الراصد القديم

2012/02/08

العرب والصهيونية(1882 -1914) الجزء الثالث عشر

وفي أساسه نبع هذا الوضع من أنه بالنسبة إلى غالبية تلك الصحف، لم تكن الصهيونية بمثابة مسألة مبدئية كما كانت بالنسبة إلى "الكرمل" و"فلسطين" في فلسطين، وإنما مسألة سياسية حزبية. هذا وبعد: بما أن منتقدي "الجمعية" هاجموها على دعمها – المفترض - لليهود في فلسطين، فإن المتعاطفين مع"الجمعية" في الصحافة حاولوا دحض تلك التهمة. ولكن الأمر لم يستنفذ بذلك أيضاً. ففي استعراض المكتب الصهيوني وردت الإشارة إلى أن الصحف المسلمة في بيروت ودمشق مالت للعداء تجاه المسيحيين والأوروبيين أيضا. بعبارة أخرى: تحفظوا على كل شيْ ليس مسلما وليس عربيا، والمحررون المسيحيون، الذين قلقوا من هذا المزاج في أوساط المسلمين، بحثوا عن ملجأ في دعم الحكومة. وطبيعي أن يعتقدوا أن "أعداء أعدائي هم أصدقائي"، وبذلك كانوا مستعدين حتى للتعبير لصالح الصهيونيين . وقد عبر عن هذا الموقف بوضوح تقريبا قوميون عرب مسيحيون، أوضحوا لممثلين صهيونيين في 1913 أنهم يرحبون بتواجد أكبر لليهود في فلسطين كوزن مقابل للمسلمين. وبالاختصار، تأثر موقف الصحيفة في بيروت ودمشق إزاء الصهيونية بديانة المحرر إلى حدّ لا يقل عن ميوله السياسية؛ وعلى أية حال، كانت بين الدين والموقف السياسي على العموم علاقة وثيقة.

في القاهرة كان الأمر مختلفا. غالبية الصحف المصرية كانت ذات توجه محلي، وتعرضت لذكر الصهيونية في أحيان متباعدة فقط. وخرجت عن هذه القاعدة ثلاث يوميات كبيرة في القاهرة – "المحروسة" و"المقطم" و"الأهرام". وثلاثتها حررها عرب مسيحيون من إقليمي بيروت والشام (سوريا)، وكانت مهتمة بالسياسة في الأقاليم العربية من السلطة العثمانية، حيث كانت لتلك الصحف حلقات قراء واسعة. ولكونها خارج متناول يد الرقيب العثماني، عبرت تلك الصحف في مقالاتها عن المرارة العربية من "جمعية الاتحاد والترقي"، وحوالي1912 تعاطفت على درجة ما مع القومية العربية المتكونة.

"المحروسة "جاءت مرارا على ذكر الصهيونيين، ومن دون دعمهم كانت مستعدة للاعتراف بالفائدة التي جلبوها إلى فلسطين . "المقـــــطم" كانت محايدة في هذا الشأن. وعلى أية حال، كانت الصحيفتان مستعدتين لنشر مقالات "أثنت على الصهيونية، كتبها يهود مصريون، ونسيم ملول، الفلسطيني الذي كان مراسلا للمقطم في يافا". وهكذا كانت هاتان الصحيفتان المسيحيتان ضد "جمعية الاتحاد والترقي" وفي قضايا الصهيونية محايدتين، أو حتى متعاطفتين بشكل غير مباشر، وبذلك تمايزتا عن الصحف المسيحية في فلسطين (التي كانت متعاطفة مع "الجمعية" ومعارضة للصهيونية، وحتى عن صحف بيروت ودمشق (التي كانت متعاطفة مع "الجمعية" ،ولكنها كانت محايدة أو متعاطفة بشكل غير مباشر مع المسألة الصهيونية).

في المقابل، كانت "الأهـــرام" ضد الصهيونية بالمطلق. ولكونها تميل إلى القومية العربية أكثر من الصحيفتين الأُخريين، فقد كشفت عن موقفها السلبي من الصهيونية، حتى قبل "ثورة تركيا الفتاة". وفي عام1909 ادعت الصحيفة أن لليهود هدفاً خفياً وسرّياً وهو إقامة مملكة مستقلة في فلسطين، وكان رأي الصحيفة بأنه يجب الضغط على حكم "جمعية الاتحاد والترقي" كي توقف نشاط الصهيونيين، وإلا ستكون النتائج مؤسفة. وهكذا جرى أن كانت "الأهرام" على الرغم من أن محررها كان مسيحيا، معارضة لـ "جمعية الاتحاد والترقي" وأيضا للصهيونية على عكس "المحروسة " و"المقطم"، فكانت من هذه الناحية مشابهة للصحف المسلمة في بيروت ودمشق.

نحـــــو اتــــــفاق :

حزب "اللامركزية" الذي تأسس في القاهرة عام 1912 و"جمعية الإصلاح" البيروتية التي تأسست في بداية 1913. كانا من الجمعيات القومية العربية الصغيرة التي تشكلت في السنوات السابقة للحرب العالمية الأولى. وكانت مطالبهما معتدلة أساسا.، وعبرت عما يرمز إليه اسميهما: لامركزية الحكم وإصلاح الإدارة في إطار السلطنة العثمانية. وفي شتاء 1912-1913توجهت تلك الجمعيات إلى الممثلين البريطانيين والفرنسيين في القاهرة وبيروت طالبة الدعم في "الصراع مع الأتراك." وكما يبدو، فإنها في هذا السياق آمنت أيضا بإمكان إفادة ما من الاتصال بالصهيونيين.
وعلى ما يبدو، كانت هناك ثلاثة عوامل حركتها باتجاه هذا المنظور.
أولا، قـلة فقط، وربما لا أحد من أعضاء"اللامركزية" في القاهرة، و"جمعية الإصلاح" في بيروت كان من أصول فلسطينية، وبمدى ما يمكن استيضاحه - لم يكن لهم تواصل مباشر مع المهاجرين اليهود هناك. تكلموا عن أنفسهم في اتصالاتهم مع الصهيونيين على أنهم "سوريون"، وطوروا منظوراً واسعاً، ليس فلسطينيا، بالنسبة إلى مسألة الصهيونية . ثانياً، يبدو أنهم كونوا انطباعا عن انجازات الاستيطان الجديد، ينطوي على معرفة تقنية حديثة. ثالثاً، كان الأساس الإيديولوجي للتواصل مع الصهيونيين قد أعد في 1911 على يد رشيد رضا ،الذي انتمى إلى حاملي لواء اللامركزية . ففي مقال طويل في "المنار" حول التحسين المادي لسوريا، أوضح رشيد رضا بأنه على السوريين أن يعملوا إلى جانب الأوروبيين، كي يتعلموا منهم، إضافة إلى أن عليهم الحصول على مساعدة مالية من الأوروبيين، خاصة من اليهود، شريطة الحؤول دون "الخطر الصهيوني"، (بمعنى – وقوع البلد في أيدي مقرضي المال اليهود ). وبناء على شهادته الذاتية وصل رضا في ربيع 1913 إلى نتيجة، بأن على العرب أن يعقدوا اتفاقاً مع الصهيونيين.
الاتصالات لتحقيق " اتفاق " بين الزعماء العرب وبين المنظمة الصهيونية وصفت بتوسع في مكان آخر. ونكتفي هنا بوصف قصير جدا لتلك الاتصالات وإلقاء الضوء عليها من الجانب العربي.
جرت الاتصالات في جولتين، الأولى في شباط/ فبرايرــ حزيران/ يونيو1913، والثانية في نيسان/ابريل – تموز/ يوليو1914. وافتتحت الجولتان بمبادرة عربية، واستجاب القادة الصهيونيون إليها فورا . وافتتحت الجولة الأولى، كما ذكر، عندما بدت لقادة "اللامركزية "ضرورة وجود حلفاء لهم في نضالهم ضد الحكومة العثمانية. وبالمحادثات في القاهرة وبيروت، وافق أولئك القادة العرب في "اتفاق شفوي" على العمل لوقف الدعاية ضد الصهيونية، مقابل دعم من قبل الصهيونية في استنبول، عبر صحيفة تتمتع بدعم الصهيونيين، "جان ترك"، طالما ظلت المطالب العربية لا تلحق ضررا بوحدة السلطنة العثمانية. وكذلك مقابل جهد من جانبها للتأثير على صحف في أوربا للسلوك بصورة مشابهة. وفي الربيع وبداية الصيف، اتخذت خطوات لتجسيد هذا التفاهم في صحيفة "جان ترك"، كما في الصحافة العربية.


في المؤتمر العربي الأول، الذي عقد في حزيران / يونيو في باريس، حضر مراقب صهيوني من وراء الكواليس، إلا أنه، بعد اختتام المؤتمر، توصل رؤساؤه إلى اتفاق مع ممثلي "جمعية الاتحاد والترقي" بشأن تلبية مطالبهم – وهكذا فقد القوميون العرب الاهتمام بالحصول على "توافق" مع الصهيونيين، إلا أن هذا الأمر لم ينطفئ تماما.
الجولة الثانية: بدأت في نيسان/ابريل1914، عندما اتضح للعرب أن "جمعية الاتحاد والترقي" لا تفي بالاتفاق الذي تم التوصل إليه في باريس. وقد ميز هذه الجولة أمران: الأول، الاستعداد من جانب حلقة أكثر اتساعا من العرب للنظر في إمكانية التوصل إلى اتفاق مع الصهيونيين؛ الثاني، اعتراف العرب أن موقف عرب فلسطين قد يكون مختلفا عن موقف العرب في أماكن أخرى، وأن عليهم أخذ الموقف الخاص لعرب فلسطين في الاعتبار
في المحادثات الأولية اتُّفق على عقد لقاء صهيوني - عربي في تموز/ يوليو في "برمانا"، ليس بعيدا عن بيروت. إلا أنه سرعان ما برزت الصعاب:
(أ) أبدى حاكم بيروت معارضة لعقد اللقاء بالذات
(ب) كان جدول الأعمال الذي اقترحه العرب وصفة للفشل، لأنهم اقترحـوا أن يوضح الصهيـونيون أهدافـهم وسبل عملهم، بالاستعانة القصوى بالوثائق، وفقط بعد ذلك يبلور العرب مطالبهم. وموافقة الصهيونيين على القبول بتلك المطالب هي التي تحدد ما إذا كان العرب يرون بالصهيونية حركة ضارة أم لا.
(ج) التركيب المقترح للتمثيل العربي في المحادثات لم يضمن نجاحا، لأن بين الممثلين المقترحين كان ثلاثة معارضين لدودين للصهيونية، فيما لم يكن هناك أي ممثل معروف من عرب فلسطين.
وكان واضحا للقادة الصهيونيين أن لا فائدة ترجى من اللقاء، ومن الأفضل ألا يعقد. لذلك، اتخذ القرار بإرسال بعثة صغيرة للعمل على تأجيل اللقاء. وجاء انفجار الحرب العالمية ليضع حدّا للاتصالات التي لم يعد لها معنى.
وإلى هذا العرض المختصر من الاتصالات للتوصل إلى "اتفاق" بين قادة عرب وصهيونيين، تجدر إضافة تفاصيل تلقي الضوء على الجانب العربي.
في المحادثات الإعدادية في القاهرة وبيروت في ربيع1913، التقى سامي هوخبرغ، محرر صحيفة "جان ترك" ومبعوث المكتب الصهيوني المركزي، مع عشرين زعيماً عربياً، وميز في داخلهم أربعة مواقف أساسية . لدهشته اتضح له أن الموقف الأكثر إيجابية بالنسبة إلى الاستيطان الجديد في فلسطين كان لدى المسيحيين اللبنانيين . وقد أوضحوا له أنهم كأقلية تقيم في سوريا،يرون بإيجابية: هجرة يهود إلى فلسطين، وحكم ذاتي يهودي فيها، كونهم سيشكلون وزنا مضادا للغالبية المسلمة، وسيتكّون بهم حاجز داخل الكتلة الإسلامية المتواصلة الممتدة على المساحات الواسعة التي تضم العراق، سوريا، مصر، الحجاز واليمن.
المواقف الثلاثة الأخرى كانت قومية عربية – مسلمة . كان عدد منهم مستعداً للموافقة بلا تحفظ، على هجرة اليهود إلى فلسطين. آخرون وافقوا بشروط معينة، مثل تحديد سقوف سنوية للهجرة وامتلاك الأراضي. زعيمان مسلمان فقط أعلنا معارضتهما المبدئية لاستيطان اليهود في فلسطين، خشية تفتيت الكتلة العربية المتواصلة، التي تستمد قوتها من وحدة اللغة وأسلوب الحياة. والانطباع العام الذي شكله هوخبرغ كان أن غالبية أعضاء حزب "اللامركزية" في القاهرة، و"جمعية الإصلاح" في بيروت، يرغبون في تحقيق "اتفاق" مع الصهيونيين.
كان هوخبرغ قد حضر كمراقب المؤتمر العربي في باريس في صيف 1913. وبعد يومين من اختتام المؤتمر، اقترح عليه عبد الحميد زهراوي، رئيس المؤتمر وأحد القادة العرب في استنبول، عبد الكريم الخليل، اقترحا عليه البحث في اقتراح سري باتجاه التوصل إلى اتفاق رسمي . وفيما كان ينتظر تعليمات من المكتب الصهيوني المركزي في برلين، استلم هوخبرغ تصريحا من الزهراوي، على صورة مقابلة مع " جان ترك" ورد فيها:
"خلال المؤتمر عرضت صيغة جديدة، وقد حظيت بدرجة ملحوظة من النجاح، لأنها انسجمت جيدا. مع عقلية المندوبين وروحهم" . وهي كالتالي:
"اليهود في كل العالم ليسوا سوى مهاجرين سوريين، مثلهم مثل المهاجرين السوريين المسيحيين في أميركا، في باريس وأمكنة أخرى، وهم ( اليهود) يتوقون مثلهم إلى أرض وطنهم. ونحن متأكدون أن أخوتنا اليهود في العالم بأسره سيساعدوننا لتحقيق النصر لشأننا المشترك وإعادة بناء بلدنا المشترك، سواء من الناحية المادية أم المعنوية"
هذا التصريح الذي نشر في "جان ترك" في 16/ تموز/ يوليو1913، يعكس أكثر من سواه المقاربة "السورية" الواسعة التي اتخذتها غالبية القوميين العرب إزاء الصهيونية في تلك الفترة.
ثمة ظاهرة لافتة للاهتمام تختلف في القوس الواسع من الشخصيات العربية، في استنبول، في القاهرة، في بيروت ودمشق وفلسطين، ممن شاركوا في الجولة الثانية من الاتصالات في 1914. وكانت لديهم مفاهيم مختلفة في مسألة نوعية "الاتفاق" المرغوب بين العرب والصهيونيين، وفي عدد من الحالات لم تكن الدوافع واضحة بما فيه الكفاية.

رفيق بك العظم، رئيس حزب "اللامركزية" أوضح في رسالة في 30 تموز/يوليو 1914: أنه ينظر إلى الصهيونية على مستويين: أولاً، للنتائج التي قد تتمخض عنها بالنسبة إلى السكان المحليين في فلسطين؛ وثانيا، للنتائج بالنسبة إلى "القضية العربية" العامة، وحزب "اللامركزية" أراد أن يأتي الصهيونيون إلى القاهرة للبحث في الجانب الفلسطيني من المشكلة، وقام بترتيبات لقدوم شخصيات "ذات شأن حقيقي" من فلسطين للمحادثات في القاهرة، لأن من المهم جدا رضا تلك الشخصيات. " وإذا خلطنا منذ البداية المنظورين في قضية واحدة، وإذا أعلن السكان المحليون (من فلسطين) أنهم ليسوا راضين، ستذهب كل الجهود هباء – على ( الصهيونيين) أن يفهموا ذلك . وبلغة أخرى: سعى رفيق بك إلى "اتفاق" مع الصهيونيين من أجل نهضة سوريا، بشرط واضح هو الحصول على موافقة عرب فلسطين أولاً.
ومفهوم آخر كان لدى المفكر الإسلامي في القاهرة، رشيد رضا، الذي أوضح لنسيم ملول في 1 حزيران /يونيو1914، أنه يدعم "الاتفاق"، ليس فقط للعمل من أجل تحرير العرب من الحكم العثماني، وإنما أيضاً لإحباط دسائس بعض العرب المسيحيين الذين شُكّ بأنهم يريدون تسلط دول أوروبا الكبرى على الأقاليم العربية من السلطنة العثمانية.

من الأكثر صعوبة تفسير حقيقة أن ثلاثة من مناهضي الصهيونية الألداء في فلسطين - عبد الله مخلص ( أحد أصحاب "الكرمل")، يوسف العيسى, (محرر"فلسطين")، وجمال الحسيني (شاب مقدسي، أصبح لاحقاً نشيطاً سياسياً في فترة الانتداب) - كانوا مستعدين للموافقة على المشاركة في اللقاء المبرمج في برمانا، صيف سنة 1914. وقد يكون مفتاح فهم هذه المسألة هو ماورد في جدول الأعمال المقترح، والذي يفهم منه بناء على صيغته، بأن هؤلاء المشاركين لم يرغبوا أبداً في "الاتفاق" العربي – الصهيوني. وإنما سعوا، كما يبدو لكشف أهداف الصهيونية. فلأي قصد آخر، مثلاً، كان من شأن هؤلاء مطالبة الصهيونيين تقديم أدلة مكتوبة حول طبيعة أهدافهم ؟.
ومنذ أن نشر نجيب نصّار في 1911 ملفه "الصهيونية" (المستقى، كما ذكر أعلاه في جزئه الأكبر من مقالة ريتشارد غوتهايل) تابعت الصحافة العربية عن قرب بيانات ومنشورات صهيونية، وصار من السهل تبيان أن الأهداف الحقيقية للحركة الصهيونية على عكس سياستها المعلنة، كانت إقامة دولة يهودية مستقلة في فلسطين. وبالفعل، ألم يكن الصدام واقعاً لا محالة تقريباً، لو كان موقف العرب إزاء الصهيونية، بناء على جدول الأعمال، يتوقف على قبول المطالب العربية من الصهيونيين - وتلك المطالب لا تصاغ إلا بعد أن يفصل الصهيونيون أهدافهم. وإذا كان هذا الشك مبرراً، فعندها نرى أن المناهضين البارزين للصهيونية الثلاثة في البعثة العربية، لم ينضموا للبحث في التوصل إلى "تفاهم"؛ لقد انضموا لوضع الصهيونيين في الاختبار .


المندوبون السبعة الآخرون، الذين كان من المتوقع قدومهم إلى اللقاء هم: نظيف بك الخالدي (مقدسي، كان في 1914 المهندس الرئيسي لبلدية بيروت)، أحمد بيهم بك ورزق الله أرقش (كلاهما كانا سابقاً عضوين في "جمعية الإصلاح " البيروتية)، حسن عصير ( من مؤيدي جمعية الاتحاد والترقي في بيروت)، محمد كرد علي وعبد الرحمن الشهبندر ( كلاهما من دمشق، الأول مناهض معلن للصهيونية)، وأحمد حبش ( الذي هو أيضاً من دمشق، وقيل عنه أنه "إصلاحي"). وكانت لغالبيتهم كما يبدو نظرات إيجابية أكثر بالنسبة إلى الاتفاق. ولم تكن مواقفهم معروفة، ولكن لضرورات التسجيل التاريخي يمكن استخلاص فائدة من ملاحظة ناحوم سوكولوف(14) حول هذا الموضوع. فقد أجرى سوكولوف اتصالاً مسبقا مع عرب في بيروت ودمشق . وفي حزيران/ يونيو1914 أبدى ملاحظة بأن مطالبهم الأساسية مطابقة لمطالب العرب في استنبول، ومطالب العرب في استنبول معروفة . وبالفعل، وبعد محادثات في نيسان/ابريل وأيار/ مايو، كان بإمكان فكتور يعكوبسون مدير "بنك أنكلو - فلسطين" في استنبول، الذي كان في الواقع ممثل الصهيونية الرئيسي في العاصمة، أن يلخصها كما يلي:
أ ) أن يصبح يهود فلسطين عثمانيين .
ب) عدم تحديد هجرة اليهود وتوطينهم في فلسطين فقط .
جـ) إدارة حياة مجتمعية مشتركة.
د) تأمين أفضليات معينة لتطور القومية (العربية) .
وقد أبدى هؤلاء العرب في استنبول تفهماً لادعاء يعكوبسون، الذي كان يرى أن فلسطين هي جزء صغير فقط من المساحات العربية، وإذا كان العرب يتطلعون إلى الحكم الذاتي في المستقبل فليس من الحكمة من جانبهم أن يكوموا العقبات في طريق مهاجرين يهود ويحرموا بذلك العالم العربي كله، خارج حدود فلسطين، من المزايا التي قد يحصل عليه من دخول هؤلاء اليهود. وعلى أية حال، فقد آمن هؤلاء، مثل رفيق بك العظم في القاهرة، أن التعاون من جانب عرب فلسطين حيوي بلا شك. وهكذا كان غياب تمثيل مناسب لأولئك العرب – عرب فلسطين ــ من قائمة الممثلين للقاء في برمانا واضح بما فيه الكفاية.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر