الراصد القديم

2012/02/29

محاولة ايرانية جديدة لوضع اليد على لبنان!

مرّة اخرى هناك محاولة ايرانية لوضع اليد على لبنان في وقت يتهاوى فيه النظام في سوريا. من هذا المنطلق، من المنطقي التساؤل ما الذي يجري في الوطن الصغير هذه الايّام؟ هل من اهمية لقبول استقالة وزير "عوني" تافه، من حكومة تافهة اصلا شكلّها "حزب الله" الايراني لمصلحة النظام السوري الزائل؟ هل من اهمّية لمحاولة فرض دروس في "المقاومة" على تلامذة لبنان في وقت يقاوم لبنان واللبنانيون ثقافة الموت التي تسعى ايران عبر ادواتها الى فرضها عليهم؟

ربّما كان الجواب من شقّين. اولهما ان لبنان يشهد حاليا حملة يشنّها "حزب الله" من اجل الامساك بالقرار الوطني كلّيا. انتقلت هذه الحملة الى اضطرار الحزب المذهبي المسلّح التابع لايران الى تسمية وزير مسيحي، تابع له تماما في الحكومة. يعطي ذلك فكرة عن التوجّه الايراني في مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري...

هذا يحدث للمرّة الاولى في لبنان. جرت العادة، خصوصا منذ العام 2005، تاريخ خروج القوات السورية من لبنان، اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، ان يكتفي "حزب الله" بفرض الوزراء الشيعة على شيعة لبنان وعلى اللبنانيين. لم تصل به الوقاحة الى فرض وزير مسيحي على المسيحيين خصوصا واللبنانيين عموما. هذا دليل ضعف وليس دليل قوّة. بل دليل على ان طهران باتت مقتنعة بانّ عليها الامساك بالورقة اللبنانية بشكل افضل واقوى بعدما فقدت الامل بالبقاء ممسكة بالورقة السورية... الى ما لا نهاية.

اما الشق الثاني من الجواب فيتمثّل في ان لبنان يقاوم. انّه يقاوم خصوصا كلّ المحاولات الهادفة الى دفعه الى ان يكون اسيرا للازمة السورية وتحويله "ساحة" يهرب اليها النظام السوري من اجل اظهار انه لا يزال يمتلك اوراقا اقليمية يقايض بها اميركا واسرائيل لا اكثر ويسعى الى عقد صفقات معهما.

ما يحصل في لبنان اشبه بدوران في حلقة مغلقة باتت مفروضة على الوطن الصغير. لا لشيء سوى لانّ الازمة ليست ازمة لبنان وليست ازمة حكومة لبنانية برئاسة نجيب ميقاتي وغير نجيب ميقاتي. الازمة في سوريا وليست في لبنان. انها ازمة نظام وكيان في الوقت ذاته. لا ينفع في شيء اثارة ازمة في لبنان من اجل ايجاد مخرج للنظام السوري. عاجلا ام آجلا سيكتشف النظام السوري وكلّ من يحاول ان يدعمه ان لا شيء يفيد هذا النظام. مشكلة هذا النظام مع شعبه اوّلا. هل من نظام في العالم قادر على قمع شعبه الى ما لا نهاية؟ لو كان ذلك صحيحا، لكان الاتحاد السوفياتي ما زال حيّا يرزق ولكانت الجمهوريات السوفياتية في احسن حال ولكانت دول اوروبا الشرقية ما زالت تتنعم بمحاسن الاشتراكية وتقتات من الاسلحة التي كدّسها حلف وارسو في اراضيها ومن ايديولوجية ماركس ولينين...

ما يفترض في اللبنانيين، جميع اللبنانيين، استيعابه ان لا اهمّية لكلّ ما يحصل في لبنان على الصعيد الحكومي، بما في ذلك وصول "حزب الله" الى استخدام الاداة المسماة الجنرال ميشال عون لفرض وزير تابع له على اللبنانيين. فرض هذا الوزير بديلا من وزير آخر لا مكان له سوى بين الفاشلين الذين ينتمون الى جيل طلاّب فرنسا في العام 1968. هؤلاء الطلاب ما زالوا يريدون تغيير العالم عن طريق اقتلاع حجارة الارصفة في باريس ورشق رجال الشرطة بها... او تحطيم الاشارات الكهربائية في شوارع المدينة. باريس 1968 هي المكان الوحيد الذي يليق بمثل هذا النوع من الوزراء الذين ينتمون الى مدرسة ميشال عون والذين لم يتعلّموا شيئا من الكتب التي قرأوها. فالقراءة شيء واستيعاب ما يدور في العالم شيء آخر في طبيعة الحال!

مشكلة لبنان في مكان آخر. مشكلة لبنان مع نظام سوري لم يمارس في السنوات الاربعين الاخيرة سوى عملية تهريب الاسلحة الى اراضيه واثارة النعرات الطائفية والمذهبية في الوطن الصغير. طوال كل هذه الفترة، اي منذ ما قبل توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم في العام 1969 من القرن الماضي، صمد لبنان. تبيّن انه اذا كان من صيغة هشّة في المنطقة، فهذه الصيغة هي الصيغة السورية. لبنان لا يحتاج الى دروس من احد، لا من النظام السوري ولا من "حزب الله" ولا من بقايا النظام الامني- السوري- اللبناني الذي يتحمّل مسؤولية عشرات الجرائم التي وقعت على اراضيه واستهدفت اللبنانيين العرب الشرفاء الذين رفضوا ان يكونوا عملاء لاسرائيل بطريقة غير مباشرة... او مباشرة!

ليس مهمّا بقاء الحكومة اللبنانية الحالية او رحيلها. المهمّ هو التغيير الذي تبدو سوريا مقبلة عليه عاجلا ام آجلا. في النهاية، لا يمكن لعائلة، مهما بلغت عبقرية المنتمين اليها، تنتمي الى اقلّية في المجتمع السيطرة على دولة مثل سوريا تحت شعارات طناّنة ليست في واقع الحال سوى شعارات واهية لا علاقة لها بالواقع. مثل هذه الشعارات يمكن ان تستخدم في عملية قمع الشعب واذلاله سنة او اربعين سنة. ولكن لا بدّ ان يأتي يوم الحساب. في يوم الحساب، سيسأل الشعب النظام هل هو قادر على حلّ اي مشكلة تعاني منها سوريا؟ هل لديه جواب عن اي مشكلة غير اللجوء الى القمع والغاء الآخر؟

مرّة اخرى، ليس واردا ان يعطي لبنان دروسا الى الآخرين. ولكن في المقابل ليس واردا ان يعطي الآخرون دروسا الى لبنان. سيتحمّل لبنان الحكومة الحالية بضعة اشهر اخرى. سيتحمّلها الى ان يأتي اليوم الذي سيتبيّن فيه انه لن يصحّ الاّ الصحيح وان البناء على باطل ليس سوى بناء على الرمال. من كان يصدّق يوما ان اللبنانيين سيشهدون مغادرة القوات السورية الاراضي اللبنانية؟ من كان يصدّق ان العرب سيقفون هذه الوقفة الشجاعة من النظام السوري الذي كان يبتزهم يوميا ويهددهم بحلفه القائم مع ايران؟

خيرالله خيرالله

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر