الراصد القديم

2012/01/22

هل تتحوّل "المطبّات" "مولّدات"؟!

لطالما أثارت ظاهرة المطبّات على الطرق ردود فعل متفاوتة الحِدّة في الشارع، بين مؤيّد ومعارض، إذ في حين تطالب نسبة كبيرة من المواطنين بالمطبّات خوفاً على أبنائهم ومنعاً للإزعاج الذي يتسبّب به السائقون، تبقى هذه الظاهرة حالة نافرة للأكثرية، عندما يضطرّون للتوقّف في المكان الذي لا يتوقّعون أن يكون فيه مطبّ. واللافت أنّ دراسات طبّية دقيقة أظهرت مؤخّراً أنّ السائقين، وخصوصاً مَن يتعرّض منهم للمطبّات والحفر، هم من أكثر الناس عرضةً للإصابة بمرض «الديسك».

كالفطر وبسرعة قياسيّة، انتشرت عشرات المطبّات على الطرقات الرئيسة والفرعيّة في مختلف المدن والقرى والبلدات، صحيح أنّ هذه الظاهرة وُجدت لتشكّل حافزاً للحدّ من الرعونة في قيادة السيارات وعدم القدرة على التشدّد في تنفيذ قوانين السير، إلّا أنّ عددا لا يُستهان به من اللبنانيّين يجد فيها "ترجمة لحال الفوضى العارمة على الطرق في لبنان"، مطالبين بتدخّل المراجع الصالحة لوضع الأمور في نصابها من خلال إلزام البلديات أقلّه باتّباع الشروط الهندسية اللازمة لإقامة المطبّات، وتدخّل اللجان الفنّية في وزارة الأشغال لتحديد اماكن المطبّات واستجرار عروض من شركات لإقامتها إذا استدعت الحاجة ذلك، لا أن تتحوّل مصدراً لحوادث، بحسب "تجمّع الشباب للتوعية الاجتماعية – يازا"، من جرّاء عدم التزام معايير السلامة العامّة على الطرق؟

الشمال

نبدأ من الشمال، حيث أضحت طرقات عكّار، حتى الدولية منها، مزروعة بالعشرات من المطبّات من دون مراعاة للشروط القانونية، ومن دون العودة الى المرجع الذي يجيز أو يمنع إقامة المطبّات العشوائيّة والاستنسابية والمزاجية.

وبدل أن تتحوّل المطبّات عامل وقاية وحماية، فإنّها زادت نسبة وقوع حوادث السير، خاصة وأنّها توضع من دون إشارات أو مسامير ضوئيّة، ومن دون طلائها بمادّة الفوسفور، لتمسي مصيدة لمئات السيارات وتتسبّب بعشرات الحوادث، وخاصة مع عدم وجود إنارة في غالبية شوارع عكّار.

ويتوزّع على الطريق الرئيسية من العبدة حتى وادي خالد مروراً بحلبا والكويخات والتليل والقبيّات وعندقت وشدرا، والتي تمتدّ نحو 70 كيلومتراً، أكثر من 150 مطبّاً لا يفصل بين الواحد والآخر أكثر من 100 متر، بدون استثناء المفترقات والمداخل.

ويقول أحمد كريم وهو سائق سيارة أجرة: "إنّ الكلّ مُجمِع على ضرورة اتّخاذ تدابير تحدُّ من السرعة، ولكن المطبّات العشوائية تتسبّب بحوادث سير اضافية نحن في غنى عنها".

سائق إحدى شاحنات النقل الكبيرة رامز ديب يضيف: "هذه المطبّات التي تنبت فجأة على الطرق العامّة ينبغي إزالتها فورا، لأنّها مخالفة للقانون ولا تتوافر فيها شروط السلامة العامّة".

ولم تستطع بلدية القبيّات مواجهة مشكلة الشاحنات المحمّلة بالبحص من منطقة بيت جعفر، على رغم مئات الشكاوى بمنعها أو تحديد مسارها أو توقيت عبورها والتي تقدّمت بها البلدية الى محافظ الشمال، إلّا عبر إقامة مطبّات يبلغ عددها أحد عشر من مدخل البلدة الى نهايتها.

وعند مفترق الحيصا، استحدث مطبّ على الطريق الدولية التي تربط لبنان بسوريا من دون مراعاة للشروط. وقد أحصي على طريقي عام تلعباس غربي وشرقي، ستّة وعشرون مطبّاً، وثلاثة في البحصة على طريق عام حلبا العبدة، واثنان في برج العرب، واثنان عند مفترق وادي الجاموس. كما استحدثت بلدية التليل ثلاثة على طريق رئيسية، "والحبل عالجرّار".

الى ذلك، يطالب سكّان الضنّية بإزالة المطبّات العشوائية المنتشرة بأعداد كبيرة، محذّرين من أخذ المبادرة وإزالة هذه المطبّات لأنّها "تسبّب حوادث كثيرة للسيارات والمواطنين على حدّ سواء، وهذا الأمر لم يعد يُحتمل او يُطاق". وأشاروا إلى أنّ "منطقتنا منطقة سياحة واصطياف، والقادم لا يعلم بوجود تلك المطبّات لا سيّما في الليل، ما يؤدّي الى تضرّر السيارات والزوّار معاً".

بيروت

أمّا في العاصمة بيروت والضواحي، فحدِّث ولا حرج. المطبّات وما أكثرها... والأكثر غرابة من ذلك هو غياب أيّ لافتة تحذيريّة لتنبيه الآليات العابرة من وجود مطبّات أو حُفر، ما يسبّب وقوع العديد من الحوادث، ومشكلتها ليست في الحوادث التي يمكن أن تسبّبها فقط، وإنّما أيضاً في كونها مصدراً لأضرار بشريّة، وبيئية، ومادّية أيضاً. فهي تسبّب إزعاجاً للسائقين والركّاب وتلوّثاً سمعيّاً، إذ تزعج السكّان الذين يعيشون في الأبنية الموازية للطريق، لا سيّما عند مرور الشاحنات الثقيلة المحمّلة بالمواد، خصوصاً خلال فترة الليل.

يشير أحمد موسى، سائق باص، الى أنّ "استحداث مطبّات على الطريق الرئيس، والذي يشهد كثافة مرورية، بدون مراعاة طبيعة الشارع الذي يشهد منعطفات، يفرض صعوبة على السائقين في رؤية المطبّ الذي لم يرافق استحداثه وضع إشارات تحذيرية".

ويرى كلّ من نبيل بولس ومالك الأمين أنّ "مفاجأة السائق بوجود مطبّ ينتج عنها ردّة فعل غير مدروسة، ما يتسبّب في أغلب الأحيان بوقوع حوادث"، فيما يعتبر محمد خليف أنّ "سوء تنفيذ المطبّ وعدم مراعاة المواصفات الفنّية تجعل منه مطبّا خطراً، وتعرّض حياة الركّاب للخطر، نتيجة التخفيف المفاجئ للسرعة".

أمّا فادي قرداحي، وهو صاحب محلّات تقع على الطريق العام، حيث تنتشر المطبّات والحفر، فيؤكّد أنّه لا يستطيع فتح البوّابات الزجاجيّة لمحلّاته "بسبب الضجيج المستمرّ طوال الوقت"، فيما يتفهّم فادي الصايغ أن توجد المطبّات أمام المدارس، "لكنّني لا أفهم أن توجد على طريق رئيسية بالشكل الذي أقيمت فيه هنا".

عاليه

"نعمل لأجلكم، المطبّ في سبيل توليد الكهرباء". هذا ما تؤكّده اللافتة التي تشير الى المطبّ الذي يرتفع عند المدخل الشمالي لبلدة البساتين في قضاء عاليه. على عكس مجمل مطبّات السيّارات، فإنّ هذا المطبّ، الواقع في وسط البلدة، لا يزعج المواطنين، كونه فريداً من نوعه، إذ من خلاله تنفّذ البلدية مشروع توليد الطاقة الكهربائية لإنارة شوارع البلدة.

ويصفه أحد مهندسي المشروع د. سهيل مطر "بالأوّل على مستوى لبنان والعالم العربي"، لافتاً الى أنّه "يقوم على حفر قناة بعرض الطريق عمقها متر، وعرضها نحو 70 سم، نضع في داخلها الجهاز، وهو مكوّن من دوائر مسنّنة تدور كلّما تعرّضت للضغط من مرور السيّارات فوق اللوح المثبّت على الطريق. وكلّما ازداد مرور السيارات زاد الضغط عليها، وازدادت سرعة المسنّنات ما تسبّب بتوليد الطاقة الكهربائية التي ستخزّن في بطاريات وُضعت إلى جانب المطبّ لتُستخدم عند الحاجة".

ويضيف مطر أنّ "ارتفاع المطبّ 10 سم يؤدّي إلى توليد طاقة بمعدّل 10 كيلوواط في الساعة، أي بمعدل يقارب الـ240 كيلوواط في اليوم. ومن هنا لو كان بإمكاننا رفع مستوى المطبّ إلى 25 سم فإنّنا سنحصل على ما يوازي 750 كيلوواط في اليوم". ويتمنّى لو "كان بإمكاننا أن نضع مطبّات على مداخل الكسّارات أو مجابل الباطون والزفت أو مدخل الشركات الكبرى التي تستخدم الشاحنات الثقيلة لاستطعنا توليد طاقة بكمّيات كبيرة".

وإذ يؤكّد مطر حقّه وزمليه نزار الأعور ومنير يحيى، في براءة الاختراع المسمّى "توليد الطاقة من خلال مرور السيارات على مطبّات الطرقات ــ المولد المستقيم"، يلفت الى أنّ "الخبراء أجروا دراسة على شارع المنارة في بيروت وباتّجاه واحد، وقد سجّل مرور أكثر من عشرة آلاف سيّارة في يوم عمل عادي، وفي الطرقات المستوية يمكن وضع المطبّ على شكل مسامير على نحو لا يسبب عرقلة السير ما في يسمى sleeping policeman، أي إنّ الفكرة واعدة جدّاً إذا اعتمدت هذه الخطة، ومع الوقت يمكن أن تكون مسألة واعدة في المستقبل القريب".

صور

إلى صور، حيث عملت البلدية على إنشاء مطبّات على الكورنيش الجنوبي مقابل مفرق الخيم البحرية لإجبار السيارات على تخفيف سرعتها تفادياً للحوادث المميتة. إلّا أنّه تبيّن لاحقا أنّ هذه المطبّات قد أعطت مفعولاً عكسيّاً من خلال تسبّبها بأضرار لعشرات

السيارات التي مرّت من فوقها وذلك بسبب ارتفاعها المبالَغ فيه، ما دفع البلدية الى تخفيض ارتفاع المطبّ الى الحدّ المعقول والذي لا يتسبب بأضرار للسيارات.

إلّا أنّ هذه الإجراءات ارتكزت على الكورنيش الجنوبي، بينما لا يزال يشتكي السائقون من وجود مطبّات للسرعة في شوارع وطرقات اخرى في الجنوب، من دون مراعات المقاييس المُتّبعة في إنشائها.

وبعد هذه الجولة على المناطق اللبنانية حيث جمعت المواطنين المصيبة نفسها، أسئلة كثيرة حمّلَنا إيّاها المواطنون لطرحها على الجهات المختصّة علّنا نتمكّن من الحصول على أجوبة شافية وحلول تطبيقيّة.

المطبات تسبب الديسك

وللوقوف على العلاقة بين المطبّات ومرض انزلاق الغضروف او ما يعرف بـ»الديسك»، التقت «الجمهورية» الدكتور طوني سابا، المتخصّص بجراحة العظام والعمود الفقري، والذي يعرّف الديسك على أنه «الغضروف الذي يفصل الفقرات في العنق والظهر وأسفله. ويتألف هذا الغضروف من مادة لزجة تفصل الفقرات وتحميها من التعرّض للكسور في حال وقوع حادث ما، أو حمل للأوزان الثقيلة تفوق قدرة تحمّل العمود الفقري».

وايعزو أسباب الإصابة بـ»الديسك» الى عوامل عدة أبرزها «عدم ممارسة الرياضة بشكل صحيح وضعف العضلات التي تحمي العمود الفقري، وغياب التغذية السليمة والتدخين»، ويؤكد أن «أكثر الناس عرضة للإصابة هم السائقون خصوصاً من يتعرض منهم للحفر والمطبّات».

وفي هذا السياق، يرى امين سرّ الـ "يازا"، كامل ابرهيم، أنّ "اكثر المطبّات يتمّ تركيبها بقرار من البلدية او المحافظ، وغالبا ما يتمّ تركيبها في البلدات أو حتى الاوتوستراد على أثر حادث سير ما، وذلك للتخفيف من سرعة السيارات"، لافتاً إلى أنّ "هناك معايير لوضع المطبّات على الطرق لناحية ارتفاعها وانسيابيتها، أو من جهة الإشارات اللازمة للتنبّه لوجودها".

وعن مواصفات المطبّ، يقول ابراهيم إنّه "يجب أن يكون عريضاً أقلّه متراً، وعلوُّه لا يتجاوز الـ 30 سنتم، وبذلك تتمكّن السيارة من أن تجتازه بسلامة. ومنهم من يستعمل الزفت لوضع المطبّ او الحبال أو البلاستيك، ومنهم من يستعمل المسامير التي عادةً ما توضع على الطرق لتحديدها وهي تضيء ليلاً، وهذه خطرة جدّاً". ويختم ابراهيم قائلاً: "في لبنان لا يوجد قانون ينظّم مواصفات وضع المطبّات ومعاييرها، وهكذا تصبح هذه الأمور استنسابيّة"، مشيراً إلى "غياب للتخطيط لقضايا السلامة العامّة على الطرق".

من جهته، يشير مدير الصيانة في وزارة الأشغال العامّة والنقل أديب دحروج إلى أنّ "الطرقات العامّة، بما فيها الأوتوسترادات والطرق الرئيسية والطرق المحلّية، تقع ضمن مسؤولية وزارة الأشغال، بينما تقع الطرق الداخلية ضمن مسؤوليّة البلديات"، مُعتبراً أنّه "في كثير من الأماكن، تُقام مطبّات على طرقاتٍ تقع ضمن صلاحيّات الوزارة، من دون الأخذ برأيها".

وإذ يلفت إلى أنّ "موضوع المطبّات هو موضوع سياسيّ وليس إداريّاً"، يؤكّد أنّ الوزارة لا تمانع إزالة المطبّات التي لم تمنح أساسا الموافقة من أجل صبّها، "فهي أصلاً لم توضع بموافقتنا".

وطلب من الأهالي أن يتقدّموا بطلب إلى الوزير لإزالتها، وعندما يتّخذ الوزير القرار، "نزيلها على الفور". أمّا بالنسبة إلى الحفر "فإنّ صبّها بالإسفلت ينتظر الاعتمادات والموازنة".

وفي ظلّ غياب قانون يحمي المواطن، تتنصّل أيّ من الجهات الرسميّة من مسؤوليّة صبّ هذه المطبّات. وكالعادة، كلّ جهة ترمي بفشلها على أخرى.

ولا يسَعُ المواطن سوى أن يذكّر نفسه أنّه "في لبنان"... ورحمة علينا والسلام.
باسكال بطرس
الجمهورية

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر