الراصد القديم

2012/02/24

"دويلة" أحمد جبريل في قوسايا!!

سيّارة تابعة للسفارة (...) تحمل لوحة ديبلوماسية الرقم 32، توجّهت إلى البقاع الشرقي بتاريخ... في مهمّة استطلاع لمراكز عسكريّة فلسطينيّة يرجى أخذ العلم والخبر".

هذه الجملة وردت مختصرة في وثيقة معلومات تلقّاها "جهاز أمنيّ" غير رسمي، أُرسلت إلى القيادة في بيروت، ما يدلّ على أنّ موضوع سحب السلاح الفلسطينيّ خارج المخيّمات، بات تحت المجهر الدولي ومن الملفّات التي يتمّ التداول بها جدّيا مع جهات إقليميّة ولبنان.

توقّفت أوساط مطّلعة بانتباه عند المواقف التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في بكركي عشيّة عيد الميلاد الماضي، ودعا فيها إلى إعادة إحياء طاولة الحوار على أساس الطرح الذي قدّمه سابقا لدرس الاستراتيجية الوطنية للدفاع، والبحث في موضوع السلاح، خصوصا لجهة تنفيذ المقرّرات السابقة حول السلاح الفلسطيني. في حين تبلّغت قوى 14 آذار من مصادر خليجية وجود توجّهات إقليمية ودولية تقضي بإقفال مخيّمات ومراكز تدريب لتنظيمات فلسطينية خارج المخيّمات، تنتشر في عدد من المناطق اللبنانية، وخصوصا في البقاعين الغربي والأوسط.

مسح ميدانيّ

وكشف ضابط في جهاز أمنيّ لبنانيّ لـ"الجمهورية"، أنّ جهات اوروبّية عمدت منذ مدة وبالتنسيق مع جهات مسؤولة في الأمم المتحدة، ومع أوساط أمنيّة لبنانية إلى إجراء مسح ميدانيّ دقيق للمراكز الفلسطينية المسلّحة في البقاع والدامور وغيرها من المناطق، ما يدلّ فعلاً على أنّ هذه القضيّة باتت في صلب الاهتمام الدولي، لأنّ هناك مخاوف من أن تكون هذه المراكز ورقة تفجير إقليميّة محتملة في ظلّ هذا البركان الثائر في المنطقة.

مَكسر عصا؟!

"...أنظر الى تلك التلال والمرتفعات... هنا تقيم الجبهة الشعبية - القيادة العامّة "دويلتها" ومراكزها وأنفاقها في قوسايا التي يصل بعضها إلى قرب الحدود السوريّة"، قال ناصر.غ، أحد المزارعين البقاعيّين الذي رافقنا في تجوالنا في منطقة البقاع، مستغرباً "وجود مثل هذه القواعد العسكرية في قوسايا، التي تبعد عن مواقع المواجهة مع إسرائيل آلاف الكيلومترات، سائلاً عن جدوى هذه المراكز العسكريّة التي أقيم عدد كبير منها على أملاك خاصة وأميريّة".

وتؤكّد أوساط بقاعيّة "أنّ بعض أنفاق "القيادة العامة" تصل إلى داخل الأراضي السوريّة، ومن خلالها تتمّ عمليّات تهريب السلاح والاشخاص". وروى أحد سكّان تلك المنطقة لـ"الجمهورية" مشاهدته سيّارات من الدفع الرباعي تنقل بشكل دائم السلاح والذخائر الى مواقع "القيادة العامّة"، سائلاً:"هل يقبل أحمد جبريل بهذا الوضع؟ ونسأله: ماذا يفعل عندنا؟ ليرحل وليقم قواعده في سوريا! لكن هل يسمحون له... بالطبع لا؟ ما في إلّا لبنان مكسر عصا!".

ماروني: لماذا هذه الجبهات؟

موقف ناصر.غ ، وأهالي قوسايا، لا يختلف عن موقف النائب إيلي ماروني الذي قال لـ"الجمهورية": "ما مبرّر الوجود العسكري الفلسطيني في بلدة قوسايا، ولماذا هذه الدهاليز الموصلة الى سوريا؟ فهل قوسايا، البلدة الزحليّة، هي على حدود العدوّ الإسرائيلي؟ ولماذا هذه الجبهات موجودة في كلّ قرى البقاع؟ فنحن في حزب الكتائب قلنا أن لا دولة فيها دويلات، ولا سلاح في نظرنا إلّا سلاح الشرعيّة اللبنانية، فلا سلاح داخل الدولة إلّا لقوى الأمن اللبنانية".

المسح الميداني الذي أجرته الجهات الأوروبّية، يظهر أنّ لـ"الجبهة الشعبية - القيادة العامّة" "مجموعة مراكز ومواقع عسكرية في البقاع، تتمتّع بتجهيزات لوجستية متطوّرة، مجهّزة بمدافع وصواريخ، وتجهيزات عسكريّة، وأجهزة رصد واتّصالات، وأنفاق حديثة مجهّزة بالتهوئة والإنارة تصل بعضها إلى عمق الأراضي السورية تستخدم لتنقل العناصر ونقل أسلحة وذخائر وتموين، وتؤمّن للمقاتلين حرّية الحركة من دون المرور عبر المعابر الشرعية والرسمية اللبنانية".

خارطة الانتشار

والمسح يرسم ما يشبه خريطة الانتشار العسكري لـ"القيادة العامة" والذي يتوزّع على مواقع في البقاعين الأوسط والغربي في مناطق قوسايا وعين البيضا ودير زنون والمعيصرة ووادي حشمش ولوسي وجبيلة والسلطان يعقوب والفاعور... في حين أنّ لـ"القيادة العامة" أنفاقها وتحصيناتها ومراكزها في تلال الناعمة في منطقة الدامور، والتي سبق أن تعرّضت مرّات عدة لقصف بالطيران الإسرائيلي، ويتمركز فيها نحو 400 عنصر من بينهم عناصر من جنسيات عربية مختلفة وبكلّ تجهيزاتهم القتالية.

وكانت مسؤولة في مخابرات أوروبّية في بيروت تدعى ك. ب. حذّرت في تقرير أمنيّ لها في شهر نيسان 2011 أرسلته الى مسؤوليها، من أنّ مواقع "الجبهة الشعبية - القيادة العامّة"، في تلال الناعمة، تشكّل تهديداً لحركة الطيران في مطار الرئيس الشهيد رفيق الحريري، في ظلّ معلومات غير مؤكّدة عن وجود كاميرات رصد ومراقبة متطوّرة في هذه المواقع.

وأشار الزميل محمود شكر (وهو من أبناء كفرزبد) إلى أنّ موقع قوسايا كناية عن جبال وتلال مرتفعة من خراج بلدة قوسايا (وهي مشاعات خاصة وأملاك أميرية للدولة اللبنانية) الى خلف حدود بلدة كفرزبد". والموقع عبارة عن دشم عسكريّة وتحصينات مجهّزة بأسلحة رشّاشة وصاروخيّة من الجهة اللبنانية، وتنتشر حوله حقول من الألغام، وفيه أنفاق ومراكز لوجستية، حتى إنّ فيه بعض قطعان الغنم". وأضاف: "هذا الموقع في قوسايا هو الأهمّ لدى "الجبهة الشعبية – القيادة العامة"، بسبب انفتاحه الجغرافيّ على الأراضي السوريّة الخلفية المتشابكة والمفتوحة على الأراضي اللبنانية. فهذه الوضعيّة الجغرافية تؤّمّن استراتيجية عسكريّة مهمّة لـ"القيادة العامة" والتي يمكنها في حال حصول أيّ خطر أن ترفع عديد قوّاتها من 3 إلى 4 آلاف مقاتل خلال ساعات. كما أنّ الاتّصال يتمّ عبر الداخل السوري بشكل طبيعي كأيّ اتّصال أو تنسيق من موقع سوريّ"، مشيراً إلى أنّ "الجيش أقام حواجز من الجهة الداخلية للحدود اللبنانية، وكلّ من يدخل أو يخرج من الموقع الفلسطيني يخضع للتفتيش الدقيق، وليس مسموحاً دخول أيّ شخص لا يملك أوراقاً ثبوتيّة وقانونيّة تخوّله دخول الأراضي اللبنانيّة".

"فتح – الانتفاضة"

ومن المواقع العسكرية الفلسطينية الأخرى في البقاع موقع "حلوة" التابع لحركة "فتح – الانتفاضة"( بقيادة العقيد أبو موسى)، في منطقة تعرف بالكسارات. ويؤكّد أبناء المنطقة أنّ عناصر هذا الموقع انسحبوا في الفترة الأخيرة إلى محاذاة الحدود السوريّة، وهناك مواقع أُخرى غير ظاهرة في وادي الأسود، وفي إمكان العناصر الفلسطينية التنقّل بحرّية بين الاراضي اللبنانية والداخل السوري من خلال اوتوستراد بحيرة زرزرة داخل سوريا، والتسلّل الى الاراضي اللبنانية من سوريا يتمّ بكلّ سهولة بسيّارات تنقل المقاتلين والعناصر إلى داخل بلدة "حلوة" اللبنانية، ومنها يتمّ التسلّل سيراً إلى العمق اللبناني من خلال معابر تهريب وطرق غير شرعيّة.

خلال الجولة البقاعيّة لاستطلاع المراكز العسكرية الفلسطينية في البقاع، نلتقي في أحد مقاهي شتورة بالدكتور الفلسطيني محمد. م الذي سبق وتسلّم في فترة الثمانينيات مسؤوليّة جهاز أمن حركة "فتح" في إحدى مناطق بيروت، فيكشف لـ"الجمهورية" عن معلومات مؤكّدة تفيد عن وصول نحو 120 عنصراً من حركة "فتح ـ الانتفاضة" إلى البقاع خلال الأشهر الاخيرة من العام الماضي لمهمّات امنيّة خاصة، وأنّ مسؤولاً في هذه الحركة مقيم في تعلبايا ويدعى "نادر. ح" وهو الذي تولّى تأمين مراكز لهؤلاء العناصر الذين ربّما توزّعوا على عدد من المخيّمات الفلسطينية.

وأضاف محمد.م .وهو يرتشف قهوته مع سيجار كوبي ضخم، اعتاد تدخينه" منذ أيّام النضال في لبنان" كما يقول، أنّ لتنظيم "فتح ـ الانتفاضة" وجوداً غير معلن في مناطق دير العشائر في البقاع الغربي، وكذلك في مناطق "حلوة" ووادي الأسود وبلطة".

معلومات محمد.م لا تختلف عمّا جاء في تقارير أمنية رسميّة في هذا الصدد، أشارت إلى أنّ عدداً من مراكز "فتح – الانتفاضة" تقلّص من 10 إلى 6 مراكز، وذلك بسبب الأزمة الماليّة التي تعصف بالتنظيم والخلافات الداخلية، إضافة الى التطوّرات الجارية في سوريا، في حين أنّ هناك مركزاً شبه مهجور تابع لمنظمة "الصاعقة" في منطقة تعرف باسم "مراح الوعرات". ولكنّ نشاط "الصاعقة" عاد للتداول منذ مدّة في الكواليس الأمنية بعدما تردّد كلام عن عودته الى التحرّك ميدانيّاً بطلب من الأجهزة المخابراتية السوريّة، وعن لقاءات يجريها مسؤولون فيه مع ضابط لبناني متقاعد ينتمي الى قوى 8 آذار؟!

الانسحاب السوري

وفي رأي صلاح عبدالله - أحد الناشطين السياسيّين - أنّ "البقاع شكّل مركزاً استراتيجيّا لوجستيّا لهذه التنظيمات الفلسطينية في الأعوام الماضية، خصوصا في فترات الحرب. إلّا أنّ هذا الانتشار الفلسطيني تقلّص وتراجع بسبب الانسحاب السوري من لبنان في نيسان 2005، الأمر الذي دفع "الجبهة الشعبية - القيادة العامة" إلى إعادة انتشارها والتراجع نحو المناطق الجردية، وكذلك فعلت "فتح - الانتفاضة".

وأضاف عبدالله الذي تحدّث لـ"الجمهورية" وهو مزوّد ملفّات وقصاصات من صحف قديمة بدت مهترئة وصفراء: "في فترة الوجود السوري، كانت منطقة الروضة في البقاع الغربي مركز قيادة لتنظيم حركة "فتح – المجلس الثوري" (جناح ابو نضال)، ورُويت القصص عن هذا المركز المخيف الذي كانت تجري فيه تصفية المعتقلين و"أعداء التنظيم"، حتى إنّ منطقة "حلوة" كانت مركزاً عسكريّاً لحزب العمّال الكردستاني بزعامة عبدالله اوجلان، بدعم المخابرات السوريّة وتمويلها في تلك الفترة. أمّا بعد الانسحاب السوري من لبنان في 26 نيسان 2005، فقد تراجعت "القيادة العامّة"، و"فتح الانتفاضة" من السهل نحو الجرود والأودية، بعيداً عن المناطق المأهولة، في مشهد شبيه بالحال الذي كان عام 1968. فأقفلت حركة "فتح ـ الانتفاضة" كلّ مراكزها ومواقعها العسكرية في البقاع الأوسط وبعض القرى في البقاع الغربي (المنارة، والصويري، وعيتا الفخّار) لتعود إلى التلال والأودية النائية في سلسلة جبال لبنان الشرقية، فيما لم يعد لـ"القيادة العامة" أيّ وجود عسكريّ إلّا في أنفاق تحت الأرض في جرود قوسايا وهضاب السلطان يعقوب والفاعور، وهي تعود لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن".

سلاح غير شرعيّ

وإذا كان سحب السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات من صلب مقرّرات طاولة الحوار الوطني، فإنّ مصدراً قياديّاً في سفارة فلسطين في لبنان أكّد بدوره لـ"الجمهورية" أنّ "الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس سبق وأعلن من على منبر القصر الجمهوري في لبنان أنّ السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات في لبنان يخضع للسيادة اللبنانيّة، وبالطبع هو سلاح غير شرعيّ ولا نعترف به، ويجب أن يكون خاضعاً للسيادة والقانون اللبنانيّين، وهذا الموقف الفلسطيني كان قد أبلغه الرئيس محمود عبّاس وأكّده للرئيس اللبناني ميشال سليمان ورئيس الحكومة سعد الحريري والمسؤولين اللبنانيين".

جنجنيان: سيادة كاملة

أمّا النائب شانت جنجنيان فقد طالب في اتّصال مع "الجمهورية" بسحب السلاح الفلسطيني من خارج المخيّمات تنفيذاً لمقرّرات طاولة الحوار، "لأنّ هذا السلاح أثبت عدم جدواه من الناحية العسكرية، لا بل يشكّل خطراً على السلم الأهلي، خصوصاً في منطقة البقاع التي تعتبر من المناطق الآمنة، والتي تحتضن الإخوة الفلسطينيين في عدد من المناطق والمخيّمات المنتشرة على أراضيها، فنحن نعتبر دوماً أنّ السيادة على الأراضي اللبنانية هي فقط للدولة اللبنانية، فلا يجوز أن تكون هناك مربّعات امنيّة محظورة على الجيش والقوى الأمنية، لأنّ السيادة يجب أن تكون كاملة لا مجتزأة أو استنسابية..."

"...إنّها دويلة أحمد جبريل في البقاع"، قال أحد المسؤولين في تيّار سياسيّ معارض، متذكّراً "جمهورية الفاكهاني وصبرا" أيّام عزّ الوجود الفلسطيني في السبعينيّات، فهل حقّاً "بات لبنان دولةً بدُوَل كثيرة" ؟!
صبحي منذر ياغي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر