الراصد القديم

2012/01/06

مأزق إيران: صعود الصواريخ وسقوط الريال

المناورة البحرية الايرانية الضخمة التي استمرت تسعة أيام في الخليج العربي، وكان عنوانها الكبير مضيق هرمز، ليست من النوع الجديد. لكن ما رافقها من تهديدات بإقفال هذا الشريان الحيوي للنفط والعالم جعلها أكثر من مهمة. ايران التي تعلم جيدا ان الولايات المتحدة تتابع المناورات لحظة فلحظة، تعمدت توجيه رسائل ميدانية بانها تملك الاسلحة والقدرات العسكرية.

المناورات التي نفذت بسرعة كبيرة جاءت رداً على التهديدات الغربية وخصوصاً الأميركية بوضع النفط الايراني على لائحة العقوبات. مثل هذا القرار يعني فعلاً قطع الهواء والماء عن ايران، ذلك أن 78 في المئة من صادراتها هي من الذهب الأسود.

من الطبيعي ان الولي الفقيه آية الله علي خامنئي لا يمكن له ترك بلاده لكي تختنق وهو الذي يريد ان تصبح ايران قوة عظمى وليس مجرد شرطي في الخليج كما يريد الغرب. لكن بين الرغبات والقدرات مسافة طويلة جداً: لا الغرب مستعد لخوض هكذا حرب، ولا ايران قادرة على الدخول في هكذا مغامرة قد تضرب وجودها كله وليس مجرد قوتها وموقعها.

إذن لماذا هذا التصعيد كله؟ يبدو أن كل ما تقوم به ايران في هذه الفترة هو من باب الهجوم في معرض الدفاع. المشكلة ان القيادة الايرانية تشعر انها تتعرض لهجمة غير مسبوقة عليها من الغرب، في وقت تمر بمرحلة مليئة بالتطورات الدقيقة في الداخل تصل الى درجة الحرب بين القوى السياسية الايرانية التي كانت جسما واحدا يمسك بالسلطة قبل عام واحد فقط.

لا شك ان العقوبات الغربية خصوصاً الاميركية منها بدأت تفعل فعلها. ففي الوقت الذي كانت فيه الصواريخ تصعد الى السماء، كان الريال الايراني يسقط على الارض، المشكلة ايضاً ان هذا الريال مرشح اكثر فأكثر للسقوط. خلال العامين الاخيرين شهدت القدرة الشرائية للايرانيين انهياراً واضحاً نتيجة لنمو التضخم وارتفاع البطالة والتراجع الشديد للقدرة الشرائية. وهي اسباب كافية لتفجير "طنجرة الضغط" الايرانية الموضوعة على النار.

وزير العمل عبدالرضا شيخ الاسلام اعترف نفسه بفشل كل جهوده خلال خمس سنوات لخفض نسبة البطالة من 11% الى 7%. الاهم انها ارتفعت اكثر من 11% وهي حالياً 12,8% حسب الارقام الرسمية. أما فعلياً فإنّ النسبة وصلت الى 20%.

ولتقدير حجم خطورة هذه النسبة فإنّ ثلثي الشعب الايراني هم تحت سن الثلاثين سنة، ما يعني انه يجب تأمين مليون وظيفة سنوياً لايقاف البطالة، وهذا غير ممكن من قبل أي حصار ومقاطعة وعقوبات، فكيف في هذا الوضع؟

أما الريال الايراني الذي كان قد بدأ يخسر من قيمته غداة انتخاب أحمدي نجاد لولاية ثانية، بدا عليه الوهن بسرعة كبيرة خلال الأشهر القليلة الماضية، فالريال شهد انخفاضا نسبته 12% أمام الدولار بعد أقل من 24 ساعة على إعلان واشنطن العقوبات الجديدة. ولمعرفة حجم الخسائر الايرانية فإنّ العملة الايرانية فقدت 66% من قيمتها خلال عام واحد أمام الدولار، إذ يبلغ سعر الدولار حالياً أكثر من 17 ألف ريال، في حين انه كان عند انتخاب أحمدي نجاد لولاية ثانية أقل من 10 آل ريال بقليل. الأسوأ من كل ذلك ان موازنة البلاد قد احتسبت استناداً الى سعر للدولار قدره 1050 ريال. بذلك فإنّ كل حسابات الميزانية أصبحت خاسرة ويجب زيادة حساباتها الميزانية بنسبة 60% للحصول على توازن مالي مناسب. وإذا ما اضيف إلى ذلك كله ان التأمينات المصرفية قد ارتفعت بسبب العقوبات الى نحو 30% فإنّ ذلك معناه زيادة الضغوط على الايرانيين بنسبة 100%.

هذه الأزمة الاقتصادية ليست احادية بل هي مكمّلة لأزمة سياسية حقيقية تتفاعل منذ أشهر طويلة داخل "البيت الواحد" وليس فقط بين الاصلاحيين والمحافظين. والسؤال الذي يُشغل بال القيادة الايرانية حالياً هو كيفية مواجهة استحقاق الانتخابات التشريعية دون أن يؤدي ذلك إلى صدامات مباشرة أولاً بين "النجاديين" و"المحافظين، في وقت يمكن ان تهب فيه رياح الربيع العربي على إيران فتحصل انتفاضة جديدة تتجاوز في تفاعلاتها ما حصل غداة انتخاب أحمدي نجاد.

ما يؤكد ذلك ان قائد الحرس الثوري الجنرال محمد علي جعفري قد أعرب عن قلقه أمام قيادات الحرس مضيفاً ان "الوضع" الأمني والثقافي في العاصمة ليس مقبولاً، وقد اعتبرت اوساط ايرانية واسعة ان هذا الكلام يشكّل تهديداً مبطناً من احتمال نزول الحرس الثوري الى الشوارع والميادين إذا انفجرت الانتفاضة الخضراء مرة أخرى، وليس الاكتفاء فقط بنزول الباسيج.

إلى كل ذلك تعيش إيران حالة من القلق الجدّي من انهيار استراتيجيتها التي بنتها طوال ثلاثين سنة بسبب خسارتها لسوريا، ذلك أنه كلما ضعُف النظام الأسدي في سوريا، كلما أصيبت إيران بخيبة كبيرة وشعرت أنها ليست فقط هي في طريقها إلى خسارة حليف لا تستطيع تعويضه، ولكن انه يتم ابتعادها بعيداً عن الحدود مع فلسطين مما يشكل ضربة لا تعوض لكامل خطابها الايدولوجي، وأن ما يعمّق هذا المأزق أن البديل غير موجود، ذلك أن "حزب الله" الذي يساعده على الحدود مع فلسطين سيضيف الى مأزقها مأزقاً جديداً، إذ عليها أن تعمل على كيفية المحافظة على الحزب وليس فقط استثمار وجوده.

أمام هذا كله هل إيران تقوم بعاصفة في فنجان، أم أنها فعلاً يمكنها أن تشنّ حرباً لإقفال مضيق هرمز وتحويل الخليج العربي الى بحيرة إيرانية تمسك بمفاتيحه عند مضيق هرمز؟ موقع "شروق" التابع للحرس الثوري الايراني فصَّل كل المواقع العسكرية من قواعد ومراكز صاروخية من باكستان إلى الكويت مرورا بكافة دول الخليج. رغم ذلك تعرف إيران جيداً انها قد تربح معركة في مواجهة واسعة مع الولايات المتحدة لكنها من المؤكد انها ستخسر حرباً تطال وجودها كله، لذلك السؤال هل إيران تستخدم كل هذه التهديدات الحربية والمناورات البحرية للضغط على طاولة مفاوضات غير مرئية بينها وبين الولايات المتحدة، وأن الهدف الأساسي من هذه المفاوضات هو كيفية إنقاذ النظام الأسدي في سوريا من جهة ومن جهة اخرى تخفيف العقوبات وحتى الغاءها بعد ان تحولت الى الة تجز "عشبها " للدفع باتجاه انفجار شعبي يجعلها سوريا الثانية.

أسعد حيدر

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر