الراصد القديم

2012/01/06

هل ينجح الناتو في إشعال حرب جديدة في المنطقة العربية؟

تبقى سوريا مع مطلع سنة 2012 أحد المراكز الأكثر تعقيداً فيما يخص تشابك خيوط التصارع الدولي والإقليمي الدائر من أجل استغلال الأحداث العنيفة الدائرة بها منذ منتصف شهر مارس سنة 2011 لفرض واقع جديد وتعديل موازين القوى ليس فقط على جزء من الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط بل في جزء هام من منطقة الشرق الأوسط الكبير كما تعرفها الأبجديات السياسة والعسكرية الأميركية.

يوم الثلاثاء 27 ديسمبر 2011 بدأ خمسون مراقباً من الجامعة العربية مهمة في سوريا بعد موافقة دمشق على المبادرة التي وضعتها الجامعة العربية وإعتبرتها بعض الأوساط مدخلا لتدويل الأزمة وتكرار السيناريو الذي جرى في ليبيا حين تدخل حلف شمال الأطلسي لإسقاط النظام القائم في طرابلس، في حين رأى فيها أخرون سبيلا لمنع التدخل الخارجي وإيجاد تسوية.

في البداية عندما تم طرح ما سمي بالمبادرة العربية سجل أن العواصم الغربية الرئيسية المرتبطة والمتدخلة أو المهتمة أكثر من غيرها بما يجري في المنطقة الممتدة من الخليج العربي حتى المحيط الأطلسي، قد رحبت بها ولكنها أكدت في نفس الوقت يقينها أن حكومة دمشق لن تقبل بما وصفته بالتسويات العادلة.

وتقضي المبادرة العربية بوقف العنف ضد المدنيين وسحب الاليات العسكرية من المدن والمناطق السكنية واطلاق سراح المعتقلين وعقد مؤتمر للحوار الوطني في مقر الجامعة العربية تشارك فيه الحكومة وكافة اطياف المعارضة السورية للتوصل الى حل سياسي للازمة. ولم تخف باريس وواشنطن ولندن خاصة توقعاتهم أو آمالهم في، أن الخطة التي وضعتها الجامعة العربية ستفشل، مؤكدين أنه بهذه النتيجة سيمكن إنهاء كل تردد في مجلس الأمن بشأن إتخاذ قرارت متتابعة بفرض حظر على تسلح دمشق، وحظر جوي ومنطقة عازلة على حدودها مع تركيا وربما الأردن، إلى غير ذلك من القرارت التي تمهد الطريق للتدخل العسكري.

مناورة مكررة

في نفس اليوم أي الإثنين 19 ديسمبر 2011 الذي وقعت فيه حكومة دمشق على البروتوكول المحدد للاطار القانوني ومهام بعثة المراقبين العرب قالت المعارضة السورية على الفور أن الأمر يتعلق بـ "مراوغة". ومن تونس أعلن رئيس المجلس الوطني السوري الذي يضم جزء هاما من تيارات المعارضة السورية برهان غليون بشان تصريحات حكومة دمشق "لا نرى شيئا سوى مراوغة" مضيفا "الجامعة العربية اتاحت للنظام السوري التهرب من مسؤولياته". واضاف "النظام يراوغ لكسب الوقت ومنع تحويل الملف الى مجلس الأمن الدولي".

من جانبه قال الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي أنه تم وضع كل الضمانات لنجاح عمل البعثة وان "لدى الجامعة العربية قائمة تضم مئة مراقب من منظمات غير حكومية عربية وممثلي حكومات عربية وسيتم رفع هذا العدد فيما بعد" موضحا ان "مدة البروتوكول شهر قابلة للتجديد".

سجل أنه قبل أن تبدأ البعثة عملها شنت كل من واشنطن وباريس حملة ضد عدد من أعضائها وفي مقدمتهم رئيسها الفريق محمد تحمد مصطفى الدابي السوداني الجنسية بدعوى أنه شارك في الحرب ضد إنفصالي جنوب السودان. مصادر رصد ألمانية أشارت إلى أن محاولات الطعن في نزاهة عدد من أعضاء البعثة تذكر بما فعلته نفس العواصم الغربية خلال الحصار الذي فرض على العراق لمدة 12 سنة وانتهى سنة 2003 بإحتلاله، حيث كانت الإدارة الأميركية تتدخل في تحديد أعضاء بعثات الأمم المتحدة إلى العراق لتختار من تضمن أنهم سيقدمون تقارير تؤيد وجهات نظرها أو يقومون بالتجسس لحسابها، وقد تم فضح ذلك لاحقا على يد هانس بليكس كبير مفتشي الأمم المتحدة السابق في العراق، وغيره من الشخصيات التي ارتبطت بأحد أكبر أكاذيب القرن.

قبل أن يمضي أسبوع على بدء مهمة الجامعة العربية أخذت كل من واشنطن وباريس أساسا، توجهان انتقادات للبعثة متهمة إياها بالتقصير وعدم الكفاءة، كما نشروا على نطاق واسع ما قالوا أنه رفض شعبي سوري للبعثة.

يوم الأربعاء 26 ديسمبر اعلنت وزارة الخارجية الفرنسية ان المراقبين العرب لم يمكثوا الا فترة قصيرة في حمص للتمكن "من التحقق من الوضع" على الارض ولم يحولوا دون مواصلة حملة القمع في هذه المدينة مما اوقع حوالي عشرة قتلى.

وقال المتحدث باسم الوزارة برنار فاليرو خلال مؤتمر صحافي ان "الزيارة القصيرة للمراقبين لم تسمح لهم بالتحقق من الوضع على الارض في حمص، واضاف "على المراقبين العرب العودة دون تأخر الى هذه المدينة والتمكن من التنقل بحرية في كافة احيائها ومن اجراء الاتصالات اللازمة مع كافة السكان".

من جانبه وفي رفض غير مباشر للتدخل الفرنسي الأميركي وصف الدابي مهمة المراقبين في حمص بـ"الجيدة" موضحاً أنه في طريقه لزيارة هذه المدينة مجدداً. واوضح ان "مراقبين اخرين سيصلون تدريجيا حتى يتم تغطية كافة الاراضي السورية".

لاحقاً صعدت واشنطن وباريس ومن يؤيد سياساتهما في المنطقة العربية وخارجها، من الهجوم على البعثة العربية بهدف توجيه تقاريرها في الاتجاه الذي يرغب فيه البيت الأبيض أو لتجميد عمل البعثة وبالتالي التمكن من العودة إلى سيناريو التدخل العسكري الواسع لحلف الناتو.

وهكذا وفي واشنطن ويوم الثلاثاء 3 يناير 2012 قال المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني "لقد مضى 16 يوما على توقيع النظام السوري بروتوكول الاتفاق على مجيء مراقبي الجامعة العربية وتسعة أسابيع على موافقته على خطة عمل الجامعة العربية التي تتألف من أربع نقاط".

وأضاف "لقد قلنا بوضوح انه إذا لم تطبق مبادرة الجامعة العربية فيجب عندها على المجتمع الدولي أن يبحث في إجراءات جديدة لإرغام النظام على وقف العنف بحق شعبه".

واكد انه "من البديهي ان النظام السوري لم يحترم الشروط" الواردة في بروتوكول التعاون بين دمشق والجامعة العربية. وتابع "سنواصل العمل مع شركائنا الدوليين. نعتقد انه آن الأوان فعلاً لان يتحرك مجلس الأمن الدولي. نريد من المجتمع الدولي أن يظهر تضامناً لدعم التطلعات المشروعة للسوريين".

تقارير على قياس الطلب

تقول مصادر رصد غربية وآسيوية تقف على مسافة واحدة من دمشق وكل من واشنطن وباريس ومعارضي حكم بشار الأسد، أنه إذا لم تتوافق تقارير بعثة الجامعة مع ما يريده البيت الأبيض وقصر الاليزي سيتم التأكيد أنه يجب استبدال المهمة العربية بمهمة تشرف عليها الأمم المتحدة، وهكذا يتوفر السيناريو الذي مورس ضد العراق طوال 12 سنة حصار.

الأمر لا يتعلق بمناصرة النظام السوري أو المعارضة، الغرب الذي ينكر على الشعب الفلسطيني حقوقه ويمجد الكيان الصهيوني سالب الأرض وبطل مجرمي الحروب، الغرب الذي قسم المنطقة العربية واحتلها منذ نهاية القرن التاسع عشر، لا يدافع في الحقيقة عن نضال الشعوب من أجل الإصلاح والديمقراطية، بل هو يركب كل الأمواج من أجل تحقيق أهدافه. إن الولايات المتحدة تريد ركوب حركة سلمية معارضة لحكم بشار الأسد لتحولها إلى نزاع مسلح تولد الفعل ورد الفعل، فتمنع إصلاح النظام أو تغييره بشكل كامل دون دمار وتصفية لقدرات بلد شكل رغم كل المآخذ على سياساته، خطرا على الكيان الصهيوني.

وقد قال معلقون عرب إن "الولايات المتحدة ومعها دول أوروبا التي إختارت مبدأ التبعية الكاملة لأصحاب القرار في البيت الأبيض، تغوص في قاع ماضيها الاستعماري وتستحضر أوراقه وأدواته وأطماعه. تستأجر أطرافا في المنطقة وتستعجل في اللهاث خلف أضغاث أحلام، طالما أنعشت من خلالها رائحة تلك الأطماع من جديد فتتنوع العناوين وبعض التفاصيل لكنها تقود إلى النتيجة ذاتها إحياء لعهود غابرة من الاستعباد ومحاولات التحكم بمصير المنطقة دولا وشعوبا".

مواجهة في الأمم المتحدة

يوم 27 ديسمبر 2011 اتهم مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين بعض الأطراف التي لم يسمها بمحاولة تأجيج المشكلة في سوريا، وأشار الى وجود إحباط في المنظمة الدولية بسبب العجز عن اتخاذ أي قرار بشأن القضية الفلسطينية. وقال تشوركين في مقابلة مع قناة "روسيا اليوم" انه في ما يتعلق بالملف السوري فإن مسودة القرار الذي قدمته روسيا قبل أسبوعين إلى مجلس الأمن الدولي تعمل على دفع العملية السياسية وتشجيع مهمة بعثة مراقبي الجامعة.

وأضاف "ما نشهده هو ان البعض يحاول تأجيج المشكلة، وعادة عندما توجد أزمة تطفو إلى السطح جميع عناصر التطرف والإرهاب، وعلى سبيل المثال منذ أيام وقع عمل إرهابي مروع في دمشق، سبقه بيوم تصريح وزير الدفاع اللبناني فايز غصن الذي قال إن مجموعة تابعة للقاعدة تحركت نحو سوريا من لبنان، لذلك أنا لا أفاجأ إذا وجدت عناصر إرهابية من ليبيا أو من أماكن أخرى طريقها إلى سوريا لتأجيج المشكلات وخلق نوع من النزاع الطائفي والإثني، وهذا ما يهدف إليه الإرهابيون".

وأضاف "نحن نؤمن بأن دور المجتمع الدولي في حالة وجود أزمات في بلد ما مثل ما يواجهنا في سوريا، يكمن في مساعدة شعب ذلك البلد لإيجاد حل سلمي للأزمة وهذا هو خط روسيا وهذا هو مبدأ عملنا في مجلس الأمن الدولي".

وذكر تشوركين ان هناك عدداً من أعضاء مجلس الأمن يشعرون بالإحباط بسبب العجز عن اتخاذ أي قرار لإيجاد حل للقضية الفلسطينية.

وأضاف "هناك قدر من الإحباط لدى عدد من أعضاء مجلس الأمن الدولي لكون المجلس عاجز عن عمل أي شيء في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية كما ان عددا من أعضاء المجلس، وأنا هنا لا أتكلم عن الوفد الروسي وحده، يشددون على ضرورة اتخاذ قرار في مجلس الأمن لدعم ثوابت القضية الفلسطينية، ونحن حاولنا أن نتخذ قراراً ضد المستوطنات لكن جوبهت محاولتنا بفيتو أميركي وهذا ما خلق حالة كبيرة من الإحباط".

وتطرق تشوركين إلى الشأن الليبي، وقال ان وفد روسيا وبعض الوفود الرسمية في مجلس الأمن الدولي تريد توضيحا بشأن الضحايا المدنيين جراء قصف الناتو في ليبيا. وتابع قائلاً "القرار لم يرفض بعد، وفود مجلس الأمن ومن ضمنها الوفد الروسي تريد إيضاحا بشأن الضحايا المدنيين نتيجة القصف الذي شنته قوات الناتو في ليبيا، لأنه قبل أشهر سمعنا من الناتو انه ليس هناك مجال للحديث عن وقوع أي ضحايا في صفوف المدنيين وبعد ذلك في الشهر الحالي كان لدينا تحقيق استقصائي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز وتحدثت فيه عن آلاف الضحايا المدنيين وهذا دافع إضافي بالنسبة إلينا للمضي قدما في التحقيق".

تقاسم الأدوار

يوم 9 أغسطس 2011 ذكر الخبيران الإسرائيليان في العلاقات الدولية، ألون ليفين وبوفال بستان، في ورقة عمل نشراها على موقعهما على الإنترنت، ثم لاحقاً بعد إدخال بعض التعديلات، في تقارير نشرتها الصحف الإسرائيلية ومعاهد دراسات أميركية، أنه بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على بداية الأزمة الداخلية في سوريا تكمن أهمية الموقف العربي المتشدد ضد سوريا في أنه يفتح الباب على مصراعيه أمام التدخل العسكري الأجنبي ومنحه الشرعية كما حدث في ليبيا.

وتناول الخبيران الدور الأساسي الذي على تركيا أن تلعبه في سوريا منبهين إلى أن أنقرة حاولت في السنوات الأخيرة العودة لاحتلال الصدارة في المنطقة بعد قرن من سقوط الإمبراطورية العثمانية.

وقد وقعت أحداث سهلت على تركيا احتلال مركز الصدارة في المنطقة، ومنها: سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، وهو ما أبقى على قوة عسكرية عربية كبيرة وحيدة في الشرق الأوسط قادرة على معادلة القوة الإسرائيلية وغيرها من الأطراف الإقليمية التي لها تطلعات توسعية، وهي مصر. لكنهما أشارا إلى أن هذه القدرة مشلولة حيث أن القاهرة غارقة حاليا في تبعات ما بعد استقالة الرئيس حسني مبارك وتطاحن القوى السياسية على تقاسم الغنائم.

وأشار الخبيران إلى أنه مع انسحاب القوات الأميركية من العراق انحصر الصراع على الهيمنة في المنطقة الممتدة من شرق ما بين النهرين حتى سواحل المتوسط الشرقية بين الأتراك والإيرانيين، الذين بدؤوا يقسمون بينهما مناطق النفوذ في الشرق الأوسط.

وتابعا أنه في هذا السياق، تحولت سوريا ولبنان إلى دولتي تماس بين القوتين الإقليميتين، وهدفا للنفوذ والتأثير من كليهما، وأشارا إلى أن الانتفاضة ضد نظام الأسد أضعف دور سوريا كدولة تماس مع إسرائيل وكذلك أضعف كل التنظيمات الفلسطينية التي تستند على دعم حكومة دمشق وفي مقدمتها حركة حماس.

كما أن الأحداث في سوريا خاصة إذا سارت في الاتجاه الذي تريده واشنطن ستكون بمثابة حكم بالإعدام على حزب الله اللبناني.

وبحسبها، فقد أوشك الصدام بين سوريا وتركيا في مرحلة معينة على التحول لمواجهة عسكرية رغم هشاشة الجيش السوري وضعفه بالمقارنة مع نظيره التركي، وقد اقتربت قواتهما من الحدود المشتركة في حالة تأهب ما زاد من حدة التوتر في المنطقة، مع العلم أن التحالف التركي مع سوريا في وقت سابق كان الأمر الذي مهد لأنقرة الطريق للانفتاح على العالم العربي، وأسهم في حل قضية إقليم الإسكندرون الذي طالما طالبت دمشق باستعادته.

ويشير الباحثان إلى ميل الأتراك الآن لتغيير النظام في سوريا، وأشارا إلى أن إسرائيل قد تلعب دوراً في هذا الأمر بشكل غير مباشر، فمجرد التمركز العسكري الإسرائيلي على الحدود السورية، سيضطر الجيش السوري للإبقاء على قواته متأهبة لصد هجوم خاطف، مما سيسهل المهمة على الأتراك وكذلك على القوى المسلحة العاملة في الأراضي السورية ضد نظام الحكم القائم.

ويصل الباحثان إلى خلاصة مفادها أن أنقرة ستعود مستقبلاً إلى علاقات تعاون واسع مع إسرائيل خاصة أن النهج التي تبنته تركيا بعد هجوم الرصاص المسكوب الإسرائيلي على غزة لخلق أزمة سياسية والتقرب من الدول الراديكالية في الشرق الأوسط، انقلب ضدها، فبعد عام ونيف من حادث قافلة المساعدات التركية وأسطول الحرية الأول، تبنت الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى موقف إسرائيل، ما عدا توجيه بعض الانتقاد لاستخدامها القوة المفرطة، ونظر الجميع للحكومة التركية على أنها المحرك الرئيسي وراء إرسال قافلة غير شرعية يحق لإسرائيل اعتراضها.

ويضيف الخبيران أنه على ضوء هذا الموقف، لم يعد أمام تركيا إلا مواصلة الصراع مع إيران في الميدان السوري، وربما الكردستاني، ووجود إسرائيل واستقرارها في المنطقة، يمكن استخدامه من طرف تركيا كورقة ضغط على النظام السوري وحزب الله، بينما ستحرص تل أبيب دوما على متابعة الأحداث من بعيد دون تدخل.

من ناحيته، رأى د. تسفي بارئيل، محلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة "هآرتس" أن الأرض باتت معبدة لموقف عربي أشد حزماً وأشد صرامة من نظام الأسد، وخلص إلى القول إن هذا الموقف العربي ربما سيفتح الباب على مصراعيه أمام التدخل العسكري الأجنبي في سوريا، وسيمنحه الشرعية، ومن هنا تكمن قوته، كما حدث في ليبيا ضد نظام العقيد القذافي.

الشيطنة وأشياء أخرى


المعارضة السورية وكما ذكر عدد من قادتها منذ شهر مارس 2011 أكدت أنها ترفض التحول من حركة سلمية إلى عسكرية عنيفة أو الاستعانة بالأجنبي لأن ذلك يهدد مقومات البلاد ويدفع بالقوات المسلحة النظامية إلى الدفاع عن النظام.

هذا الموقف وحسب مراكز رصد أوروبية لم يرق واشنطن وباريس وتل أبيب لأنه كان من شأنه إحداث تغيير نظام الحكم في دمشق ولكن ليس في الإتجاه المطلوب أميركيا.

حيث أنه كان سيقود إلى انتصار القوى السياسية المتمسكة بعروبة البلاد وثوابتها في مناصرة القضية الفلسطينية ورفض الإملاءات الأميركية للتوصل إلى تسوية ولو مؤقتة مع الكيان الصهيوني.

تدريجياً وعبر وسطاء وأجهزة شيطنة للخصوم وخاصة في الموقع القديم الجديد للتدخل الأميركي في منطقة الخليج العربي، تم إسقاط فصائل من المعارضة السورية في فخ العمل العسكري وهو ما حال بين حدوث توافق بين المعارضة السلمية للنظام والقوات المسلحة التي لم تكن مهمتها الأساسية ورغم كل محاولات التشويه سوى مواجهة العدو الإسرائيلي.

حرب بالوكالة

يلقي النظام الحاكم في دمشق المسؤولية عن الأزمة التي تتعرض لها البلاد على تنظيمات تقوم بعمليات مسلحة "إرهابية" بتمويل من الخارج مؤكداً أن غالبية الشعب تسانده وأن معارضيه ليسوا سوى أقلية، وهو ما تنفيه أطراف من المعارضة.

على الأرض تختلف الوقائع عن الدعايات السياسية، فيوم 16 أكتوبر 2011 جاء في تقرير لوكالة فرانس برس من العاصمة اللبنانية بيروت: يجمع خبراء على ازدهار حركة تهريب السلاح إلى الداخل السوري من دول حدودية بينها لبنان. وذكر الباحث بيتر هارلينغ من مجموعة الأزمات الدولية "انترناشونال كرايزيس غروب" ان "شبكات التهريب الناشطة منذ زمن على طول الحدود حصرت نشاطها على ما يبدو منذ أشهر بتهريب السلاح". ويضيف "نشأ سريعاً سوق للسلاح في بلد لم تكن الأسلحة تتنقل فيه بسهولة كما في لبنان والعراق واليمن".

ويؤكد دبلوماسي غربي في بيروت رافضاً الكشف عن هويته "حصول عمليات تهريب للسلاح من لبنان إلى سوريا بمساعدة وتمويل خارجي". ويضيف "قد تكون بين هؤلاء الأفراد شخصيات متعاطفة مع طرف سياسي معين، لكن لا يمكن القول أن فريقا سياسيا يقف وراء ذلك". لقد أرسل السوريون سلاحا إلى لبنان على مدى سنوات، والآن إرتد السحر على الساحر". كما يشير إلى ان السلاح يدخل سوريا أيضا من العراق وتركيا.

وتتهم السلطات السورية تيار المستقبل، ابرز مكونات المعارضة في لبنان، وشخصيات سياسية حليفة له بإمداد "العصابات المسلحة" في سوريا بالمال والسلاح.

وتم خلال الاسابيع الماضية توقيف عدد من اللبنانيين والسوريين في مناطق مختلفة من لبنان بتهمة تهريب سلاح إلى سوريا. ويقول الخبير العسكري الياس حنا "هناك أكثر من خمسين معبرا غير شرعي بين لبنان وسوريا، ويستحيل نشر جندي في كل متر" من الحدود الممتدة على مسافة حوالي 330 كلم بين البلدين.

ويقول دبلوماسي غربي إن حزب الله، وهو القوة اللبنانية الوحيدة المسلحة الأقوى إلى جانب الدولة، عزز وجوده على الحدود الشرقية بهدف ضبط عمليات التهريب التي تمولها أطراف عديدة دون أن يحددها.

تمكنت الولايات المتحدة الأميركية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي رسمياً خلال العقد الأخير من القرن العشرين من تكريس تفوقها التقني عبر عدد من الإنجازات، ومن بينها الإستطلاع والتدخل عبر الطائرات بدون طيار، التي أضيف إليها التحكم ما يشبه المطلق في عدد كبير من المنظمات غير الحكومية.

تفيد تقارير من مراكز رصد أوروبية أن الولايات المتحدة جندت في سابقة غير مسجلة منذ نهاية ما يسمى بالحرب الباردة جزءاً مهماً من قدراتها الاستطلاعية خاصة عبر الأقمار الصناعية التي تلتهم المعطيات من منطقة الشرق الأوسط على مدار 18 ساعة من اليوم لجمع المعلومات عن سوريا ومصر. كما قامت واشنطن عبر الطائرات بدون طيار طراز ار كيو 170 سنتينل وهي طائرات استطلاع من دون طيار تحلق على ارتفاعات عالية وطائرة بريداتور بي، بتجميع معلومات لغرفتي العمليات في تل أبيب وواشنطن المكلفتين بمتابعة الأوضاع في المنطقة.

في كل مواجهة وعلى مدار التاريخ ومهما اختلف التوقيت والأدوات هناك نقطة إنكسار لأحد أو لكل القوى المتصارعة ولو كان التوقيت مغايرا، غير أن هناك مواقع فاصلة يشكل التحكم فيها أدوات قد تمكن من تحويل مسار الصراع.

شكلت تركيا وهي تتطلع لإعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية نقطة إرتكاز لمخطط التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في منطقة الشرق الأوسط الشرقية، غير أن التطورات الميدانية ولدت عثرة في إستكمال المخطط وخاصة بعد إحياء فرنسا للجدل حول ما يسمى إبادة الأرمن في تركيا العثمانية، وهو ما يترجم كذلك بما يسمى أحقية أرمينيا في جزء من أراضي تركيا.

تهريب السلاح

جاء في تقرير للمحلل الفرنسي بيار انطوان دونيه في اخر أيام سنة 2011: تنضم خمس دول غير دائمة العضوية يوم الأحد 30 ديسمبر إلى مجلس الأمن الدولي الذي يواجه أكبر أزماته منذ سنوات عدة بشان سوريا، ذلك أن روسيا والصين ترفضان إدانة نظام الرئيس بشار الأسد.

وينضم كل من المغرب وتوغو وغواتيمالا واذربيجان وباكستان إلى عضوية المجلس، مع العلم انه سيكون على هذه الدولة الأخيرة أن تتعايش مع خصمها الكبير الهند، وهي عضو حاليا في المجلس الذي يعد خمسة عشر عضواً.

وبشأن الخصومة السائدة في مجلس الأمن الدولي منذ أشهر بشان سوريا، قال دبلوماسي غربي "إنها مثل الحرب الباردة". واعتبر ان عمل المجلس قد "يتضرر بقوة" اذا ما استمرت التوترات.

وتعتبر روسيا والصين وكذلك جنوب افريقيا والهند والبرازيل وهذه الاخيرة انهت مدة عضويتها أن الحلف الأطلسي تجاوز تفويض مجلس الأمن الدولي مع الضربات التي شنها في ليبيا. وتتهم هذه الدول الغربيين بأنهم ارادوا "تغيير النظام" للاطاحة بمعمر القذافي، والآن يريدون الأمر نفسه ضد بشار الأسد.

واستخدمت روسيا والصين حق النقض "الفيتو" الذي يتمتعان به داخل مجلس الأمن لمعارضة مشروع قرار غربي يدين اعمال العنف في سوريا في بداية أكتوبر، مؤكدتين انه سيشكل المرحلة الأولى نحو عمل عسكري.

وعرضت روسيا منذ ذلك الوقت مشروع قرارها الخاص الذي يدين العنف سواء كان مصدره الحكومة أو المعارضة في سوريا. ورأت الدول الغربية أن وضع الطرفين على خط مواز أمر "غير متوازن".

وعقدت ثلاث جلسات من المفاوضات خلال الأسبوع الأخير من سنة 2011 من دون إحراز أي تقدم، بحسب دبلوماسيين. ويشتبه الغربيون في أن روسيا تسعى إلى كسب الوقت من اجل تمكن دمشق حليفة موسكو الرئيسية من إنهاء الأزمة الداخلية بشكل أو بآخر.

ويقدر مراقبون أن السنة الجديدة لا تدل على أنها تحمل تباشير حل لمجلس الأمن الدولي، هيئة القرار المركزية في الامم المتحدة.

وقال دبلوماسي غربي كبير رافضاً الكشف عن هويته "ستكون سنة 2012 صعبة. ليس من السهل ان نرى كيف ننجز امراً ما عندما يكون مجلس الأمن مجمداً على هذا النحو".

والتوازن الجديد داخل مجلس الأمن سيكون قريباً جدا من المجلس الحالي ولن يغير شيئا سواء في ترشيح فلسطين لعضوية كاملة في المنظمة الدولية أو تمرير قرار مناهض لحكومة دمشق، ذلك انه سيتعذر بلوغ عتبة التسعة أصوات من أصل 15 لتمرير مثل هذه القرارات.

وستمتد ولاية الدول الخمس الجديدة التي ستنضم الى المجلس اعتبارا من الأول من يناير، على مدى سنتين. والدول الخمس الاخرى غير الدائمة العضوية التي ستنتهي ولايتها في نهاية 2012 هي كولومبيا والمانيا والهند والبرتغال وجنوب افريقيا.

ويعد المجلس ايضا خمسة اعضاء دائمي العضوية تتمتع كل منها بحق الفيتو وهي الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين.

خيارات واشنطن

نشرت مجلة "فورين بوليسي" نهاية سنة 2011 تقريرا أعده جوش روغين عن قيام الادارة الاميركية بدرس خياراتها لتعزيز دعم المعارضة السورية ضد نظام الرئيس بشار الأسد. ويستشف من تصريحات مسئولين في إدارة الرئيس باراك اوباما أن واشنطن مستعدة لتقديم مساعدات مادية ودبلوماسية لكنها ليست في وارد إقرار تدخل عسكري أميركي خاصة بعد أن تبين أن موسكو مستعدة للمخاطرة عسكريا لمواجهة أي تدخل أميركي. وقد جاء في التقرير "بينما خرج العنف في سوريا عن نطاق السيطرة، يحضر مسئولون كبار في إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لخيارات بشأن كيفية مساعدة المعارضة السورية، بما في ذلك الخيار غير المرجح لفرض منطقة حظر طيران فوق سوريا والتحضير لمبادرة دبلوماسية كبيرة أخرى".

ويتهم منتقدون في الكونغرس إدارة أوباما بأنها بطيئة في إصدار ردة فعل على الوضع الأمني المتردي في سوريا. ويقول العديد من المشرعين أن البيت الأبيض "يتحرك بشكل غير مباشر"، بينما اتخذ الأتراك والفرنسيون والعرب الذين أرسلوا بعثة مراقبين إلى سوريا المبادرة بإتباع استراتيجيات أكثر قوة للضغط على نظام الأسد. لكن المسؤولين الأميركيين قالوا إنهم يتحركون بحذر لتجنب المزيد من التدهور الأمني في سوريا، وللتأكد من أنهم يعرفون أكثر عن الديناميات المعقدة في ذلك البلد قبل التورط أكثر.

إلا أن الإدارة تعتبر أن الوضع القائم في سوريا غير قابل للاستمرار. فقد قال المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية فريد هوف ان نظام الأسد هو "رجل ميت يمشي". وبالتالي فإن الإدارة تقوي الآن من آليتها لصنع السياسات بهذا الشأن. وبعد مرور عدة أسابيع من دون أي اجتماعات عالية المستوى للإدارة لمناقشة الأزمة في سوريا، بدأ مجلس الأمن القومي عملية غير رسمية هادئة لخلق وتجميع الخيارات من أجل مساعدة المعارضة السورية، وفقا لما أكده اثنان من المسئولين في الإدارة الأميركية لـ"ذي كايبل".

وتشمل العملية التي يقودها مدير المجلس القومي ستيف سايمون عددا من المسئولين المختارين من وزارات الخارجية والدفاع والخزينة ووكالات أخرى ذات صلة. وهذه المجموعة صغيرة بدرجة غير عادية، على الأرجح لتجنب التسريبات الإعلامية، ولا تستخدم الإدارة الإجراءات الاعتيادية من خلال اجتماعات لجنة السياسات المشتركة ولجنة النواب أو لجنة المديرين. ومن المسؤولين الرئيسيين في النقاشات فريد هوف الذي يقود التعامل مع قادة المعارضة السورية وحلفاء الولايات المتحدة.

ومن الخيارات المطروحة للنقاش ممر إنساني أو منطقة آمنة للمدنيين في سوريا على طول الحدود التركية، وزيادة المساعدات "للثوار السوريين"، والتعامل أكثر مع المعارضة في الداخل والخارج، وتشكيل مجموعة تواصل دولة، أو تعيين منسق خاص للعمل مع المعارضة السورية (كما حدث في ليبيا)، وفقاً للمسؤولين، وهما على اطلاع بما يجري من مشاورات لكنهما لا يحضران الاجتماعات.

وقال أحد المسؤولين: "تدرس اللجنة المشتركة حاليا الخيارات في سوريا، هناك كثيرون في الإدارة يعتقدون أن الوضع القائم لا يمكن أن يستمر، وهناك إقرار داخلي بأن العقوبات الاقتصادية لن تؤدي إلى سقوط النظام السوري في المستقبل القريب".

وبعد فرض العديد من جولات العقوبات الاقتصادية على النظام السوري وقادته، فإن التركيز يتجه الآن إلى مساعدة المعارضة بشكل مباشر. وما زالت عمليات اللجنة جارية، وقد أوكل مجلس الأمن القومي وزارة الخارجية والدفاع لتقديم خيارات في المستقبل القريب، لكن لم يتم اتخاذ قرار بشأن أي منها، وفقا للمسئولين اللذين قال احدهما أن الإدارة حذرة بشكل متعمد بسبب القلق مما سيحدث في سوريا.

وذكر المسؤول: "بسبب التداعيات البعيدة المدى التي تطرحها المشكلة السورية، فإن الناس حذرون للغاية. الإنتقاد يمكن أن يقول إننا لا نفعل ما فيه الكفاية لتغيير الوضع الحالي لأننا نقود الأمور من الخلف. لكن سبب حذرنا هو أننا ننظر إلى التداعيات الممكنة، إنه أمر لا يصدق".

وأضاف "هذه ليست ليبيا، ما يحدث في ليبيا يبقى في ليبيا، لكن تلك ليست الحال في سوريا. الأخطار أكبر. الآن، نحن نرى خطر التحرك بسرعة عالية أكبر من خطر التحرك ببطء".

ويعتبر خيار الممر الإنساني غير مرجح بدرجة كبيرة لكنه سيتطلب فرض منطقة حظر جوي فوق أجزاء من سوريا، ما قد يشمل هجمات واسعة النطاق على الدفاعات الجوية وأنظمة القيادة والسيطرة السورية.

وقال مسؤول آخر في الإدارة الأميركية "هذا نظرياً أحد الخيارات، لكنه بعيد عن النطاق الذي يفكر فيه أي أحد بشكل جدي في هذه اللحظة".

وعلى الرغم من ان المعارضة منقسمة بهذا الشأن، فإن رئيس المجلس الوطني الانتقالي السوري برهان غليون دعا في وقت سابق من شهر ديسمبر المجتمع الدولي إلى فرض منطقة حظر جوي فوق سوريا.

نباح الولايات المتحدة

خطابياً، كانت الإدارة الأميركية ناشطة في دعوة الرئيس السوري بشار الأسد إلى التنحي، على الرغم من عدم وجود سياسة واضحة لتحقيق هذه الغاية. وقال الناطق باسم البيت الأبيض جاي كارني يوم 21 ديسمبر 2011: "الولايات المتحدة تواصل الإيمان بأن الطريقة الوحيدة لتحقيق التغيير هي بمغادرة بشار الأسد للسلطة".

ويوم الثلاثاء الموافق 27 ديسمبر لمحت الإدارة إلى عمل أقوى وقال الناطق باسم وزارة الخارجية مارك تونر في بيان: "إذا واصل نظام الحكم السوري مقاومة جهود الجامعة العربية وتجاهلها، فان المجتمع الدولي سيدرس وسائل أخرى".

وتقول مصادر رصد أوروبية أن ما زاد من إحباط الأميركيين وهم يخططون للتدخل العسكري في سوريا، قيام موسكو بتزويد دمشق بأجهزة للتشويش على موجات توجيه الطائرات الأميركية بدون طيران التي كثفت واشنطن من طلعاتها فوق الأراضي السورية، وكذلك تحذيرها الحكومة السورية من إمكانية قيام الطائرات الأميركية بدون طيران المسلحة بالصواريخ من استهداف البعض من أفراد القيادة السورية وتصوير الأمر على أنه تفجير داخلي دبرته المعارضة، كما حدث بالنسبة للرئيس اليمني عبد الله صالح قبل أشهر.

نفس المصادر تفيد أنه بناء على شظايا معلومات متسربة من واشنطن فإن هناك مشاركة خارجية مباشرة في المواجهات العسكرية في سوريا. حيث أن المخابرات المركزية الأميركية وبالتعاون مع نظيرتها الإسرائيلية تستخدم وحدات من قوات خاصة كونتها تل أبيب بعد انسحابها من جنوب لبنان وتفتت جيش جنوب لبنان العميل لها مكونة من لبنانيين وغيرهم، بالإضافة إلى وحدات أميركية "مستعربة" شكلت بتعاون بين أجهزة الاستخبارات ووحدات النخبة في الجيش الأميركي، للتخريب وإثارة المواجهات داخل سوريا.

عمر نجيب

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر