الراصد القديم

2012/01/03

هل القوميٌة العربيٌة هي الحلٌ

د. محمود لطيف البطل

جاء بروز الفكر القومي العربي كرد طبيعي على انهيار الرافعة الإسلاميٌة التي مثٌلتها الإمبراطوريٌة العثمانيٌة في نهايات القرن التاسع عشر، وتعمٌق ذلك مع بروز مفكٌرين كبار روٌجوا لهذا الفكر وحرٌضوا عليه مثل عبد الرحمن الكواكبي (1849-1903)، الذي جمع أفكاره القوميٌة في كتبه – طبائع الإستبداد وأمٌ القرى- وفيها يلخٌص الكاتب أفكاره القوميٌة بضرورة أن يأخذ العرب دورهم في صياغة مستقبلهم، ملقياً باللائمة على السلطة العثمانيٌة، بالوصول بالأوضاع عربيٌاً وإسلاميٌاً إلى ماوصلت إليه، كون الأخيرة، من وجهة نظر المفكٌر، قد انحرفت عن سكٌة العدل في علاقتها مع العرب والقوميٌات الأخرى، الشيء الذي أجٌج الصراع داخل الإمبراطوريٌة، منذراً بانهيارها الحتمي.

ولكن حتٌى لا يحدث ذلك يقترح المفكٌر إعطاء السلطة للعرب، لأنٌهم هم الذين رعوا العدل والمساواة في الدولة الإسلاميٌة. بالتوافق مع هذه الأفكار شهد القرن الفائت منذ بداياته وحتٌى نهاية السـتٌينات نموٌاً صاعداً للفكر القومي العربي، أسٌس له ظهور مفكٌرين كبار، كبطرس البستاني ويوسف الدٌب وجرجي زيدان، ونجيب عازوري، الذي أسٌس عصبة الوطن العربي عام 1954 وأطلق كتابه "يقظة الأمٌة العربيٌة" عام 1957 الداعي إلى وحدة الأمٌة العربيٌة بمسلميها ومسيحيٌيها، على أسس من العدل والمساواة والليبراليٌة، بعيداً عن التجاذبات الطائفيٌة والمذهبيٌة.

عرٌف المفكٌرون العرب العروبة بأنٌها الهويٌة الثقافيٌة والحضاريٌة غير المعادية للتراث الديني بتفرٌعاته الإسلاميٌة والمسيحيٌة، بل الحامية لحريٌة المعتقدات بكلٌ اتٌجاهاتها دون تفريق أو تمييز فيما بينها. يجب الإشارة إلى أنٌ الإستعمار الغربي قد تنبٌه مبكٌراً لما قد يمثٌله توحيد العرب في دولة واحدة، من تهديد لمصالحه المرتقبة في منطقة الشرق الأوسط، ولذا نجده قد حضٌر نفسه جيٌداً للإنقضاض على هذه القوميٌة التي يربط فيما بينها التاريخ والثقافة واللغة والمصير المشترك، وهاهي الصهيونيٌة العالميٌة بدعم وإسهام من الدول الإستعماريٌة تعلن مشروعها لبناء كيان استعماري لليهود على أرض فلسطين العربيٌة، تبع ذلك إجتماع قادة الدول الإستعماريٌة الأوربيٌة في العام 1906 بدعوة من رئيس وزراء بريطانيا، في ذلك الحين، وليامز كامبل، لتدارس الأوضاع في العالم(خرج عن ذلك الإجتماع وثيقة سمٌيت بوثيقة كامبل).

تؤكد وثيقة كامبل على، أنٌه من واجب الحضارة الغربية أخذ الاحتياطات والاجراءات لمنع أي تقدٌم يمكن أن يهيٌا لاستقلال المجموعة الواقعة جنوب البحر الأبيض المتوسٌط، والعمل على منع أيٌ تقدٌم تقني في هذه المنطقة، وإرساء كلٌ المعايير، التي تحرم شعوبها من الوصول إلى المعرفة، من أجل إبقائها تابعة ودائرة في فلك الدول الإستعماريٌة، الشيء الذي يسهٌل توجيهها والسيطرة عليها وعلى مقدٌراتها، إنٌ ذلك-حسب الوثيقة- يستوجب دعم الأقلٌيٌات فيها، بهدف ضرب النسيج الإجتماعي، ومن أجل زرع بذور الفتنة والفرقة من الداخل. ولكي يتعزٌز ذلك تقوم الدول الموقٌعة على هذه الوثيقة بالعمل على إنشاء كيان غريب وسط هذا الشعب، بالقرب من قناة السويس، يحقٌق إقامته الهدف الأول، بإعاقة الوحدة لهذا الشعب، مع هدف الحماية المستقبليٌة لهذا الشريان المائي الهام. لقد أسٌست هذه الوفيقة لاتٌفاقيٌة سايكس بيكوعام 1916بانتهاء الحرب العالميٌة الأولى، التي قسٌمت الشرق العربي بين انكلترا وفرنسا، وبعد فرض الإنتداب على الدول التي أنتجتها هذه الإتفاقيٌة ، جاء وعد بلفور عام 1917 كامتداد طبيعي لهذه السٌياسة المتوافقة تماماً مع وثيقة كامبل آنفة الذكر.. بعد ذلك وضع الغرب كلٌ إمكانيٌاته من أجل تنفيذ هذه الوثيقة، فدعم الهجرة اليهوديٌة من أجل تنفيذ شقٌ إقاامة الكيان الغريب في قلب الوطن العربي، ودعم العصابات الصهيونيٌة بالمال والسلاح، جاعلاً منها جيشاً حديثاً، مقابل جيوشاً عربيٌة قليلة العدٌة والعدد، لم تستطيع أن تواجه الجيش الصهيوني، ليتحقٌق هذا الشقٌ بنكبةالشعب الفلسطيني وتشريده عن أرضه ودياره. مثٌلت "إسرائيل" منذ إنشائها القاعدة العسكريٌة المتقدٌمة للغرب في الشرق الأوسط، فعداعن وظيفتها التجزيئيٌة للوطن العربي، هي أيضاً قوٌة ضاربة تستخدم عند اللزوم لقمع أيٌ حركة تحرٌريٌة في المنطقة.

في عام 1956 اشتركت"إسرائيل" إلى جانب فرنسا وإنكلترا في العدوان الثلاثي على مصر بعد قيام الثورة المصريٌة بقيادة جمال عبد الناصر وتأميم قناة السويس، ولضرب الفكر العروبي الذي مثٌله عبد الناصر آنذاك. طوال المئة عام الماضية عمل الغرب كلٌ وسعه لتنفيذ وثيقة كامبل بحذافيرها، فمن جهة جهٌز الكيان الصهيوني بكلٌ الإمكانيٌات العلميٌة والصناعيٌة المتقدٌمة، في المقابل راح يحرم العرب من أيٌ إمكانات قد تقود إلى التطوٌر والإزدهار، من هذه الزاوية يمكن فهم حربه على عبد الناصر، الذي سلك نهجاً قوميٌاً عربيٌاً مناهضاً للتبعيٌة والإستعمار، فاتحاً الباب على مصراعيه للتطوٌر وسلوك الحضارة والتٌقدٌم، الشيء الذي كان يعد بالتغيير في كلٌ المنطقة العربيٌة. بوجود عبد الناصر تصاعد الشعور القومي العربي وأسٌس لنقلات مصيريٌة على كلٌ الصعد الإقتصاديٌة والسٌياسيٌة والإجتماعيٌة، فهاهي مصر تشهد إصلاحات جذريٌة صناعيُاً وزراعيٌاً، تعيد للعامل الحريٌة والكرامة بدل الإستعباد، وتوزٌع الأراضي على الفلاٌحين، ليصبحوا هم أصحاب الأرض الفعليٌين، ومع هذه الإصلاحات أنشئت صناعة الحديد والصلب، وسدٌ إسوان والعديد من المشاريع الإستراتيجيٌة، التي ماكانت لترى النور إلاٌ في ظلٌ قيادة رائدة وعروبيٌة نزيهة كالزعيم جمال عبد الناصر.

مثٌل النهج القومي لعبد الناصر خطراً على المشاريع الإمبرياليٌة والصهيونيٌة، ولذا من غير المستبعد بأن تكون الهزيمة في ال67، خطٌط لها لكي تضرب أكثر من عصفور في آن واحد، فمن جهة، هي تعبير عن السُياسة العدوانيٌة لهذا الكيان المصطنع، التي يجب أن تكون عامل إضطراب وعدم إستقرار في حياة هذه المنطقة الإستراتيجيٌة من العالم، التي يجب أن تكون دائماً في حالة حرب، الشيء الذي سيحرمها دوماً من الإلتفات لقضايا التنمية والإصلاح والتطوٌر العلمي. من الجهة الثانية جاء هذا العدوان ليمثل ضربة لطموحات عبد الناصر على صعيد زعامة المنطقة العربيٌة، وضربة كبرى للمشروع القومي الذي كان عبد الناصر يمثٌله باقتدار.

ولكن رغم الهزيمة الثقيلة استطاع عبد الناصر تخفيف آثارها على مشروعه القومي، وظلٌت الأمٌة العربيٌة ووحدتها شغله الشاغل، لثقته بأنٌ وحدة الأمٌة العربيٌة هي النقيض الأساس لمشاريع الهيمنة الإستعماريٌة، والعامل الكفيل بإزاحة الكيان الصهيوني والقضاء عليه. عبٌر الزعيم جمال عبد الناصر عن ذلك بوضوح في مؤتمر القمٌة العربي الذي عقد في آب من العام 1967في الخرطوم، أي بعد النكسة بشهرين، عن رفض العرب للإعتراف بالكيان الصهيوني والسلام أو التفاوض معه(عرفت القمٌة بقمٌة اللائات الثلاثة لاتفاوض، لااعتراف ولاصلح مع الكيان الصهيوني)، وفي ذات المؤتمر وقف عبد الناصر ليردٌد مقولته الشهيرة:" ماأخذ بالقوٌة لايسترد إلاٌ بالقوٌة".

كان عبد الناصر ملهماً للشعور القومي العربي وبرغم وجود أحزاب عربيٌة قوميٌة على الساحة العريٌة كحزب البعث العربي الإشتراكي في سوريا والعراق إلاٌ أنٌ وجود عبد الناصر بشخصيٌته القياديٌة الفذٌة وشعبيٌته في الوطن العربي ككلٌ كان يفقدها البريق، تاركاً لعبد الناصر عمليٌة تجسيد الهمٌ القومي بشخصيٌته القويٌة، ولكن غياب عبد الناصر المبكٌر وجٌه ضربة مصيريٌة للمشروع القومي العربي، الذي بدأت عناصره المتمثٌلة بالأحزاب القوميٌة العربيٌة تختلف فيما بينها مؤثرة المصالح الضيٌقة على مصالح الأمٌة، الشيء الذي أفقدها مع الزمن مصداقيٌتها مع جمهورها، ممٌا أدٌى إلى إفراغ الشعارات التي كانت ترفعها من محتواها الفعلي. إنٌ الخلافات التي شهدتها العلاقات بين جناحيٌ حزب البعث في العراق وسوريا مثٌل الصورة الأنصع لتفكٌك الجبهة القوميٌة العربيٌة، ممٌا سهٌل دخول الإنتهازيٌين إلى هذين الحزبين، حاملين معهم البيروقراطيٌة والفساد والمحسوبيٌة، الشيء الذي قاد إلى القمع وكمٌ الأفواه، والتفرٌد للسلطة بدل النضال الحقيقي في سبيل تحقيق المشروع القومي ووحدة الأمٌة العربيٌة. كلٌ هذا خلق أزمة بين الإنسان العربي التوٌاق للوحدة وبين هذه الأحزاب القوميٌة.

إنٌ التصادم بين فصائل المشروع القومي العربي كان يسدي خدمات جليٌة للمشروع الصهيوني وحماته في الغرب، الذين وضعوا إمكانيٌات ضخمة لزرع التفرقة والشقاق بين العرب، والمحافظة على تخلٌفهم وتبعيٌتهم، توافقاً مع سياستهم التي اعتمدوها قبل مئة عام من الآن، والمنوٌه عنها أعلاه، في وثيقة كامبل. بعد صعود الولايات المتٌحدة الأمريكيٌة إلى سدٌة الزعامة الإمبرياليٌة، حافظت في سياستها الشرق أوسطيٌة على استمراريٌة النهج في التعامل مع العرب بما يتٌفق والوثيقة الإستعماريٌة آنفة الذكر، فهاهي تمثٌل المشروع الإستعماري الغربي كراعية أساسيٌة لأمن الكيان الصهيوني، مادٌة هذا الكيان بكلٌ أسباب القوٌة والحياة، مجهٌزةً إيٌاه بأحدث آلاتها الحربيٌة والعلميٌة، جاعلةً منه القوٌة العسكريٌة الأولى في المنطقة، عاملةً في الوقت ذاته على ضرب العلم والعلماء في الوطن العربي، مشجٌعةً هذا الكيان على ضرب أيٌ مركز علمي عربيٌ(ضرب المفاعل النووي العراقي في ال82 والمركز العلمي النووي السوري قبل ثلاث سنوات)، إلى جانب الإغتيالات الكثيرة للعلماء العرب. ولأنٌ الوحدة العربيٌة تمثٌل النقيض الأساس للمشروع الصهيوني الإستعماري الغربي بكلٌ مكوٌناته، التقسيميٌة والتجهيليٌة، ولأنٌ الوحدة العربيٌة هي الردٌ الأساسي على التبعيٌة الإقتصاديٌة والسٌياسيٌة، وهي الكفيلة بتوزيع ثروات الأمٌة العربيٌة على كلٌ أبنائها خدمةً لقضاياها في التحرٌر و التطوٌر والعدل الإجتماعي، يصبح النضال من أجل القوميٌة العربيبٌة التي لاتتعارض مع الأسلام والمسيحيٌة، التي توحٌد الجهد العربي والهمٌ العربي، يصبح النضال من أجل وحدة العرب هدفاً نبيلاً بعيداً عن الفؤيٌة والطائفيٌة والمذهبيٌة، هدفاً يجتمع عليه المفكٌرون العرب من أجل إنقاذ المشروع القومي وأحياءه كبديل وحيد أمام المؤامرات التي تحاك باستمرار ضدٌ العرب، ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.

إنٌ واقع العرب اليوم وتكالب الفتن والمؤامرات على حاضرهم ومستقبلهم من الغرب الإستعماري وأدواته، الذين يخطٌطون جاهدين لمزيد من شرذمة الأمٌة العربيٌة، من خلال العدوان المباشر، والإحتلال المباشر، كما حدث في العراق، والعدوان الذي تعرٌضت له ليبيا، والتدخٌل في شؤون سوريا الداخليٌة(وكما حدث في العراق حيث لعب الغرب والولايات المتٌحدة على عامل إحياء الفتنة الطائفيٌة، التي أدٌت إلى صدام مذهبي أعاد البلد عشرات السنين إلى الوراء، ومازال العراق يعاني من هذه الفتنة التي يغذٌيها أعداء المشروع القومي العربي حتٌى كتابة هذه السطور، يحاول الإستعمار الإمبريالي الصهيوني لعب نفس الورقة في سوريا، عبر تحريك الفتنة الطائفيٌة بين أبناء البلد العربي الواحد، الشيء الذي سيفضي لو نجحوا، إلى حرب مذهبيٌة لاينجوا منها ولا أيٌ بلد من البلاد العربيٌة الحاليٌة، تكون نتائجها تقسيمات جديدة في كلٌ بلد عربيٌ خدمةً للمشروع الصهيوني، الذي سيكون الأقوى والمهيمن على الوضع في الشرق الأوسط الجديد، ومسيطراً على كلٌ مقدٌراته). إنٌ العرب عبر التاريخ هم مسلمون ومسيحيٌون، كمٌلوا بعضهم بعضا، بنوا معاً وجنباً إلى جنب ماضي العرب وحضارتهم، وخطٌوا معاً ثقافة العرب وأدبها الرائع على مرٌ العصور، لم يفرٌق المشروع القومي العربي يوماً بين مذهب ومذهب، بين طائفة وأخرى عربيٌة، فلتتوحد الجهود من أجل إبراز العامل القومي الموحٌد بين العرب على العامل الديني، الذي لايجب أن يرتكز عليه الأعداء من أجل بثٌ الفرقة والفتنة بين أبناء القوميٌة العربيٌة الواحدة.

سيقول قائل، بأنٌ الأنظمة العربيٌة الحاليٌة هي السبب في كلٌ معاناة الشعوب العربيٌة، هذه الأنظمة التي ترى وجودها بوجود التجزئة العربيٌة، وأيٌ وحدة عربيٌة حقيقيٌة لايمكن أن ترى النور مع وجود هكذا أنظمة. إنٌ هذا صحيح من وجهة نظر كثير من المفكٌرين العرب، الذين يعتبرون بأنٌ الوحدة العربيٌة هي مطلب جماهيري عربي في كلٌ الدول العربيٌة بدون إستثناء، لأنٌها الرد على كلٌ المآسي التي يعاني منها الإنسان العربي من المحيط إلى الخليج، وعلى رأس هذه المآسي والنكبات مأساة فلسطين، وانتهاك حرمة الأقصى والقدس مع غياب أيٌ ردٌ عربي، بوجود هذه الأنظمة، التابعة بمعظمها للغرب الإمبريالي. إنٌ الفكر القومي العربي يضع قضيٌة فلسطين في مقدٌمة اهتماماته، لثقته بأنٌه لاسبيل لأيٌ وحدة عربيٌة بدون فلسطين، وقبل هزيمة المشروع الصهيوني واسئصاله نهائيٌاً من على أرضها، ولذا ربط هذا الفكر بين تحرير فلسطين والوحدة العربيٌة كتوئمان لايكون أحدهما إلاٌ بتحقيق الأخر. لكلٌ ذلك يصبح النضال من أجل إحياء المشروع القومي العربي، وتغذيته فكريٌاً وعقائديٌاً، بعيداً عن الإنتهازيٌة والمحسوبيٌة والحزبيٌة الضيٌقة، للوصول إلى وحدة الشعب العربي من المحيط إلى الخليج بكل طوائفه، بمسيحيٌيه ومسلميه، هو أسمى نضال لأسمى قضيٌة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر