الراصد القديم

2012/01/18

أيبقى البدون بدون وطن؟؟

كاظم فنجان الحمامي :

يقولون: لكل امرئ من اسمه نصيب، ويبدو أن نصيب (البدون) من اسمهم كان العيش في حوض الخليج العربي بدون حقوق، وبدون رعاية، وبدون عناية، وبدون أي صفة رسمية تنصفهم وترفع عنهم الحيف، الذي لازمهم منذ عام 1916 وحتى يومنا هذا..
في الخليج تأسست جمعيات كثيرة تعنى بحقوق الأسماك المهاجرة، والطيور الزاجلة، والصقور العاقلة، وظهرت إلى السطح جمعيات تعنى بحقوق الجيل الثالث، ومنظمات تعنى بتطبيقات الفصل السابع، لكنك لن تجد في الخليج جمعية واحدة لرعاية (البدون) بالمستوى الذي تضمن فيه حقوقهم وتذود بالدفاع عنهم.
في الخليج يحق للتنزاني والزنجباري والكيني الحصول على الجنسية، ويحق له الانضمام لصفوف المنتخبات الوطنية لكرة القدم، ويحق للأرجنتيني والبرازيلي والهنغاري والروماني الحصول على الجنسية، والاشتراك في الاتحادات الرياضية ليمثل البلاد في المهرجانات الدولية، حاملا راية وطنه البديل، مرددا سلامه الأميري بلسان أعجمي مكسور، في حين لا يحق للبدون الاعتراض على السياسة الرياضية التجنيسية، ولا يحق لهم اكتساب الجنسية حتى لو كانوا علماء بالذرة، ويتعين عليهم الالتزام بالصمت المطبق، ويرضون بالمقسوم.

وفي الخليج يحق للناس كلهم الاعتراض والتظاهر والاعتصام والاحتجاج والمطالبة باسترداد حقوقهم الضائعة، إلا البدون، فهم من الأقوام الواقعة خارج التصنيفات البشرية، التي لا يحق لها الاعتراض ولا المناقشة، حتى لو جاء اعتراضهم بالهمس، أو بلغة الإشارة.
وانفردت إحدى دول الخليج بمنح الهندي والسريلانكي حق اكتساب الجنسية شريطة خروجه من ديانته الهندوسية أو السيخية أو البوذية، وإشهار إسلامه السطحي، بينما لا يحق للبدون التمتع بحقوقهم كمسلمين ينتمون إلى القبائل العربية، التي جاهرت بإسلامها في العام الأول للهجرة.
وفي الخليج رحبت بعض الأقطار بالفيالق العسكرية الامريكية الغازية، ومنحتها قواعد عسكرية دائمية، وسمحت لها بالانطلاق من تلك القواعد لضرب الأقطار العربية والإسلامية، أما البدون فغير مرحب بهم، ولا مكان لهم على الأرض، وغير مسموح لهم بالانطلاق والسفر، لا للدول العربية ولا للإسلامية..
وفي الخليج تتحذلق الفضائيات بنشر حيثيات الوقائع اليومية لاعتصامات الربيع العربي في العواصم غير الخاضعة للتوريث المنوي، وتلجأ يوميا لصب الزيت على النيران المستعرة، لكنها لم ولن تنقل احتجاجات فئة (البدون)، ولم تكلف نفسها بنقل تفاصيل الأحداث الدامية، التي وقعت في (تيماء) و(الجهراء) يوم الجمعة الفائت، المصادف 13/1/2012، والتي استخدمت فيها القوات الخاصة قنابل الدخان والهراوات والطلقات البلاستيكية، وظهرت فيها عناصر (الشبيحة والبلطجية) بالملابس الرياضية، ليصبوا جام غضبهم على (البدون) بالضرب المبرح من دون رحمة ولا شفقة، ومن دون أن تفارق وجوههم علامات الفرح والانتصار على هذه الشريحة المسلوبة الحقوق. كان رياضيو الداخلية يواصلون ضرب الناس بفرح غامر، وكأنهم في نزهة، في حين غابت عدسات الجزيرة والعربية عن هذه المواجهات غير العادلة، التي ارتفع فيها صوت الباطل على صوت الحق، في احتفالية مخجلة اختفت فيها مظاهر الدين والحضارة والإنسانية، وضاع فيها العدل والإنصاف..
فالبدون في القاموس الخليجي الخنفشاري: عبارة عن أناس لا ينتمون إلى السلالات الخليجية النقية، ويقال أنهم خرجوا من باطن الأرض، واكتمل نموهم بعد اكتشاف النفط، في المنطقة المحصورة بين رأس مسندم ورأس البيشة، ويقال أيضا أنهم هبطوا إلى الأرض من مدارات الضياع، ليجدوا أنفسهم بلا حقوق، ولا أمل، ولا هدف، ولا رجاء لهم في الحياة الدنيا إلا من رحمة الله..
والبدون في القاموس الخليجي الأزرق: عبارة عن كيانات بشرية مجهولة، ظهرت فجأة من جوف الصحراء، وتسللت إلى المنطقة قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، ثم زحفت نحو المدن الخليجية على شكل موجات خارجة عن السيطرة، ليعيشوا في ظل أبراج البترول من غير انتماء وبلا هوية..

وهم في القواميس الخليجية الجنجلوتية: من بقايا المخلوقات البائدة، ولا ارتباط لهم بالقبائل الخليجية السائدة، ولا يجوز الاختلاط بهم، أو التعامل معهم على الصعيد الاجتماعي والمالي والشرعي، ويوصي بعض علماء الجنجلوت والفلاتفوت بتجنبهم والابتعاد عنهم وعدم التورط معهم بعلاقات زوجية، لأنها ستكون علاقات عقيمة مصيرها الفشل المحتوم.
وربما سيأتي اليوم الذي نسمع فيه عن بعض الفتاوى التي تحرم الاقتران بالبدون، أو يخرج علينا فقهاء (الجزيرة) ليقولوا لنا: أن الصلاة خلف إمام من البدون غير جائزة، وقد يقول فقيه آخر: لا ينبغي توريث البدون حتى ينالوا الجنسية. ولن ينالونها حتى تتبخر آخر قطر من نفط حقل برقان، أو يذوقوا الموت غصة بعد غصة..
لقد تمادت الأقطار الخليجية في مصادرتها لحقوق (البدون)، وتمادت أكثر فأكثر في مخالفاتها الصريحة لأحكام القرآن المجيد والسنة النبوية المطهرة، وغرقت في غلواءها عندما خرجت عن جادة الصواب برفضها تطبيق ميثاق الأمم المتحدة، الذي أوصى الأقطار كلها بحفظ حقوق الناس، وأوصاهم بصيانة كراماتهم وضمان حرياتهم، فضاعت حقوق البدون من دون أن تتصدى لها المؤسسات الدينية، ومن دون أن تعالجها الجامعة التي لا تجمع ولا تنفع، ومن دون أن ينبري لها مجلس الدوما الخليجي، ومن دون أن يفتي بها المفتي الخارق، الذي آمن بمذهب ابن حزم الأندلسي، صاحب (طوق الحمامة)، فنزع عمامته ليعتمر قبعة المارينز، وطوّق عنقه بأطواق معسكر الصقور في البنتاغون..
من كان يصدق أن الأقطار الخليجية التي ماانفكت تتباهى بتحضرها، وتتفاخر بإيمانها المطلق بمبادئ العدل والإنصاف، لا تمنح رخص القيادة لسيارات البدون، بينما تمنحها للجاليات الأجنبية الوافدة بكل رحابة صدر، أما إذا سمحوا للبدون بتجديد الرخصة فأنهم يمددونها له لعام واحد فقط بعد أن يرى نجوم الظهر في عز الصيف (القايلة)؟؟..
ومن فيكم يصدق أن وزارات الصحة في تلك الأقطار (المؤمنة جدا)، لا تدرج الولادات الجديدة، ولا الوفيات في كشوفاتها، ولا تمنح الأطفال شهادات ميلاد، وليس للمتوفى شهادة وفاة، فالبدون في سجلات تلك الأقطار عبارة عن كائنات هلامية غير محسوس بوجودها..
ومن فيكم يصدق أن عقود الزواج يتعذر تسجيلها في المحاكم الشرعية، ويصعب تدوينها عند المأذون أو (المطوع) أو (الملّة)؟؟. فالأقطار الخليجية تنظر للبدون مثلما تنظر لطائر السنونو المهاجر، فهو لا ينتمي إليها ولا إلى غيرها..
ومن فيكم يصدق ان التعليم مباح ومتاح في الخليج للسلالات البشرية كلها، إلا لفئة البدون، فهم غير مشمولين بالتعليم المجاني، أما الذين حالفهم الحظ باجتياز عوائق الابتدائية والثانوية، فلا يحق لهم مواصلة الدراسة الجامعية حتى لو كانوا على شاكلة آينشتاين وإسحاق نيوتن.
ومن فيكم يصدق أن وزارات الصحة فرضت ضرائب طبية في مستشفياتها على علاج المرضى من البدون والبدونات؟؟..
ومن فيكم يصدق ان البدون غير مشمولين بالتوظيف، ولا يحق لهم مزاولة أي مهنة في المؤسسات الحكومية، فقد حكمت عليهم الأقدار بالانضمام إلى معسكرات العاطلين عن العمل من المهد إلى اللحد..
ومن فيكم يصدق أن البدون لا يحق لهم التملك، ولا يحق لهم البيع إلا في الحدود غير المعلنة رسميا، ولا يحق لهم التزود بجواز السفر، بل لا يحق لهم مغادرة البلاد، إلا في مجالات ضيقة لعبت فيها الواسطة دورا مؤثرا ولمرة واحدة فقط. ألم أقل لكم أن البدون بدون جواز، وبدون هوية، وبدون وثيقة تعريفية..
ختاما نقول: من فيكم يصدق أن هذه المخالفات الإنسانية الظالمة تجري منذ نصف قرن، وتزداد سوءا من جيل إلى جيل في ظل الأقطار العربية الإسلامية، التي آمنت ظاهريا بعدالة السماء، وآمنت شكليا بالشريعة السمحاء القائمة على العدل والإنصاف؟؟.
لا تجد في الكون كله فئة بشرية بلا هوية ولا انتماء ولا وثيقة إلا خلف أسوار الأقطار الخليجية المنفتحة على العالم كله، وليس في الكون كله دولة واحدة في عموم أقطار السماوات والأرض لا يحق للناس فيها التعلم والتملك والسفر، ولا يحق لهم توثيق ولاداتهم ووفياتهم، إلا في الأقطار الخليجية التي فتحت منافذها وجامعاتها للجاليات الوافدة إليها من كل حدب وصوب، لكنها أوصدتها بوجه فئة عربية صحيحة النسب، قليلة العدد، محدودة الموارد...؟؟
والطامة الكبرى أن البدون هم الذين وقفوا في الشدائد ليذودون بالدفاع عن تلك الأقطار التي حرمتهم من ابسط مستلزمات الحياة، وليواجهوا الموت وحدهم بصدور عارية، في الوقت الذي؟؟؟؟؟.. والحديث ذو شجون...

من تراث البدون
قال المرجع الروحي الأعلى للبدون:
علمتني الدنيا أن لا أمان يعادل الأمان في الوطن،
فالخليج وطني، وكرامتي، وهويتي وتراثي
قبل أن يكون ملاذا للهنود والآسيويين
وقبل أن يتحول إلى قواعد للمارينز وأوكار للانجليز.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر