الراصد القديم

2012/02/24

النوبيون أزمة حقيقة وجرح نافذ فى قلب مصر

لم تترك لهم الأنظمة الحاكمة منذ قيام ثورة يوليو أى خيار .. فإما أن تكون مصريا عربيا أو لا تكون .. لا يسمح لك بإضافة أى وصف آخر وكأنه من المستحيل أن تكون مصريا تعشق تراب هذا الوطن مع الإعتزاز بهوية أخرى إضافية وكأنك لا تستطيع أن تكون مصريا نوبيا بفخر .. ليس لك أن تكون مصريا أمازيغيا ... لا يمكن أن تكون مصريا بدويا ... ومن هنا بدأ الإنهيار لا أعرف لماذا كانت عندهم عقدة من التنوع والإختلاف أوهموا الشعب المصرى لعقود أن أى تميز أو خصوصية أو إختلاف إنما سيؤدى بالبلاد إلى الإنهيار نا هيك عن تهمة الخيانة والعمالة والإنفصالية لم تترك لنا الأنظمة أى خيار ..

هذا الأسلوب القمعى كان معمما على كل الأقليات العرقية فى مصر (بدو , نوبيون وأمازيغ ) ...فالنوبيين تعاملوا مع مصر وكأنها الوطن الوحيد لهم ولم يفكروا فى غير ذلك القضية هى أنهم وبرغم مصريتهم فهم معتزون فخورون بنوبيتهم وخصوصيتهم العرقية والثقافية وتلك ميزة حبى الله بها الإنسانية الا وهى الإختلاف .. النوبيون مجتمع نيلى يعيش على حرفتى الصيد والزراعة ونظرا لغرق مساحات كبيرة من الأراضى الخصبة نتيجة بناء خزان أسوان وتعلياته أضطر كثير من أبناء القرى المنكوبة الى الانتقال الى العاصمة والى مناطق أخرى للبدء فى البحث عن فرص عمل جديدة ..... فوجئ النوبيون بمجتمع جد مختلف وكان حاجز اللغة من الحواجز الصعبة التى لا يستطيعون كسرها فبالرغم من تميز النوبيون بذكاء حاد ( يروى ان كثير من أوائل الثانوية فى مصر كانوا من خريجى مدرسة عنيبة والتى تعتبر أحد أهم المراكز فى النوبة القديمة ) وكانوا قد تعلموا العربية ولكنهم لم يكونوا يستخدمونها اللهم الى فى حالات الضرورة القصوى والعبادات التى تستدعى آدائها بالعربية أما ما دون ذلك فهم لم يتحدثوا الا النوبية ...

وبالرغم من الصدمة الثقافية إلا ان النوبيون نجحوا فى الامتزاج والتداخل مع المجتمع الجديد لم ينغلقوا على نفسهم ولم يؤسسوا جيتوهات لهم وحدهم ولكنهم نجحوا فى التعايش مع أفراد المجتمع الجديد بإختلاف فئاته وطوائفه...... بل ذهبوا الى أبعد من ذلك ونجحوا فى تأسيس جمعيات ( جمعية لكل قرية ) تهتم بشباب وأبناء القرية الموجودين فى القاهرة (وكذلك حدث فى الإسكندرية) وترعى شئونهم وتنظم إحتياجات الطلاب منهم والجامعيين والعاملين وتعد بمثابة ناد يجمعهم ويتوحدون من خلاله .... وحتى قيام ثورة يوليو 1952 تفائل النوبيون واستبشروا بها خيرا وكباقى أطياف الشعب المصرى تاهوا عجبا وفخرا بناصر تلك الشخصية الكاريزمية التى يختلف عليها الشخص بينه وبين نفسه ما بين حب وكره ....

فى عهد ناصر كان قرار بناء السد العالى لم تفكر الدولة وقتها إلا فى الكهرباء ووقف الفيضان .. لم يعبأوا بالميراث البشرى الضخم الذى سيتم تدميره ما بين بيئة طبيعية وآثار تشهد على حضارة ضاربة فى أعمق أعماق التاريخ وبين مجتمع كامل سيتم تقطيع كل أواصره ( فهاهى حلفا القديمة أقدم مدن إفريقيا والتى تعادل أريحا فى القدم غارقة تحت بحيرة السد ) لم تتريث الدولة .. لم تدرس كيفية تهجير النوبيين من أراضيهم وتعويضهم .. تجاهل ناصر الحلول البديلة ( ما بين التهجير العرضى على جوانب النهر فى نفس الموقع كما حدث قبل ذلك أثناء تعليات خزان أسوان أو توزيع سدود صغيرة على المجرى المائى تقوم مقام السد العالى ولكن بأضرار أقل ) وأصر على تفريغ منطقة النوبة والنيل النوبى تماما من سكانها .. والأعجب أن الدولة صرفت على إنقاذ آثار النوبة أو ما إستطاعت أن تنقذه.. ما لم تصرفه على إعادة توطين النوبيين وتم إلقائهم شمالى أسوان بوادى كوم امبو فيما يعرف بمركز نصر النوبة ( تخيل مجتمع نيلى يعيش على الزراعة والصيد يتم زرعة فى صحراء قاحلة لا يعرف لها حدودا) ...

تلقى النوبيون وعود الدولة بإنشاء مجتمعات جديدة لهم أحسن من ذى قبل و اتفاقية الدولة مع منظمة الفاو والتى تلزم الدولة المصرية بإعادة توطين النوبيين على ضفاف البحيرة وبنفس توزيعهم التاريخى عند ثبات منسوب المياة تلقى النوبيون تلك الوعود بالتصديق .. فناصر الذى يحبونه لا يمكن أن يكذب وقبل النوبيون ترك بلادهم وأيقنوا انهم إنما يضحون من أجل الوطن ومن أجل المنفعة العامة وأن هذا الوطن لابد وأن يعوضهم ذات يوم .. ومرت السنين ولا شيئ يتغير و هنا ظهرت أزمة الوطن .. بين ناصر البطل القومى الذى يعشقونه .. وناصر السبب الرئيس فى هلاك بلادهم وتفريقهم إلى غير رجعة ... بعد قيام ثورة يوليو أخذت ثقافة التعريب والعروبة بعدا آخر حيث صارت (فى فكر قائد الثورة ) قضية أمن قومى أصبحت اللغة العربية هى الأهم فى التدريس أصبح التاريخ العربى هو الأهم .. طغت فكرة القومية على فكر التنوع الثقافى واللغوى والعرقى فى مصر ...

العروبة ليست شيئا بغيضا ولكنها حينما تفرض عليك .. حينما يطلب منك أن تستبدل بها خصوصيتك وهويتك الأصلية تصبح ألما موجعا لا يمكن تحملة .....بعدما نجح النوبيون فى عبور أولى العقبات وهى الاختلاف اللغوى والثقافى والمجتمعى .. لم يشعروا أبدا بأنهم ليسوا من أبناء هذا الوطن بل ضربوا أروع وأسمى صور الوطنية .. عاش النوبيون فى مصر و هى وطنهم الأكبر عانوا مثلما عانى أهلها وشاركوا فى الأفراح والأحزان وعلى كل الأصعدة ... الاجتماعية والثقافية والفنية والسياسية ... فى الأربيعينات كان قواد الحركة الطلابية نوبيون فهاهو سليمان عجيب الوفدى الليبرالى .. يربى زكى مراد ومبارك عبدة فضل و محمد حمام وغيرهم من الشباب النوبى الذى بارى القاهريين فى الوطنية والحماسة وظلوا كذلك على مر السنين....بعد التهجير القسرى ( وهو الحل الوحيد الذى أصرت علية الحكومة المصرية ) صدم النوبيون لأاول مرة صدمة لم يستطيعوا التعامل معها فقد تم نقلهم إلى بيوت أسمنتية أبعد ما تكون عن عمارتهم التى توارثوها على مر أجيال ( بيوت طينية ذات قبوات وقباب تتناسب مع معيشتهم والأجواء الحارة ) ... وجدوا إلى جوارهم جيران لم يعتادوا عليهم ومختلفين إختلافا شديدا ثقافيا ولغويا واجتماعيا ... وبدأت موجات النزوح والهجرة إلى القاهرة تزداد ومع إزدياد ثقافة التعريب والقومية التى فرضتها الحكومة المصرية آن ذاك نشأ جيل نوبى لا يعرف اللغة النوبية وتلك هى الكارثة .. فاللغة هى أهم شئ فى أى ثقافة .. وإذا انتهت اللغة إنتهى كل شئ....

اما عن التهميش التاريخى فحدث ولا حرج .. فكتب التاريخ المصرية تجاهلت حقب وفترات مهمة فى التاريخ النوبة بل ومحتة من ذاكرة المصريين فالشعب المصرى لا يعرف مطلقا أن الحضارة النوبية سبقت الحضارة المصرية بما يزيد عن 10 آلاف عام ... لا يعرفون أن النظام الملكى النوبى يعتبر أول نظام ملكى معروف فى التاريخ البشرى .... لا يعرفون أن نظم الحكم ونظم الترقى الوظيفى التى حكم بها الفراعنة كانت منقولة عن نظام الحكم النوبى .. لا يعرفون ان الحضارة النوبية هى أول حضارات قارة إفريقيا السمراء ... لا يعرفون شيئا عن ثلاث أسر نوبية حكمت مصر من المتوسط وحتى أعالى النيل على مدى أكثر من 200 عام ... لا يعرفون أن اللغة النوبية هى أقدم لغة فى القارة الإفريقية .. لا يعرفون أن مدينة حلفا النوبية القديمة ومدينة أريحا الفلسطينية هم أقدم مدنيتين معروفتين فى التاريخ ...

حتى الإعلام المصرى عندما تعامل مع النوبين صورهم فى شكل خدم وسفرجية وسائقين .. ولا يعرف المصريون شيئا عن سليمان عجيب النوبى القيادى فى حزب الوفد .. لا يعرفون شيئا عن محمد الباقر رائد الإصلاح التعليمى فى عصره .. لا يعرفون شيئا عن زكى مراد ومبارك عبده فضل ومحمد حمام ثلاثة من قواد الحركات الطلابية فى الأربعينات .. لا يعرفون شيئا عن زكى مراد رمز الحركة الوطنية فى السبعينات وكاتب دستور جمهورية اليمن الجنوبى ... كل هذة الحقائق وغيرها الكثير تم محوة من ذاكرة الأمة عمدا ..حتى لا يشعر النوبيون بأى تميز ... لسان حال اهل النوبة يصرخ من الالم والوجع قائلا :ما العيب أن نكون متميزين ومصريين .. ما العيب فى أن أتكلم بلغتى النوبية ,وان اكون مخلصا لوطنى ومحافظا على عروبته ووحدته... أكونى نوبيا أتحدث لغة غير العربية يجعلنى خائنا عميلا؟؟!! .. الحق أن هذة الطريقة فى التعامل أتت بنتائج عكسية تماما .. لو لم نعامل بهذا القمع والإضطهاد الثقافى .. البعد السياسى للقضية ظهر بوضوح عندما تم إلغاء دائرة نصر النوبة ( الدائرة الجغرافية الانتخابية الوحيدة التى تعتبر ذات أغلبية نوبية بما يضمن للنوبيين تمثيل حقيقى فى البرلمان .. برلمان بلدهم ..مصر ) .. تم ضمها لدائرة كوم أمبو لصالح دائرة الزرقا بدمياط ( محاباة لرفعت المحجوب وحتى يضمن دوام تواجده فى المجلس الموقر ) .. من هنا بدأ التجاهل الفعلى للقضية النوبية وبدأ المشكلة فى النمو ..........الجدير بالذكران نظام مبارك لم يترك فئة أو شريحة من شرائح المجتمع المصرى ( اللهم إلا رجال الأعمال ) إلا وأذاقهم الذل والهوان ........ القمع والأضطهاد ........ الظلم والفقر ......... ولكن على الصعيد النوبى وصل الصلف بهذا النظام الجشع إلى حد أن:

1- هناك ما يزيد عن المليار جنية قامت بدفعها الـ FAO منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة من أجل إعادة توطين النوبيين فى موقعهم الجغرافى وبنائ قرى كاملة المرافق لهم .. تم بناء "بعض" هذة القرى ولكن تم تسكين مزارعين من كفر الشيخ وسوهاج والبحيرة .. أما سكان المنطقة الأصليين فلا مكان لهم ( لا نمانع طبعا من وجود غيرنا ولكن يجب أن تكون لنا الأولوية )....

2- تم بيع آلاف الأفدنة للوليد بن طلال فى منطقة توشكى النوبية المصرية وعندما طالب النوبيون بحقوقهم قيل لهم عليكم أن تشتروا الأراضى ( تخيل أن تشترى أرض هى ملكك من الأساس).....

3- فى عهد المغربى (وزيرالإسكان ) قامت الدولة بإستغلال حاجة بعض النوبيين وعرضت عليهم بديلا ماديا عن ال 5 أفدنة والمنزل (75 ألف جنية ) وهو ما يخالف القانون .. حيث أن الدولة ملزمة بالتعويض العينى ( البيت والأراضى) .. ناهيك عن أن لجنة التعويضات فى عهد ناصر كانت تقيم الخسائر بعشر قيمتها بخسا ....

4- نظرا لطبيعة أرض التهجير ( كوم أمبو التى هُجِّر إليها النوبيين فى عهد ناصر ) كانت طبيعتها متغيرة وانتفاشية .. مما ألزم الدولة بعمل ترميم دورى وصيانة للبيوت على نفقتها خشية تهدمها ولكن فى عهد مبارك أقدمت الدولة على إستغلال فطرة النوبيين فى القرى بأن تصرف لهم مقابل ترميم مرة واحدة وهم يقومون بالترميم بمعرفتهم .. مع أن القانون يلزم الدولة بالتعاقد مع شركات الترميم للقيام بهذة العملية دون تدخل الاهالى مطلقا....

5- إختارت الدولة أرض وادى كركر الصحراوية مكانا لبناء منازل بعض التجمعات النوبية الجديدة وهو ممكان غير صالح للبناء لوجودة فى منطقة زلزالية وأختارت وادى الأمل للأراضى الزراعية ( يبعدان عن بعض ما يقرب أو يزيد عن ال 25 كم .. تخيل تعيش فى مجتمع زراعى وتضطر لقطع تلك المسافة يوميا ).... هم يريدون أن يعودوا إلى أرض الأجداد .. على ضفاف النهر الخالد الذى طالما كان شريان حياتنا وحياتهم ولكنهم لا يريدون عودة عشوائية .. لا يريدون أن يعودوا ويجدوا أنفسنا فى صحراء مقفرة بلا مرافق ولا مقومات قيام مجتمع ناجح ومنتج .. يريدون العودة فى إطار خطة تنموية مدروسة .. يريدون أن يعودوا إلى أرض الأجداد ليبنوا لمصر مستقبلا جديدا مشرقا .. يريدون العودة وتحويل بحيرة ناصر إلى دلتا جديدة تسهم فى تنمية وتقدم مصر وسد إحتياجاتها .. زراعيا وسياحيا وصناعيا .. ما العيب أن أعتزوا بهويتهم إذن .. الخوف هو الذى يصنع الأنفصاليين .. لو أعطيت كل أقلية حقوقها داخل إطار الوطن لن يفكروا فى الأضطهاد .. لن يتحدثوا عن القمع ... لن يفكروا ان هذا الوطن يظلمهم .. الظلم هو الذى يصنع الإنفصاليين ( لم يتحدثوا يوما عن إنفصال ولم ولن يفكروا فيه ... مصر هى الوطن .. ولدوا على أرضها .. وسيدفنون فى طيب ثراها ) .. ولكن لهم حقوق لن يتنازلوا عنها .. قبور أجدادهم غارقة تحت النهر .. حضارهم ممحية من تاريخ مصر .. أراضيهم ممنوعون من
العودة إليها .. هذه الحقوق لن يفرطوا فيها أبدا تحت أى ظرف أو مسمى .. وسيناضلون من اجلها ما دامت فيهم روح تتنفس
  من قلم   :  حمدي السعيد سالم

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر