الراصد القديم

2012/02/26

"حكاية شربل نحاس"...هي حكاية قيادته السياسية

هي "حكاية شربل نحاس" التي ينبغي أن تروى للبنانيين الآن، وحتى للأجيال المقبلة. لا لشيء عند الرجل، وقد يكون عنده شيء يمكن الاتفاق معه فيه أو الاختلاف، بل لأشياء عديدة لدى القيادة السياسية التي سار في ركابها ومحضها تأييد طيلة الفترة الماضية الى أن تخلت عنه في منتصف الطريق كما يقال. قد تكون تلك كبرى أخطاء نحاس، لكن القضية تبقى قضية تلك القيادة العماد ميشال عون باعتبارها أكثر من خروج على السياسة ومبادئها وأعرافها وتقاليدها، لأنها تطال حتى أبسط مبادئ التعامل بين البشر وليس بين العاملين في السياسة أو الحقل العام فقط.

ذلك أنه قبل أيام قليلة من "استقالة" الوزير شربل نحاس، بمعنى اقالته القسرية من قبل قيادته، تحدث العماد عون في تصريح علني له عما وصفه بالتمسك بطروحات وزيره في ما يتعلق ببدل النقل وتاليا عدم توقيع المرسوم الخاص به، الى درجة أنه قال انه سيبقى يدافع عنه وعنها حتى لو أدى ذلك الى سقوط الحكومة. وسواء كان موقف عون قد شجع نحاس على الاستمرار في عناده، أو كان نحاس نفسه لا يحتاج الى من يشجعه، فلا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لما آلت اليه الحال بعد ذلك: "استقالة" الوزير بالطريقة التي تمت، وتولي العماد عون شخصيا الاعلان عن ذلك وأن الاستقالة قدمت اليه، ثم استبداله بوزير آخر في أقل من أربع وعشرين ساعة.

وقبلها، كان عون يحتضن مواقف نحاس وغزواته في وزارة الاتصالات، كما آراءه ومناكفاته في مجلس الوزراء، لمجرد أنه يجسد سياساته الكيدية ضد قوى "14 آذار" وتيار "المستقبل" (كي لا نتحدث عن الطائفة السنية)، فضلا عن تعنته أربع مرات متوالية في وجه قرارات ديوان المحاسبة، وصولا في الفترة الأخيرة الى تغطيته في ما لا يمكن التغطية عليه...الخروج على قرارات مجلس الوزراء ورفض الامتثال لها رغم كل ما يقال تحت عنوان "نفذ ثم اعترض" العسكري (وعون ضابط سابق) أو "اعترض ثم نفذ" السياسي (وقد بات عون ضابطا جديدا فيه).

لكن ذلك كله انتهى بلمحة بصر.
أما "حكاية البديل"، وزير العمل الجديد سليم جريصاتي، فهي حكاية تروى بدورها. ذلك أن "الاستقالة"، مثلها مثل عملية الاستبدال، لم يكن للعماد عون شخصيا، ولا طبعا لحزبه "التيار الوطني الحر"، قرار أو رأي فيهما، في ضوء تمسك القيادة الفعلية للوضع على الأرض ولما يسمى الأكثرية النيابية الحالية وحتى ل"التيار الوطني الحر" ذاته "حزب الله" ببقاء الحكومة أيا كان حالها، وأيا كانت الخلافات والمناكفات فيها وفي ما بين أعضائها.

واذا كان هذا هو الأمر بالنسبة ل"حزب الله"، وتاليا بالنسبة لحلفائه وفي مقدمهم العماد عون وتياره، فلماذا حدث ما حدث اذا في خلال الأيام القليلة الماضية؟.

غالب الظن، أن عون لم يخطئ في حديثه المتكرر عن مواقف وزيره، ولا حتى عن حمايته ولو أدى ذلك الى استقالة الحكومة، بل انه كان يلعب دورا متفقا عليه مع "حزب الله" سواء داخل الحكومة أو خارجها. هدف عون، كما بدا جليا في أكثر من مناسبة، تحقيق ما يمكنه من مكاسب على صعيد التعيينات الادارية والأمنية والقضائية في الدولة، فضلا عن ترسيخ مقولته حول التمثيل المسيحي في المجلس النيابي ومجلس الوزراء. وعمليا، فليس للحزب القائد اعتراض على ذلك ان لم يكن يشجعه وربما يحض عليه.

أما هدف الحزب، فهو ممارسة نوع من الضغط على رئيس الحكومة، وحتى على رئيس الجمهورية، من أجل إلزامهما باتخاذ مواقف أكثر تأييدا للنظام السوري في مواجهة الثورة الشعبية المستمرة ضده منذ ما يقرب من عام حتى الآن. فسياسة "النأي بالنفس"، قالت دمشق أخيرا كما قال الامين العام ل"حزب الله" السيد حسن نصرالله، ربما كانت مقبولة في الفترة السابقة. بل ربما كانت مقبولة في مجلس الأمن الدولي وفي الجامعة العربية وحتى في مؤتمر أصدقاء سوريا الذي عقد في تونس قبل يومين، لكنها لم تعد مقبولة على أرض الواقع، وبخاصة عند المناطق الحدودية اللبنانية مع سوريا في عكار والبقاع وبعلبك، بدعوى أن هذه المناطق تلعب دورا سلبيا تجاه النظام لمجرد استقبالها النازحين السوريين... فكيف اذا كان بينهم من يؤيد أو يدعم الجيش السوري الحر؟.

بالرغم من ذلك، لا يجوز أن يغيب عن بال أحد أن مصير الحكومة هو "خط أحمر" بالنسبة للحزب. يمكن فعل أي شيء لتحقيق الهدفين هذين(هدف الحزب وهدف عون) بما في ذلك عدم توقيع الوزير نحاس على مرسوم بدل النقل، وشن عون نفسه حملة شتائم شنيعة على كل من رئيسي الجمهورية والحكومة، وتعطيل جلسات مجلس الوزراء، ومنع تعيين أي موظف أو قاض أو ضابط ما لم يكن عون راضيا عنه... الا أن بقاء الحكومة أمر آخر مختلف.

هل كان عون يدرك هذا الحد من المناورة؟. ربما، وربما ليس تماما كما هي عادته في مثل هذه الحالات، بل حتى ربما كان يظن أنه والحزب يستطيعان أن يحققا هدفيهما معا، أو أقله أن يجدا مخرجا من المأزق الذي جرا نحاس اليه في نهاية المطاف.

ولم يحدث شيء من ذلك، اذا صح ما قاله عون عن عدم وجود صفقة في السر، فكان لا بد اذا من كبش فداء. وكان شربل نحاس هو هذا الكبش فداء لتمسك "حزب الله" ببقاء الحكومة مهما كانت الظروف.

هذه، باختصار، هي "حكاية شربل نحاس"، بل حكاية القيادة التي سلم نحاس نفسه وزمام أمره لها، ثم عمل في النهاية على اختزالها بحملة مقصودة للتعمية شمل بها الطبقة السياسية كلها من ناحية والطغمة المالية والاقتصادية في البلد من ناحية ثانية.

وهي حكاية يعرف مثلها، ويرويها بالتفصيل، كل من انتمى سابقا الى "التيار الوطني الحر"، أو وقف الى جانب العماد عون، ثم انفصل عنه في خلال السنوات القليلة الماضية.

أما "حكاية البديل"، فقد رواها سليم جريصاتي بنفسه بعد ساعات فقط من تعيينه ممثلا جديدا لتيار عون في الحكومة، عندما تحدث عن اعتزازه بكونه مستشارا لـ"حزب الله" في الحملة على المحكمة الدولية وتشويه سمعتها، تماما كما كان مستشارا للرئيس السابق اميل لحود في السنوات الأخيرة من عهده (سنوات التمديد الثلاث) وللرئيس السوري بشار الأسد في صياغة الدستور الجديد الذي وضع أخيرا تحت قذائف الدبابات والمدفعية والصواريخ في حمص وحماه وأدلب ودرعا.

هل بين اللبنانيين، في ضوء ذلك كله، من يملك أن يناقش السيد حسن نصر الله، وتاليا عون، في اتهام الحكومة الحالية بأنها حكومة الحزب والنظام السوري؟.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر