الراصد القديم

2012/02/03

العلويون في سوريا والمعارضة الفيسبوكية

ربما يسود اعتقاد لدى بعض المعارضين السنة بأن تأييد بعض العلويين للثورة يُسجل كأكبر إنجاز لها، وربما أكبر من إسقاط النظام نفسه. وأصحاب هذا الرأي المريض العاجز عن إدراك الأمور حقيقتها دون تدليس أو تحريف إنما يقعون في هذه المزالق النفسية لأنهم يخضعون لتأثير الإعلام المعادي للسنة.

وهذا اللون من الأمراض النفسية تسلك بصاحبها أوعر المسالك فتقنعه بأن اعتقاده السُني مصدر للفتن والخلافات المهلكة وأن "السنية" تعارض "الوطنية" ثم تجعله يتمرد على أحكام الثورات وأعرافها ومنها "التفريق والفصل بين الثائر والخائر، لا حياد في الثورة وأن عدم الوقوف مع الثورة ما هو إلا انحياز للعدو بشكل أو بآخر"، ثم تجبره على الجري وراء الأوهام وتسويق الأكاذيب ونسف الحقائق لتهدئة مخاوفه وهواجسه.

فخلاصة الأمر هو عدم قبول واقع الثورة ورفض التسليم بكونها سنية بامتياز، وبالتالي السعي لإفشالها وحرف مسارها والوقوف بوجه أهدافها ومقاصدها في تحقيق العدل ورفع الظلم،لأن منتهى الظلم يكمن في المساواة بين السني الوطني والطائفي الخائن، والجمع بين الثوار ومن وقع تحت القصف والحصار مع المنافقين والعملاء والصامتين.

وهذا الانقلاب على الثورة لا يُسفر عن وجهه الحقيقي ونواياه المدفونة وإنما يخرج في إطار شعارات مقبولة لا تقبل الاعتراض أو الجدل كـ "التعددية، المشاركة، عدم الاقصاء والتمييز، المساواة والعدالة، الابتعاد عن الطائفية".

تقترب الثورة من عامها الأول والأقليات المذهبية والدينية تمعن في خيانتها لوطنها وشعبه لتفضح زيف انتمائها المزعوم المدعى خلال العقود الماضية.

أكثر من عشرة أشهر والطوائف تؤكد تمسكها بخيار الخيانة ونقض ميثاق العيش المشترك مع أبناء الوطن السني والانحياز لحزب السلطة ومعسكر الطغيان.

وهنا لا بد أن يقفز الانقلابيون الى المشهد لينددوا باللهجة الطائفية وخطاب التخوين والتكفير ثم يُخرجوا من جعبتهم بعض ما يسمونه شواهداً وأدلة "مهترئة" على مشاركة جميع الطوائف والأقليات لتكون المفاجئة الصاعقة لأنصار المعسكر السني الطائفي ببعض البيانات الفيسبوكية التي كتبها بعض العلويين يعلنون فيها براءة طائفتهم من إجرام النظام.

إن تهمة الخيانة العظمى لا تصمد أمامها مثل هذه البيانات التي لا يُعرف صاحبها ولا حجم تمثيله في طائفته، أو مدى تأثيره عليها، فهي كلمات مجهولة المصدر معلومة الأهداف ترمي الى وضع الجميع في سلة واحدة وتخلط طُهر الثورة السنية بدنس الخيانة الطائفية.

إن بيانات البراءة لا تكفي لغسل العار وإثبات الولاء للثورة، فلا بد للدماء أن تسيل ولا بد للخوف أن يجتاح المدن ولا بد للطوائف أن تدفع من أبنائها وشبابها مثل ما دفع السنة حتى نصل إلى حالة التوازن المقبول والعدل المنشود.

-لماذا تدفع الأم السنية بأولادها إلى المظاهرات والمعتقلات ثم تستلم جثثهم المعذبة ووجوههم المهشمة فيما ينعم نساء الجبال بالسكينة والراحة مع أولادهن وأزواجهن وإصلاحات قائدهم؟

-لماذا يخرج الشباب السني الى ساحات الموت وهم لا يأمنون على أعراضهم وأخواتهم! في الوقت الذي يُجند العلويون ويُسلحون للانقضاض على الأمهات والفتيات والعجزة؟

-لماذا يندفع السنة الى المجهول ويعيشون الخوف ويرون الموت ألف مرة في اليوم، بينما ينعم البطاركة وأتباعهم بالأمن والدعوة الى السلام ونبذ العنف ودعم الاصلاح!

-لماذا يُطرد السنة من بلدهم ويعيشون الذل والغربة في تركيا والأردن ولبنان، فيما تستمع البقية الخائنة بجلسات السمر والسهر على شاشة "الدنيا" و"الفضائية السورية".

-لماذا يقتحم أهل السنة مواجهة مفتوحة غير متكافئة يقفون فيها بوجه:

º النظام وجيوشه ومن ورائه حلفائه الشيعة في المنطقة (ايران، العراق، لبنان) وبعض الانظمة العربية كحكومات الجزائر والسودان

º الدعم الدولي (الروسي والصيني)

º الخذلان العربي والاسلامي (جامعة الدول العربية، منظمة التعاون الاسلامي)

º الخذلان الدولي (الأمم المتحدة والقوى الغربية الكبرى).

يواجه السنة كل هذه الجيوش والتحالفات في الوقت الذي يصطف فيه العلويون والدروز والنصارى في خندق النظام تعلوهم الهواجس من الثورة والمتشددين والإخوان المسلمين!

أسئلة تجول في أذهان الشباب السوري لكنهم لا يستطيعون البوح بها لأن مجرد طرح السؤال يعد انزلاق لفتنة مذهبية وتهديد لمستقبل الثورة! هذا ما يروج له برهان غليون وبعض رموز "المجلس الوطني".

يلجأ الهاربون من تهمة الطائفية الى شتى الوسائل والسبل لإخفاء الحقائق أو تزييفها أو ردها، حتى وإن خالف طرحهم ثوابت الدين وأصوله، وعارضت صريح العقل الذي يعضد سلامة رأي الشرع والفطرة المستقيمة، ومن تلك الطرق: الفصل بين الطائفة العلوية والسلطة البعثية، وهذا أمر يرده العقل ويكذبه الواقع المُشاهد فكيف بإمكان النظام بناء حُكماً عسكرياً قمعياً دون الاستناد الى جيوش من البشر يسيرهم كما يشاء، فهل هذه الأكوام البشرية لا تُمثل الطائفة العلوية، وهنا يظهر السؤال الذي لن يجد جوابا... من الممثل الشرعي للعلويين؟

إن الطوائف التي تتهم الحكم الاسلامي لقرون طويلة باضطهادها لن تجنح الى معارضة قائد ينتمي إليها، لأن دكتاتورية حاكمهم أهون من حكم طائفة أو ملة أخرى، ولذلك ظل العلويون مخلصون لبشار الأسد كما أخلصوا من قبل لأبيه.

وإذا كان النظام العلوي لا يحظى بدعم طائفته فهل مليشيات حسن نصرالله ونبيه بري لا تمثل شيعة لبنان ولا يحظى بدعمهم، وهل الحرس الثوري الايراني ومليشيا الباسيج لا يمثلان شيعة ايران، وهل جيش المهدي والأحزاب السياسية والمراجع الدينية لا يمثلون شيعة العراق؟ وهل كل الشيعة في بلدانهم مجبورون على الخروج (بالملايين) تأييداً لزعمائهم (علي خامنئي وحسن نصرالله ومقتدى الصدر وعلي السستاني ونجّاد وبشار الاسد).

إن الثورة سلمية سنية، وأعدائها معروفون لأهلها، والعلوي الذي يدّعي العجز عن معارضة النظام يحاول الكسب على الجهتين واللعب على الحبلين، فإن نجح النظام في قمع الثورة وإبادة خلق كثير من أهلها سينعم بالسلامة والأمن والاستقرار، وإن نجحت الثورة في اسقاط الحكم العلوي، قام يتبرأ من النظام ويُبرأ مذهبه ويُطالب بحقوقه المزعومة.

فهل تستوي هذه النماذج البشرية الرخيصة المنافقة مع من قدّم الدماء وبذل النفوس ودفع بولده للمظاهرات والمعتقلات وفروع التحقيق! في منطق العقلاء لا يستوون، أما عند الوطنيين الذين يرفضون الطرح الطائفي فهو أمر مقبول لا حرج فيه ولا ضير من المساواة بين العلوي الخائن الخائر والسُني المنتفض الثائر.

يكثر المعارضون للطرح الطائفي من قولهم إن النظام يزج بالعلويين في حربه ضد الشعب، ليجعلوهم كالبهائم التي لا عقل لها أو كالدواب المسخرة في الحروب، لكن الصفات الانسانية والطبيعة البشرية تعود لهؤلاء المسيرين لحروب لا يريدونها حينما يتحدثون عن حقوق الطائفة، وكأن العقول تُسلب والألسنة تنزع حينما يكون الحاكم علوياً، ثم تعود ثانية إذا أصبح الحكم سنياً.

تحاول المعارضة السنية بكافة توجهاتها الدينية والعلمانية إقحام الطائفة العلوية والاقليات الأخرى (الدروز والاسماعيلية) في صف الثورة، وتُبرر المعارضة غياب العلويين عن الثورة بأن النظام يحاول زجهم في معركته ضد الشعب والثورة، وكأن العلويين خيول أو بهائم مسيرة في حرب تجهل دوافعها وأهدافها!

المعارضة تحاول زج العلويين في الثورة، والنظام يحاول زج طائفته في قمعه للثورة السنية، ولا شك بأن الطائفة منحازة إلى النظام وهذا ما أثبتته الشهور الماضية.

في المنطق المادي المجرد عن البُعد الديني والأخلاقي والوطني فإن انحياز العلويين الى قيادتهم أمر طبيعي، فهم ينحازون إلى التفرد المطلق بالسلطة، وينحازون إلى المستقبل الآمن لوجودهم الديني في سورياً.

إن المعارضة السنية في طرحها المسمى بالوطني والذي يتجاوز حقائق الميدان ويسبح في عالم الآمال والأحلام لن يحقق للثورة مكسباً، ولن يُعجّل بالنصر، ومن يعتقد أن الثورة ضد نظام قمعي فاسد فهو مخطئ، لأن الثورة ضد محور طائفي إقليمي يخشى على مستقبل مشروعه ووجوده في المنطقة.

تُكرر المعارضة السورية الخطأ الذي وقع فيه العرب السنة في العراق حيث ابتعدوا في خطابهم وبرامجهم العملية (السياسية والمسلحة) عن التفكير بمستقبل الوجود السُني، فوجدوا أنفسهم في ساحة المعركة مجردين عن السلاح الفعّال، وهو السلاح الطائفي لأن الجميع كان يحمله (الشيعة والكرد) فيما لجأ السنة الى شعارات وطنية واسعة ليستقروا في نهاية المطاف خارج الميدان مهمشين مضطهدين يشاهدون بنيان الدكتاتورية الشيعية الجديدة يرتفع يوماً بعد يوم.

الانحياز العلوي الى جانب النظام لا يدفعه الخوف من بطش النظام بقدر ما يمنعه اشتراك كثير من العلويين في صفوف القوات الأمنية والعسكرية والمخابراتية التي تقمع الثورة، وهذا عامل لا ينبغي الغفلة عنه لأن النظام لا يحافظ على بقائه معتمداً على كائنات فضائية أو مخلوقات غير مرئية وإنما على مواطنين يحملون الجنسية السورية وينتمي قسم كبير منهم الى الطائفة العلوية.

المعارضة الفيسبوكية التي يقوم بها بعض العلويين تُشبه الأصوات العراقية الشيعية التي كانت حاولت زج نفسها وإدخال طائفتها في خندق "المقاومة" و"الوطنية"، لكن طائفيتها الخفية وميلها الفطري الى أبناء جلدتها منعها من إدانة الإجرام الايراني والحرب التي قادها جيش المهدي ضد أبناء السُنة، ومن هذه الشخصيات المرجع جواد الخالصي والمرجع أحمد الحسني البغدادي وحسين المؤيد وغيرهم من شيوخ العشائر والمثقفين القوميين.

كاظم حامد الربيعي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر