الراصد القديم

2012/01/25

تركيا وفرنسا.. الصراع داخل كتب التاريخ

د. محمد سعد أبو العزم

ليس من الغريب أن تنشب أزمة دبلوماسية بين بلدين، ولكن الجديد هذه المرة أن سبب الأزمة لا يرجع إلى موقف سياسي مخالف، أو صراع حول الحاضر والمستقبل، وإنما بسبب النبش في جدران التاريخ، والبحث في صفحاته، وذلك بهدف استدعاء الماضي، لتتمكن الذاكرة من استرجاع أحداثًا مضى عليها قرابة المائة عام .       

هذا هو بالضبط تشخيص الحالة التي تمر بها العلاقات بين تركيا وفرنسا، فهذه المرة الخلاف ليس على مستقبل انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وإنما بسبب إقرار البرلمان الفرنسي لقانون إنكار مذابح الأرمن، وهو القانون الذي أصبح ملزمًا بعد تصديق مجلس الشيوخ، وترجع أصل الحكاية إلى مقترح تقدمت به (فاليري بوييه) النائبة بالبرلمان الفرنسي عن مدينة "مارسيليا"، لتعديل القانون الذي تم التصويت عليه في العام 2001 ثم العام 2006 ولكنه لم يكن يتضمن حينها أو ينص على عقوبات، في حين أن الجديد هذه المرة إقرار القانون لعقوبة صارمة قد تصل إلى السجن لمدة عام، وغرامة تبدأ ب 45 ألف يورو، بحق كل من ينفي وقوع (الإبادة الأرمينية) التي جرت عام 1915، في أواخر أيام الخلافة العثمانية، وأدت إلى مقتل 1.5 مليون شخص -بحسب الرواية الأرمنية- وهي الإبادة المعترف بها في فرنسا منذ 2001.

صحيح أن هناك 20 بلدًا حول العالم، و42 من الولايات الأمريكية، قد اعترفت بالإبادة الأرمنية كحدث تاريخي، وكان آخرها في عام 2010حين صوتت لجنة من الكونغرس الأميركي بفارق ضئيل، على اعتبار أن الواقعة تعتبر إبادة جماعية، ولكن هذه المرة ترجع الخطورة الحقيقية للقانون الذي أقرته فرنسا أنه يلزم ويعاقب الفرنسيين، وغير الفرنسيين أيضًا، ومعنى ذلك أن كاتب أو قارئ هذا المقال إذا سئل في أي وقت عن حدوث مجزرة ضد الأرمن، وأجاب بالنفي فهو معرض للسجن، وهي تمثل سابقة في القوانين الدولية، حيث تتعرض لقضية محل خلاف بين المؤرخين، وتتعرض للتفسير بعدة وجهات نظر متباينة، حيث أثبتت الوثائق العثمانية أن إجلاء وتهجير الأرمن كان إجراء دفاعيًا اضطراريًا، قضت به ظروف الحرب العالمية الأولى، التي دخلت تركيا طرفًا فيها عام 1914، وكانت تجابه حينذاك روسيا، وكان من المعروف حينها تأييد الأرمن ومساندتهم للإمبراطورية الروسية ، بالإضافة إلى دور الأرمن في إثارة القلاقل داخل الدولة العثمانية، بهدف طلب التدخل الأوروبي، كما تشير بعض الدلائل التاريخية إلى أن عمليات القتل المتبادل كانت في الواقع بين الأكراد والأرمن، ولا علاقة للجيش التركي بما حصل، وتبرهن تركيا على عدم حدوث إبادة جماعية، بأن غالبية الجاليات الارمنية في: اسطنبول وحلب وإزمير، لم تتعرض للقتل خلال التهجير، وبقي الكثير منهم على قيد الحياة.

بالرغم من أن القانون الجديد تم تمريره، لكن ذلك لا يمنع من أن هناك انقسام كبير بين الفرنسيين حول القانون، فقد تخلف الكثير من النواب عن حضور جلسة التصويت عليه، وحتى داخل الحكومة الفرنسية لم يكن هناك إجماع عليه، فوزير الدفاع الفرنسي أعلن عن عدم رضاه على القانون واعتبر بأن (النواب ليسوا بالضرورة هم أفضل المؤرخين)، وكذلك "فردريك ميتران" وزير الثقافة الذي اعترف بأنه لا يتحمس كثيراً للقوانين التي تتناول الذاكرة، وهنا لابد أن نضع في الاعتبار توقيت صدور القانون، ومدى ارتباطه بموعد الانتخابات الفرنسية هذا العام، حيث يمكن قراءة المشهد على أنه محاولة من "ساركوزي" للحصول على دعم الأصوات الأرمنية في الانتخابات، ورفع شعبيته المتدهورة.

التهاون مع القضية الأرمنية، أو تقديم أي تنازلات في هذا الملف، يمثل أحد الخطوط الحمراء لدى المواطن التركي، ولذلك فقد جاء رد الفعل التركي على القانون بشكل سريع، على وقع ردود فعل الشارع الغاضب، فاستدعت الحكومة التركية سفيرها في باريس مباشرة بعد إجازة القانون، قبل أن تعلن دفعة من إجراءاتها العقابية ضد فرنسا، شملت الجوانب السياسية والعسكرية، وقضت بتعليق جميع الزيارات السياسية، والمشاريع العسكرية الثنائية، بما في ذلك المناورات المشتركة بين الجانبين، بل وصل الأمر إلى التلويح باستخدام نفس السلاح ضد فرنسا في قضية احتلال الجزائر، وهو ما أدخل الجزائر طرفا في القضية، وأحدث فيها انقسامًا، حينما اعتبرت الحكومة أن تركيا تتاجر بدماء الجزائريين، في مقابل إعلان الإسلاميين تأييدهم للموقف التركي.

ويبقى الدرس الأهم والحقيقة الأكيدة.. حكومة قوية تكتسب شرعيتها من الشارع، زائد اقتصاد قوي، يساوي مواقف سياسية مستقلة ضد أي طرف، وهو أحد المحددات المهمة في الموقف التركي الصلب، الذي لم يعبأ بتأثير ذلك على ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وذلك على الرغم من رسائل التهديد الواضحة من نواب فرنسيين، بتذكير تركيا بأن عليها التفكير ملياً قبل أي عقوبات قد تفرضها ضد فرنسا.

ولكن هل يستمر الموقف التركي الصلب تجاه القانون؟ أم يحدث تنازل من أحد الطرفين، نتيجة مواءمات سياسية تحكمها المصالح؟ هذا ما سوف تجيب عنه الأيام المقبلة

رئيس مركز القاهرة للدراسات التركية

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر