الراصد القديم

2012/01/29

سوريا: قبل ان تلتهم النار كل شيء

تتعثر الكلمات يوماً بعد يوم، ويختلج الألم كل سوري اينما كان. كتبنا سابقاً ان سوريا في خطر، وان غياب العقل وجموح الرغبة قد يؤديان إلى وادٍ سحيق لا قرار له. لإن الإستمرار في نفق الموت سيعمم هذا الموت على الجميع، ولا منتصر في النهاية إلا لمن لا يحب سوريا وشعب سوريا.

لم يعد الكلام مفيداً اليوم، ولم تعد الكلمات التائهة على جبين كل طفل وأم ثكلى او امرأة او شيخ جليل، إلا ايقونات للحزن والمعاناة. فقط اصرّت يد الخيانة ان تمارس غيّها في احلال الدمار بإجمل بقعة ساحرة، منذ ان وجد الإنسان على وجه هذه الأرض.

إنها سوريا، مدرسة التجارب البشرية وحضاراتها القديمة، إنها الأم الحنون التي احتضنت وعلمت وجربت كل شيء مر على هذه الأرض، منذ ان قام الإنسان برسم اول لوحة على جدار، ومنذ ان اخترع الإنسان الأبجدية، ومنذ ان سافر السوري في قواربه ليجوب البحار وينشر من تجربته الإنسانية القليل والكثير.

إنها سوريا التي يغار منها كل من ينقصه نسيمها وجمالها وروعتها وطقسها وطموحها لإن تكون نجمة الشرق الأوسط. إنها سوريا التي يرغب اهل الرمال ان يعيدوها إلى ترابها الأول، ليختالون فرحاً وزهواً عبر بضعة دولارات اشتروا بها بعض من لا ضمير له، لدمارها لا لإعمارها.

اشتهر السوري بإبائه وعزّة نفسه وسماحته وتواضعه، اشتهر السوري بكبريائه، ورفضه القاطع لأي تدخل خارجي، مهما كان مصدره. واليوم يخون سوريا ابناؤها في زواريب العتمة المظلمة، بحثاً عن من يقوم بتدمير بنية الدولة السورية. انا لا يهمني النظام او الحاكم، انا لا يهمني من سيكون على رأس وزارة، او رئيساً للدولة. انا سوري واهتم بالإنسان السوري وعيشه وكرامته وحقه في الحفاظ على ما بنت يداه خلال عقود وعقود زمنية طويلة.

من يرغب بالسلطة اليوم ويغالي في مدّ يده لمن يخرب البنى والوطن، اغترب على الثقافة السورية وخانها. مّد يده لأي مغامر من اي مكان، يرغب في حرث الأخضر واليابس، ويمعن بالقتل بالسوريين، مدنيين وغير مدنيين.

اشتهر السوريون بالتسامح، واللاعنف، والقدرة على الحوار بين الإختلاف، والسماحة في تعايش الموزاييك السوري عبر قرون طويلة.

اشتهر السوريون بطيبتهم وحبهم للحياة بسيطة او مركبة، واشتهر السوريون بعقلهم وقدرتهم على محاكاة المسائل، وإيجاد المخارج لها.

مايحدث اليوم في سوريا صنع في الخارج، لا لبناء سوريا المستقبل بل لدمار بناها كدولة وكمجتمع، كما حدث في العراق، وليبيا، ولبنان.

إن من يصر على الأسود والأبيض فقط في حل الأزمة السورية اليوم، يصر على دولة مدّمرة لا تملك من ثروات للبناء إلا ما تبقى من عقل راشد بين اهلها، لذا، إن دمار سوريا اليوم، سيعيدها إلى عصر متخلف لا احد يدري متى تعود به إلى دولة ذات بنيان حقيقي كامل.

لم يعد الإنسان السوري العادي يهتم بمن يحكم او سيحكم سوريا، لم تعد الجموع المرعوبة مما يحصل من قتل عشوائي كل يوم بإسم الحرية والعدالة والديموقراطية. لإن الديموقراطية القادمة على اكتاف الكلاشنكوف والأربي جي ورشاشات عوزي، فيها من رائحة الخيانة والدمار اكثر مما هي ادعاءات ادوات الحرب الجديدة، الجزيرة واخواتها.

لا يمكن لأحد بعد اليوم ان يطالب بحكم سوريا مطلقاً، ولا يمكن لأي عاقل ان يقبل بدمار الدولة السورية من اجل حكم قادم برائحة البترول الصحراوي والإستعمار الجديد.

إنه تحدٍ جديد على ابناء سوريا الوطن ان يأخذوا به حفاظاً على بناء الدولة منعاً للفوضى والحرب الأهلية. إنه تحدٍ جديد للحياة في الحفاظ على الحياة لكل ابناء سوريا.

فالسوريون موزاييك بشري رائع، لا يمكن حكمه من قبل جهة او طائفة او عرق واحد، هذا الخليط لا يمكن ان يحل مسائله إلا عبر الحوار، وماغير ذلك مهما ادّعى اصحاب العقول والإيديولوجيات، او المرتزقة الجديد، وبائعو الوطن، فإنه قارب تائه ينشر ظلامه على اشرعة الموت والخراب في كل انحاء الوطن.

لا تهدموا سوريا، لا تهدموا وتدّمروا الوطن السوري الجميل.

لا تنساقوا بإلاعيب الأخر، وتذكّروا العراق، وديموقراطية العراق، والعراق الجديد الذي عث به كل مخرب خلال السنوات الأخيرة، انظروا البداية في ليبيا، وما سيليها. وهاتان الدولتان تملكان النفط للبناء إذا سمح لهم بالبناء.

اما نحن السوريون، فماذا نملك لنعيد البناء؟ ما لدينا من نفط وثروات لكي نبني ما نرغب بتدميره؟

اصحوا، من سباتكم ومن جحيم غرائزكم، وحافظوا على بنيانكم، حافظوا على تاريخكم الإجتماعي والإنساني والحضاري والمدني، قبل ان تهب النار وتلتهم الجميع.

تنازلوا في اية جهة كنتم، تنازلوا من اجل حوار لا يستخدم به السلاح، بل العقل وخلاصة التجربة التاريخية لسوريا.

لم يعد قبل الظلام القادم برائحة الموت، إلا امل ضئيل في حوار على طاولة واحدة للإتفاق على ما سيتبقى من حلم جميل اسمه سوريا.

د. فاضل فضة

1 تعليقات:

غير معرف يقول...

Hza kalam jmil jedan ala mza yhtlfon min ajle man yhtlfon

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر