الراصد القديم

2012/02/13

الإخوان الرأسماليون



نشر موقع «صالون» الإخبارى الأمريكى فى الأسبوع الماضى مقالة تحمل عنوان «الإخوان الجمهوريون فى مصر»، يُطمئن فيها مؤلفها الأمريكيين المحافظين بأن أوجه التشابه بين الإخوان المسلمين والحزب الجمهورى -ومنه الرئيسان السابقان بوش الأب والابن- أكبر بكثير من تشابههم مع القاعدة. فمثلهم مثل الجمهوريين، حزب الإخوان يقوده مجموعة من رجال الأعمال شديدى الثراء، يتبنون مفاهيم السوق الحرة والخصخصة، ولا يحبون فكرة إعادة توزيع الثروة، ويفضّلون بدلا منها التصدق على الفقراء من أتباعهم بأعمال البر والإحسان.

تضيف المقالة أن خيرت الشاطر -ربما أقوى رجال حزب الحرية والعدالة- هو أخطبوط بزنس يمتلك الملايين، يستثمر أمواله فى مشروعات متشعبة، وهو داعية متحمس للخصخصة. الشاطر أحد كوادر الحزب من رجال الأعمال الذين قاموا بتمويل حملته الانتخابية الباهظة، ويعكف الآن على صياغة الأجندة الاقتصادية للحزب من هذا المنطلق.

بعد أن تخلصنا من حكومة رجال أعمال الحزب الوطنى، يبدو أننا نعيش اليوم حالة تزاوج غير شرعى جديدة بين رأس المال والسلطة فى مصر! ومن المفارقات القدرية أن جمال مبارك وخيرت الشاطر كليهما مصرفيان سابقان كانا يعملان بالبنوك.

فى واقع الأمر، لم تكن المحاكمة العسكرية التى تعرض لها الإخوان فى ٢٠٠٦-٢٠٠٧ سوى تنافس بين مجموعتين ممن يتحكمون فى رأس المال فى مصر، وهما مجموعة جمال مبارك والإخوان. جميع من تم وضعهم تحت تلك المحاكمة كانوا من كبار رجال الأعمال فى الجماعة، وعلى رأسهم خيرت الشاطر، وتم إغلاق ٧٢ شركة يمتلكونها، وكانت شركات كبيرة فى مجالات بيع الملابس والأثاث والسيارات والسياحة والمقاولات والخدمات.. إلخ. كانت المحاكمة تصفية حسابات بين ندين رأسماليين، خرج أحدهما الآن من السلطة وصعد محله الآخر فى غفلة من الثورة.

إذا ما نظرنا إلى الباب الخاص بالاقتصاد فى برنامج حزب الحرية والعدالة، نجد أن مقالة الموقع الأمريكى لا تفترى على الجماعة. فالبرنامج يستعير نصا من مبادئ النيوليبرالية الأمريكية أو حرية السوق كما يفضلها الجمهوريون، وهى تدعو لانسحاب دولة الرفاهة من تقديم الخدمات المدعومة لمواطنيها، وتُعلِى من دور رجال الأعمال فى إدارة شؤون البلاد والعباد، وفوق كل ذلك يجعل برنامج الحزب حقوق الفقراء مسألة تكافل اجتماعى يقررها أصحاب القلوب الرحيمة من الأثرياء وليست حقا أصيلا الدولة ملتزمة به، ثم يلصق البرنامج وبكل أريحية صفة «إسلامى» بتلك المبادئ الأمريكية بشكل متكرر غير مبرر.

على سبيل المثال، يقول الباب الرابع من البرنامج ما يلى: يتم النشاط الاقتصادى… من خلال السوق الإسلامية، التى تعتمد على المنافسة العادلة وحرية اقتصادية مقيدة، تحكم إنتاج «الطيبات»… والقائمة على صيغ التمويل والاستثمار الإسلامى… وفى ظل ملكية «متعددة» تشمل الملكية العامة، وملكية القطاع العام، والملكية الخاصة (جوهر موضوع الملكية فى الإسلام، شريطة أدائها وظيفتها الاجتماعية، تحقيقا لعدالة التصرف فى المال، وإقامة للتكافل الاجتماعى… ومن خلال دور محدد للدولة على أساس اللامركزية، وبصفة خاصة اختصاصات الحكم والقضاء والمال، وعن طريق أنظمة مراعاة حقوق الفقراء واحتياجاتهم».

مشروعات الإخوان المسلمين ودرجة تغلغلهم فى البنية الاقتصادية لمصر تظل سرية، مثلها فى ذلك مثل جميع شؤون الجماعة. فمن غير الممكن إحصاء كم شركة يمتكلون وكم مليون أو مليار جنيه فى العام يكسبون، ولكننا على الأقل لدينا قائمة معلنة بالشركات التى تمت مصادرتها منهم فى المحاكمة العسكرية لـ٢٠٠٧، ونستطيع بقراءة سريعة فيها فهم كثير عن بزنس الإخوان. كما ذكرت أنفا، تمت مصادرة ٧٢ شركة لهم تعمل فى أنشطة تجارية ريعية تبيع بالأساس سلعا استهلاكية للطبقات العليا والوسطى المصرية، وهذا هو أدنى درجات النشاط الاقتصادى فى مقابل بناء المصانع أو ابتكار برامج الكمبيوتر -مجالان تفوقت فيهما إسرائيل- ويملكون محلات «الفريدة لبيع الملابس»، وشركة «سنابل للتجارة»، وشركة «الشهاب للسيارات»، وشركة «فرجينيا للسياحة»، وشركة «مصر للمقاولات»، وغيرها. وكحال رجال أعمال الحزب الوطنى، يضع رجال أعمال الجماعة أسماء زوجاتهم وأزواج بناتهم على المشروعات حتى يكون من الصعب تتبعها، ولنا فى زوجة خيرت الشاطر وزوج ابنته خير مثال.

من أبرز وأشهر ما يمتلكون محلات «استقبال» لبيع الأثاث الفخم، وتوجد فروعها فى أكثر المولات غلاء عبر مناطق القاهرة الراقية. يذهب الشباب الفقير من الأحياء الشعبية إلى «سيتى ستارز» -على سبيل المثال- للنزهة يوم الخميس ليلا ليشاهد كيف تعيش وتستهلك الطبقة العليا المصرية، ليجد الإخوان يعرضون له فى واجهة محل «استقبال» الكنبة الواحدة فقط بـ٦٠٠٠ جنيه، وقد يكون هذا المبلغ هو كل ما يحتاج إليه كى يتزوج!

عندما تصاعدت موجة المظاهرات الفئوية بعد الثورة، سارع الكتاب المصريون الذين يعنون بحق بالعدالة الاجتماعية لمساندتها وأصروا على أن اعتصامات العمال والمدرسين والأطباء والموظفين إنما هى جزء لا يتجزأ من استمرار الثورة. ولكن لم تكن تلك هى وجهة نظر د.محمد البلتاجى. ففى شهر يونيو الماضى، أدان البلتاجى على الموقع الرسمى للإخوان المظاهرات والاعتصامات الفئوية لأنها فى زعمه تؤثر سلبيا على البلاد. لا نستطيع أن نلوم البلتاجى على رأيه هذا، فهو يتسق اتساقا كاملا مع الأيديولوجيا الرأسمالية للجماعة، التى تعتمد فقط حقوق من يملكون من رجال الأعمال والنخبة الحاكمة على حساب من لا يملكون.

عندما كان خيرت الشاطر حبيسا بعد الحكم عليه عسكريا، تضامن معه المناضل العمالى الشهير كمال خليل مبتكرا هتاف «خيرت خيرت يا أخانا.. كيف العتمة فى الزنزانة». لم يكن كمال خليل وقتها يعرف أن خيرت -حتى وإن كان عدو العدو- من المستحيل أن يكون صديقا، لأنهما أيديولوجيًّا متضادان. فالرأسمالى المتبنى للنيوليبرالية الأمريكية من غير الممكن أن يكون صديقا للاشتراكى الذى يريد أن يحد من أملاكه ويجعل الفقراء يشاركونه بعضا منها. ولذلك كان أول ما فعله الرأسمالى عندما خرج من غياهب السجن واشتم رحيق السلطة أن صرح لمجلة أمريكية بأن الجماعة تحب الاستثمار الأجنبى، ثم قام إخوانه بالتبليغ عن رفقاء الاشتراكى الثائر حتى يتخلصوا منهم.

أسقطت الخصخصة الفاسدة -والسوق الحرة على النمط الأمريكى فى مجمله- جمال مبارك ورجال أعماله وجاءت بالثورة، بل وأسقطت الولايات المتحدة نفسها ودفعت بها فى هوة أزمة اقتصادية لم تتعاف منها بعد. الجمهوريون فى أمريكا «خربوا البلد»، وحكومة رجال الأعمال فى مصر برضو خربت البلد، ثم سقط كلاهما. فهل سيزيد رجال أعمال الإخوان البلد خرابا فوق خرابها، ثم يسقطون كمن سبقهم؟

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر