الراصد القديم

2012/02/29

إيران.. محاولة للإيهام بثورة إسلامية

في بداية العام 2011، شهدت المنطقة العربية انتفاضات شعبية في عدد من الدول، بدأت في تونس ثم انتقلت إلى عدد كبير من الدول العربية. وقد أدت هذه الانتفاضات إلى الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي، وسرعان ما انتقلت الشرارة إلى مصر ليطالب المتظاهرون بسقوط نظام حسني مبارك، حتى أسقطوه بالفعل.

وعلى الرغم من أنّ النظام الإيراني رأى في هذه الأحداث فرصة له لاستكمال تمدده في المنطقة مع تساقط الأنظمة المجابهة لنفوذه، إلا إنّه انتبه سريعاً إلى أنّ ما يجري قد تكون له تبعات خطيرة عليه من ناحية تحفيز المعارضة الإيرانية وإعادة إحياء الحركة الخضراء بما يؤدي إلى ثورة في الداخل الإيراني تطيح بالنظام على الطريقة التونسية والمصرية، خاصّة أنّ المتظاهرين في هذه الميادين يرفعون الشعارات المشتركة مع الحركة الخضراء نفسها في القيم التي يبحثون عنها، والمتمثلّة في الديمقراطية والحرية والعدالة والقانون ومحاربة الديكتاتورية والتزوير والنهب والفساد والقمع.

وتفادياً لمثل هذا السيناريو، قام الإعلام الرسمي الإيراني بحملة إعلامية دعائية قوية غير مسبوقة في الداخل الإيراني عمل من خلالها على إيهام الإيرانيين بأنّ الذي يحصل في مصر هو "ثورة إسلامية" على أميركا وإسرائيل، مستعيداً ذكرى الثورة الإيرانية في العام 1979، وذلك بهدف إبعاد الجمهور عن الدوافع الحقيقة لثورة المصريين المتمثلة بالمطالبة بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبالحرية والعدالة والشفافية والنزاهة والديمقراطية والتعددية في مواجهة الفقر والحرمان والبطالة والفساد والقمع والديكتاتورية.

كما تولّى خامنئي توجيه هذه الحملة من خلال خطبه وتصريحاته، وتبعه عدد من المسؤولين الرسميين الذين أدلوا بسلسلة تصريحات وبيانات مركَّزة في هذا السياق، ومنهم الجنرال يحيى رحيم صفوي المستشار العسكري لخامنئي، والمتشدد الراديكالي آية الله أحمد خاتمي، ووزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي، وغيرهم من المسؤولين رفيعي المستوى.

سرعان ما انتبه جمهور الحركة الخضراء إلى أنّ المسألة ليست كذلك، وأنّ مطالب المصريين هي نفسها مطالبهم. وحاول قادة الحركة الخضراء تظهير العوامل المشتركة بين الثورة المصرية وثورتهم على أمل استثمار المناخ الإيجابي لها ضد النظام. فقال "أردشير أمير" المستشار القانوني لحملة موسوي الانتخابية في تصريح له لموقع "جرس": "الدكتاتورية تعني السرقة والإجرام سواء أكانت في القاهرة أو في طهران".

وخرج مير حسين موسوي ببيان لدعم الانتفاضة المصرية للشعب متحدّياً النظام الإيراني قائلاً "إنّ نقطة الانطلاق في ما نشهده اليوم، يعود إلى الفترة التي نزل فيها الملايين في طهران إلى الشارع هاتفين 'أين صوتي؟' مطالبين بسلمية بحقوقهم التي تمّ سلبهم إياها من قبل النظام. اليوم، هذا الشعار الذي أطلقه الشعب الإيراني وصل إلى مصر حيث تحوَّل إلى مطالبة الشعب بإسقاط النظام"، مضيفاً "ليس علينا أن نبذل كثير عناء لنكتشف العوامل المشتركة والصلات بين الحالتين. قارنوا فقط الانتخابات الأخيرة في مصر بانتخاباتنا. باستطاعتنا أن نلاحظ أيضاً تشابهاً في اختراق وإغلاق وقطع مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة والفضاء الإلكتروني، وقد قام الطرفان بتشابه مثير للدهشة بإطلاق موضة إيقاف خدمة الرسائل القصيرة SMS والهواتف المحمولة والإنترنت".

وقد استغل قادة الحركة دعوة النظام الإيراني للتضامن مع ثورة مصر من أجل أن يطالبوا هم أيضاً بتظاهرة تحت عنوان "دعم ثورتي تونس ومصر" في 14 فبراير (شباط) 2011، وهو الأمر الذي أحرج النظام الإيراني ووضعه في الزاوية كاشفاً تناقضه البيّن. إذ على الرغم من رفض الحكومة السماح بالتظاهر، والتهديد بمعاقبة ومحاسبة من يخرق قرار المنع، نزل الآلاف إلى الشوارع في هذا التاريخ. لقد عادت الحركة الخضراء إلى الحياة من جديد، اكتسب المتظاهرون جرأة أكبر، ثم نزلوا مرّة أخرى في 20 فبراير (شباط) أثناء تشييع أحد قتلاهم، وقد تراوح تقدير الأعداد بين عشرات الآلاف ومئات الآلاف. لكن مهما يكن، فقد بدا واضحاً هذه المرة، وبشكل جلي، أنّ هناك عدد من المعطيات المختلفة عن التظاهرات السابقة للحركة الخضراء منذ انطلاقها وحتى هذا التاريخ، لعل أبرزها:

لقد درجت العادة على أن تقوم الحركة باستغلال الأعياد والمحطات الرسمية (كعاشوراء ويوم القدس العالمي) للقيام بتظاهراتها الخاصة، لتتحاشى إفراد يوم خاص تستطيع السلطات منعها من التظاهر فيه أو يكون لها قدرة الأكبر على قمعها، ولتظهر أن تحركاتها تلتزم إطار الجمهورية الإسلامية من جهة أخرى. هذه المرة وعلى الرغم من أنّه كان هناك احتفال بعيد الثورة الإسلامية في 11 فبراير (شباط) 2001، إلا أنّ الحركة الخضراء طالبت بتظاهرة في 14 فبراير (شباط) لتمييز نفسها.

كذلك ركّزت الشعارات هذه المرة تحديداً على استهداف المرشد الأعلى للجمهورية علي الخامنئي "مبارک بن علي نوبت سيد علي" أي ما معناها "مبارك وبن علي، دورك سيد علي" بالإضافة إلى الشعارات المعتادة "الموت للديكتاتور"، "تسقط طالبان في القاهرة وفي طهران".

لقد بات واضحاً أنّ سقف المطالب بدأ يرتفع عما كان عليه سابقاً، ليخرج عن الحدود التي لطالما حاول موسوي وكروبي أن لا يتجاوزانها (خاصة الأول)، فبقيا مترددين في قطع "شعرة معاوية" مع الثورة الإسلامية، في وقت سبقهم المتظاهرون ذلك اليوم إلى ذلك، وقطعوها من خلال شعاراتهم مع إرث الثورة متجاوزين مسألة إصلاح النظام إلى تغييره من خلال التصويب على المرشد الأعلى، ركن النظام الأبرز، وعلى أجندته الخارجية أيضاً من خلال شعارات مثل "لا غزة ولا لبنان...بل تونس، مصر وإيران".

باشر النظام حملة بحق زعماء الحركة. وأكدت أسرتا موسوي وكروبي أنه قد تم سجنهما، كما تم اتخاذ إجراءات بحق الرئيس السابق خاتمي، والرجل القوي في النظام هاشمي رفسنجاني. وعلى الرغم من أنّ الأخير حاول استعادة الرضا الرسمي عبر استخدامه المصطلح الديني "فتنة" في وصف "الحركة الخضراء"، مشدداً على وجوب "الطاعة المطلقة" لـ"المرشد الأعلى"، إلا أنه تم إقصاؤه من رئاسة مجلس الخبراء.

لطالما عمل موسوي وكروبي ورفسنجاني وخاتمي، كحوائط امتصاص للصدمات بالنسبة للنظام. وقد آمنوا بحلم، يصفه البعض بأنه وهم، أن النظام، على الرغم من طابعه الاستبدادي، لا يزال قابلاً للإصلاح. كما ادعى الرجال الأربعة أن المعارضة غير العنيفة لا تزال ممكنة داخل نظام تعامل مع مناوئيه دوماً بالعنف. ومن المؤكد أن إزالة الأربعة من المعادلة ستخلّف تأثيرات فورية؛ أولها تشجيع أنصار "تغيير النظام"، الذين ستكون حجتهم بسيطة، وهي أن النظام العاجز عن تقبل النقد الهين من كبار مسؤوليه السابقين من غير المحتمل أن ينصت للانتقادات الأقسى من جانب الجماهير.

ومن الممكن أن تؤدي إزالة السياسيين الأربعة من المعادلة إلى إضفاء طابع راديكالي أقوى على المعارضة عبر توفير مساحة أكبر أمام الجماعات الداعية للنضال المسلح، كما إلى تعميق الانقسام في الأوساط السياسية والعسكرية وحتى في الحرس الثوري حول مستقبل النظام وكيفية التعامل مع الجماهير، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام التساؤلات المتعلقة بمستقبل الحركة الخضراء.

المقال ملخص مِن بحث للباحث علي حسين باكير 'الحركة الخضراء الشبابية'، المنشور ضمن كتاب المسبار* الثالث والخمسين(مايو 2011) 'إيران المحافظون- الحركة الخضراء الثورات العربية' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر