين النقائض.

ونقول: ظاهرة صوتيّة؟ وننسى الجماهير الهتّافة!

نعم، هي جماهير ضريرة لا تزيد الظاهرة الاّ طنينا وصخبا، ولكنّها لا تجعل الفراغ مليئا، ولا تحوّل الباطل حقّا، ولا تستولد من الفشل نجاحا.

هذا هو، بكلّ بساطة، انطباع كلّ عاقل شاء أن يستمع، بهدوء، الى كلام غير هادئ (نقول نوبة؟) في آخر عراضة (أو وصلة غضب؟) قدّمها عون. خصوصا في عقدته تجاه الشهداء الأموات والأحياء، وفي طعناته بخناجر الألفاظ المسمومة.

وليس من تفسير آخر لهذا العرْض الحربي، سوى مدى الاحساس بانكسار الأحلام والأوهام، واقتراب "الظاهرة" من نهايتها، وبدء انهيار قصر الورق.

ولم تكن هتافات الصبْية لـ"رئيسهم الأوحد للجمهوريّة" سوى الشحنة النفسيّة المدبّرة، كي يضاعف هجومه "المقدّس"، ممتلئا بحلم قديم تحوّل الى كابوس.

وقد خطر في بال المشاهدين، مشهدان:

في المشهد الأوّل، هتّافة الأسد في مجلس الشعب السوري. ففي الحالتين تصفيق آليّ، أشبه بحفلة وداع.

وفي الثاني، "بطريرك سياسي" خلعوا عليه زعامة مسيحيّي الشرق، فضلّ طريق الهداية، وسواء السبيل.

واذا كان لكلّ سقوط علائم ودلالات، فانّ الظهور الأخير لـ"الظاهرة" حمل ما يكفي، في الشكل والأصل، كي نعاين قريبا ما هو أكثر من ضعفها وضمورها.
ولا نرى كيف يستطيع حليف متسلّح ونظام مترنّح انقاذ ما لا يُنقذ!

كما أنّنا لا نرى، في ما جرى، سوى حرب أخيرة من حروب ربع قرن، كانت كلّها قبضا على الريح، أورثت صاحبها خيبات كبرى، مقابل مكتسبات شخصيّة، ملتبسة وزائلة.

أمّا الخاسر الأكبر، في دمه وماله وعياله، فكان دائما هذا الجمهور "الغفور"، وحقّ لبنان في أن يكون دولة.

آخر الحروب أسوأها، وأشدّها ايلاما.

ولكنْ، أهمّ ما فيها، أنّها الأخيرة.
الياس الزغبي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر