الراصد القديم

2012/01/03

غارة خاطئة أم جريمة مقصودة؟!

مقتل 35 مواطنا كرديا من المهربين في غارة نفذتها طائرات حربية للجيش التركي بالقرب من الحدود العراقية أثار ضجة كبيرة وتساؤلات حول أمن الحدود وعمليات قوات الأمن التركية ضد حزب العمال الكردستاني ونجاحها وسقوط الضحايا من المدنيين الأبرياء وما إذا كان الحادث ناجم عن خطأ واشتباه أم أنه استهداف مقصود؟

وفي أول تعليق على قصف القرويين، عبَّر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عن بالغ حزنه وأسفه لمقتل المواطنين المدنيين معظمهم من الشبان، أثناء قيامهم بتهريب السجائر والمحروقات من شمال العراق، وقدَّم تعازيه لأسر الضحايا، مؤكدا أن التحقيق سيكشف ملابسات الحادث وتحديد المسئولين.

ولكن اللافت في الأمر تضارب الأنباء عن الأسباب التي أدَّت إلى هذا الخطأ القاتل؛ فبينما أعلنت رئاسة الأركان التركية في بيان لها أن الضربات الجوية جاءت بناء على معلومات استخباراتية وصلت إلى الجيش التركي، دون أن تذكر الجهة التي قدَّمت تلك المعلومات، ذكرت مصادر إعلامية أن الاستخبارات التركية هي التي زوَّدت رئاسة الأركان بمعلومات تفيد بأن عناصر من حزب العمال الكردستاني تستعد للعبور من شمال العراق إلى الأراضي التركية للقيام بهجمات إرهابية، ولكن الاستخبارات التركية نفت هذه الأنباء وقالت إنها ليست مصدر المعلومات التي دفعت الطيران التركي إلى قصف المهربين.

وكان أردوغان أشار في أول تعليقه على الحادث، أن المعلومات التي قدَّمتها الاستخبارات التركية إلى رئاسة الأركان قديمة وتعود إلى ما قبل القصف بحوالي عشرة أيام، إلا أن الكاتب الصحفي مهمت بارانسو ذكر في مقاله بجريدة "طرف" التركية، أن الاستخبارات التركية أرسلت إلى القيادة العامة لقوات الدرك تقريرا يفيد بأن حزب العمال الكردستاني يستعد للقيام بهجمات إرهابية في المدن الكبيرة وأن الأسلحة والذخائر سيتم نقلها إلى الأراضي التركية بواسطة المهربين، وأضاف أن معلومات جديدة وصلت إلى الاستخبارات التركية من أحد عملاءها بداخل حزب العمال الكردستاني تؤكد أن حوالي 50 من عناصر حزب العمال الكردستاني بقيادة السوري "فهمان حسين" بالقرب من الحدود العراقية للتسلل إلى تركيا والقيام بهجمات انتقامية.

ليست الأنباء والتصريحات المتضاربة فقط تلفت النظر في هذا الحادث، بل هناك أمر آخر يزيد علامات الاستفهام، وهو أن عائلة "أنجو" التي فقدت في الحادث 25 من شبانها مقربة من الزعيم الكردي مسعود بارزاني وتشتهر بتعاونها مع قوات الأمن التركية في مكافحة حزب العمال الكردستاني ويعمل كثير من أفراد العائلة في قوات حراس القرى التركية.

ويرى الكاتب والخبير في شؤون الأمن أمري أوسلو أن العملاء المزدوجين في صفوف حزب العمال الكردستاني، المرتبطين بـ"مجموعة أنقرة" في الاستخبارات التركية هم من أرسلوا تلك المعلومات الاستخباراتية المضللة، وأن المخططين لهذه الجريمة لم يهدفوا إلى ضرب عصفورين بحجر واحد وإنما أرادوا "مجزرة عصافير". ويضيف الكاتب التركي أن الهدف من العملية إرسال رسالة إلى بارزاني الذي يضغط على حزب العمال الكردستاني لمغادرة شمال العراق، والتشكيك في نجاعة القصف الجوي والصور التي ترسلها طائرات التجسس بلا طيار، ورفع الضغوط عن جناح الصقور في حزب العمال الكردستاني الذي تلقى ضربات موجعة في الأيام الأخيرة بعلميات قوات الأمن التركية المكثفة.

هذه التساؤلات والتحليلات تعيد إلى الأذهان قصة تسليم المقدم حسين هرموش إلى المخابرات السورية وتورط عناصر من الاستخبارات التركية في اختطافه وإعادته إلى سوريا من مخيمات اللاجئين بالأراضي التركية دون علم حكومة أردوغان. لم تكشف الحكومة التركية حتى الآن عن كيفية اختطاف هرموش ووصوله إلى سوريا، وعن نتيجة التحقيق الذي تم فتحه بعد الضجة الإعلامية وسخط المعارضة السورية.

رئيس الاستخبارات التركية حاقان فيدان مقرب من الحكومة التركية، ولكن يبدو أن الجهاز الذي يرأسه يعاني من الصراع الداخلي والاختراق، ويحتاج إلى التطهير وإعادة البناء من جديد ليتناغم مع تطلعات الدور التركي المتصاعد ويلبي متطلبات المرحلة المقبلة. وقد تكون الجريمة من تخطيط وتنفيذ أكثر من طرف، من شبكة "أرغينيكون" الإجرامية إلى أجهزة المخابرات الأجنبية، لتحقيق أهداف مشتركة. وعلى الحكومة التركية أن تحدد المسئولين أينما كانوا وتعاقبهم، لضمان عدم تكرار مثل هذه "الأخطاء القاتلة" في المستقبل.

إسماعيل ياشا

كاتب ومحلل سياسي تركي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر