الراصد القديم

2012/01/03

المراقبون.. شهود حق أم شهود زور؟..

حديث السياسات والسياسيين.. ولغة الثورة والثوار في سورية

لنفترض جدلا أن بعثة المراقبين العربية ستنفذ جميع ما أعلن بصددها.. أي ستتمكن من رؤية حقيقة الجرائم الهمجية الجماعية التي ترتكبها العصابات المتسلطة رؤية مباشرة، وأن تلتقي بالمعتقلين في المعتقل السوري الكبير والمعتقلات التي شوّهت جغرافية سورية طولا وعرضا، وأن ترى على أجسادهم وأجساد من استشهد منهم آثار التعذيب المتوارث ابنا عن أب وحقبة أسدية عن حقب نمرودية وفرعونية ونيرونية وسادية قديمة وحديثة، وأن تتجوّل بين الأحياء المدمّرة والقرى المحاصرة والبيوت المهدمة والأشلاء المنتثرة بين الأحجار وتحت الأنقاض، وأن ترصد بعض حالات اختطاف الجرحى أو قتلهم أو منع إسعافهم أو حظر الدواء عن مدنهم وقراهم، وأن تشارك في تشييع الضحايا وفي العزاء تحت وابل من الرصاص، وأن ترى رأي العين المجرّدة جميع ذلك وسواه ممّا استطاع الثوار الأحرار نقله لحظة بلحظة وبقعة جغرافية بعد بقعة، إلى أنحاء العالم، عبر عدسات تصوير دامية، واضحا موثقا.. لكل من يريد المراقبة حقا والتصرف فعلا لا قولا!..

لنفترض جدلا أن هذه البعثة هي بعثة "مراقبين" بمعنى الكلمة.. وهي لا تزعم لنفسها أنها أكثر من مجرد "مراقبين"، وأن هؤلاء سيكونون بعد بعض الوقت -وبعد ما ينزف من شلال الدماء خلال "بعض الوقت" هذا- سيكونون شهودَ حقّ وليس شهود زور.. فما الذي تعنيه مهمتهم التي بدأ الحديث عنها قبل شهرين، وبدأت طلائعها قبل أيام، ولا يتوقع أن تبلغ لحظة الاكتمال عدديا -وليس تنفيذا- إلا بعد أسبوع أو أكثر؟..

سيشهدون حقا.. أو يشهدون زورا.. بصدد ما يجري، فهل هذا هو المطلوب من "حكومات الدول الشقيقة"؟..

أهل حمص تخصيصا وأخواتها عموما كما في محافظات إدلب ودير الزور ودرعا وريف دمشق وحماة، بل وفي القلب من المدن الكبيرة والصغيرة بدءا بحلب المستهدفة بسمعة أهلها بهتانا وزورا، مرورا بدمشق التي كانت وما تزال على بركان لا يفتر عن الغليان، وصولا إلى جبلة على الساحل الأبيّ من أرض شعب سورية الواحد.. أهل سورية جميعا يراقبون بدورهم مهمة المراقبين، ويسقونها بدمائهم لحظة بعد لحظة، ساعة بعد ساعة، يوما بعد يوم، شهرا بعد شهر.. وهم يعلمون أن جامعتهم "تقتلنا" وأن "بروتوكولها" هو "بروتوكول الموت".. كما يعلمون أن سبيل النصر هو سبيل "الزحف إلى ساحات الحرية".. لا المساومات في أروقة جامعة حكومات الدول العربية، أو في ردهات منظمة دولية!..

المراقبون "مبدعون" فيما يكتبون من كلمات: اليوم.. وغدا.. وقررنا كذا.. وسنفعل كذا.. فانتظروا علينا -أو لينتظر من يبقى منكم على قيد الحياة- حتى ننتهي من مهمتنا!..

والثوار مبدعون عبر ما يعطون من أجوبة بدمائهم: الشهيد رقم كذا.. والجريح رقم كذا.. والمعتقل رقم كذا.. وانتظروا إنّا منتظرون!..

هؤلاء يتعاملون مع أفحش جريمة شهدتها المنطقة العربية من أقصاها إلى أقصاها بالطريقة التقليدية لجامعة حكومات دول تلك المنطقة العربية، ما بين توصيات لا تلزم، وقرارات لا تنفذ، وسياسات تساوم وتماطل، وإجراءات لا ترقى إلى مستوى الحدث ولا مستوى الضحايا..

وأولئك يتعاملون مع الجريمة الفحشاء بثورة بطولية لا تنضب دماؤها، ولا يتردّد عن الشهادة أبناؤها وبناتها، ولا تلتفت إلى الوراء عين من أعين ثوارها ولا تخطو قدم من أقدامهم ولا تفتر عزيمة في قلب واحد من قلوبهم.

. . .

لا شك أنّ العصابات المتسلّطة قد تفوّقت على سواها من أمثالها عبر خبرات نصف قرن فأتقنت فنون التضليل والتدجيل مع فنون البطش والإجرام، وفنون المراوغة والكذب المفضوح مع الفساد والإفساد، فبدت وكأنّها هي التي تجرجر جامعة حكومات الدول العربية من حفرة إلى حفرة، ومطبّ إلى مطب، للتفاوض على كلمات، ثم التفاوض على معاني ما اتفق عليه من كلمات، ثم التفاوض على استثناء بعض ما سبقت تصفيته من الكلمات.. ثم التوقيع مع التحفظ على البقية الباقية من الكلمات، ثم مزيد من العبث عبر إشاعة الأكاذيب بشأن آليات مضلّلة تحت عناوين التنسيق مع المراقبين وتأمين سلامة المراقبين وتحديد عدد المراقبين وجنسيات المراقبين وأنفاس المراقبين.. ناهيك عن العبث الإجرامي بتفجيرات إرهابية، ونقل الأحرار المعتقلين من سجون معروفة إلى المجهول.. ولكن هل كانت جامعة حكومات الدول العربية فعلا ضحية هذه الجرجرة المقترنة بالحملات الدموية على الأرض، أم أنّها تفضل لنفسها الظهور بمظهر الضحية بدلا من ظهورها في موقع المشارك مباشرة في ارتكاب الجريمة؟..

سياسات العصابات المتسلّطة في سورية -إن صحّ وصفها بالسياسات- إجرامية شكلا ومضمونا، عنوانا ومحتوى، وانتحارية بمعيار ما توصف به من غباء، وانتقامية بعد أن أصبح سقوطها حتف أنفها حتما مقضيا، بإرادة ربانية تستمد الثورة البطولية طاقتها منها.. ولكن ماذا عن سياسات جامعة حكومات الدول العربية؟.. هل يمكن نعتها بالغباء وهي سياسات أصحاب الفخامة والجلالة والسموّ.. أم هي انتقامية "وقائية" ممّن صنع ويصنع التربة الخصبة لثورات الربيع العربي، أم هي انتحارية.. بقدر ما يتشبّث أصحاب تلك السياسات بماضيهم ولا يبصرون معالم المستقبل وقد تجاوزهم وتجاوز كافة من يخططون معهم لتلك السياسات وإخراجها؟..

. . .

ثورة شعب سورية البطولية لا تحتاج إلى مجرّد الرقابة من جانب المراقبين والشهادة من جانب الشهود.. فقد أصبحت موثقة مشهودة في طول العالم وعرضه..

لا تحتاج إلى وثيقة رسمية جديدة تقول: إن ما يجري جريمة بحق الإنسان والإنسانية، والوطن والوطنية، والدين والقومية، لتقول من بعد: ينبغي صنع كذا وكذا، أو نحن عاجزون عن صنع كذا وكذا.. بل تحتاج إلى صنع ما يجب صنعه الآن.. تحتاج إلى إجراءات تسبق القرارات، وإغاثة حقيقية تسبق إطلاق النار على جنائز تشييع الشهداء.

كم تذكّرنا لافتات ثوار سورية وهي تطالب الحكومات العربية بإرسال الأكفان، بنداءات أهل فلسطين المماثلة أثناء الحرب الصهيونية العدوانية ضد قطاع غزة.. ولم تصل إلى شهداء غزة وأبطالها "الأكفان" إلى يومنا هذا..

كم يذكرنا الامتناع عن عقد قمة عربية استثنائية من أجل سورية أو اليمن حتى اليوم على امتداد عشرة شهور مضت على تدفق سيل الدماء، بذاك المشهد المخزي لعقد أكثر من قمة عربية في نطاق الصراع على "عدم الاستجابة" لقطاع غزة وأهل فلسطين قبل سنوات معدودات..

ألا يستوعب صانعو قرارات حكومات بعثات المراقبين اليوم، أن ثورات الربيع العربي ولدت في رحم آلام الشعوب وهي تشهد ما كانوا يصنعون مع شعب فلسطين.. آنذاك، ليقدّروا أنّ أعاصير الغد القريب تولد في رحم آلام الشعوب الآن وهي تشهد ما يصنعون مع شعب سورية؟..

هل يعتقدون حقا أن "الأزمة" اليوم -كما يسمّونها- هي أزمة استبداد يقتل، وليست "أزمة" استبداد يقتل واستبداد يتفرّج وقد يرغي ويزبد كلاما ولكن يقعد ويتواطأ إجراءاتٍ وأفعالا؟..

ثورة شعب سورية الأبية البطولية تعبر اليوم -مع شقيقتها في اليمن- "عنق الزجاجة".. وستتفجّر نتائجها فعلا، ليس بزلزال يعصف بالمنطقة كما يودّ ويشتهي الاستبداد الهمجي المحلي وهو ممعن في ممارساته الانتحارية، بل بزلزال شعبي يعصف بالمنطقة وبجميع من يتشبثون بخارطة الاستبداد الإقليمي وجذوره الدولية.

تعبر مرحلة تمحيص داخل الحدود وخارجها، على مستوى سورية والمنطقة بأسرها، ولئن دفع الضحايا الثمن من دمائهم، فهم يعبرون بإذن الله اللحظة المؤلمة الفاصلة ما بين جحيم الإجرام في هذه الحياة الدنيا والنعيم المقيم في الحياة الباقية، إنّما يدفع الآخرون ثمن سياساتهم إن كانت سياسات، ومراقبتهم لما يجري، إن كانت مراقبة، وإجراءاتهم وما هي بإجراءات.. وستكون الحصيلة هي السقوط المخزي في الدنيا والإفلاس المريع في الآخرة.

وبقدر ما بات هؤلاء يصوّرون لأنفسهم أن "خسارتهم" تتمثل في عودة الإسلام روحا ونهجا على الألسنة المستغيثة بالله وعبر صناديق الانتخاب رغم الظروف الشاذة والأوضاع الانتقالية بين حقبة تاريخية وحقبة مستقبلية.. فإن مخاوفهم وما ينسجون عبرها من أوهام، أصبحت هي التربة التي يسقيها الضحايا بالدماء، وستنبت بإذن الله العزيز القهّار عهدا جديدا، عربيا إسلاميا إنسانيا، تشرق شمس العدالة فيه وتمحو ظلمة الاستبداد بجميع أشكاله ودرجاته، وتنتشر فيه ثمار الكرامة وظلال الحرية في كل بيت وبلدة وفي كل أرض ودولة.. على امتداد الأرض العربية والإسلامية، وعلى امتداد كل أرض يتطلع فيها الإنسان إلى الحياة الإنسانية الكريمة العزيزة.

وسيعلم الظالمون أي منقلب ينقلبون.. ويعلم المفسدون في أي مرتع يرتعون.. ويعلم المتواطئون أنهم على مصيرهم هم يتواطؤون.. وسيشهد الثوار الأحرار الأبرار النصر الذي يوعدون.
نبيل شبيب

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر