الراصد القديم

2012/02/29

كيف حكم "البعث" سوريا ولبنان؟... "التوريث" في سوريا أنضجه النظام الأمني المشترك في لبنان

من دون تظاهرات ولا تصادمات في الشوارع هبط بشار الأسد على كرسي الرئاسة في عاصمة الأمويين بتوريث "بيولوجي" وعملية إستثنائية أمنية لوجستية، غطّاها نظام البعث وأدارها محمد سليمان وآل مخلوف، ذلك النظام الذي استطاع أن يحكم سوريا في ظلّ حافظ الأسد من وراء القبر الى حين اندلاع الثورة في 15 آذار 2011. ومن لبنان شكّلت التركيبة الأمنية، التي أوجدها النظام الأمني اللبناني- السوري المشترك، سنداً للانتقال الذي بقيت المؤسسات الحزبية بعيدة منه وتحقّق بسوريا وحدها "بقرار جمهوري" وتعديل للدستور لم يحتَج الى أكثر من خمس دقائق. تركيبة كانت المحور والمبادر في التحرك لدعم التوريث وشكلت منظومة الوصاية التي لطالما خنقت اللبنانيين منذ ما بعد الحرب وانتكاسة اللعبة الديموقراطية البرلمانية مع وصول إميل لحود الى سدّة الرئاسة، ومن ثم التمديد له بالتوازي مع التوريث ضمن معادلة أن من يعارض الأول فهو متآمر ضد الثاني ومصيره القتل. المعادلة وضعت في وجه "الحريرية" التي كان العداء لها يومها حاضراً بشكل منهجي، وكان الاسد الابن منذ البدء يرى في هالتها وحضورها في السياسة والاقتصاد خطراً حيوياً عليه.

لخدمة التوريث قُدّم الرئيس "العتيد" على أنه علماني وداعية المعلوماتية. النخب طالبته بان يظهر اختلافه عن والده وانتمائه الى جيل آخر، ذلك الاختلاف الذي حاول اثباته بتسامح أبداه مع "المضافات المدنية" ثم ما لبث ان بدده بسياسة القمع الاولى ضد "ربيع دمشق" على ما وُصف. كثر اعتقدوا أنه سيكون أقلّ جوراً ودموية وهو الآتي من "المدنية" والبعيد من الجيش والعسكر، إلا أنهم ما لبثوا أن اكتشفوا أنهم مخطئون بعدما أظهرت مواقفه أنه ما زال يحافظ على شوكة العصبية الفئوية. عصبية تجلّت بقوة باستخدامه التصفية الجسدية حتى داخل النظام العلوي الحاكم وداخل عائلة الأسد نفسها، ومن ثم بانتهائه بدخول الموقع التبعي في تحالفه مع منظومة "ولاية الفقيه" التي لطالما حرص الأسد الأب على عدم انزلاقه فيه.

نجح "البعث السوريّ" في ما عجزت عنه جميع الأنظمة التسلّطية في الجمهوريّات العربيّة: التوريث. بقي التوريث حلماً لم يتحقّق في العائلات الرئاسية الأخرى. عُدي وقصيّ قُتِلا قبل والدهما. علاء وجمال اعتُقلا مع والدهما. زين العابدين بن علي هرب مع زوجته. مصير "القذاذفة" كان دمويّاً مثلهم. ضاعت جهود علي عبد الله صالح التوريثيّة لنجله أحمد. باختصار شديد، كان "التوريث بقرار جمهوريّ" حديث الساعة في السنوات الماضية، في بغداد أو في القاهرة، في صنعاء أو في ليبيا أو في تونس، إلا أنّ الحالة السوريّة بقيت الإستثناء: في دمشق وحدها استطاع النظام، المتمسّك بأيديولوجيا تصف نفسها بأنّها تقدمية وعلمانية وديموقراطيّة شعبية، أن يؤمّن الغطاء للتوريث، الذي استطاع أن يحكم سوريا، في ظلّ حافظ الأسد من وراء القبر، إلى حين اندلاع شرارة الثورة السوريّة في 15 آذار 2011.

"التوريث"... وتعديل الخمس دقائق

في الوقت نفسه، شكّل الإستثناء السوريّ حافزاً لجميع الأنظمة التسلّطية الأخرى في المنطقة، فالنغمة لم تزحف على البلدان الأخرى بهذا الشكل، إلا بعد أن كان رؤساء الجمهوريّة العرب ينصتون لمحاضرات بشّار الأسد في القمم العربية المتعاقبة، فيستحضر كل واحد منهم صورة نجله أو زوجته، ويقول لنفسه انّه كما ورّث حافظ لإبنه، فلإبني أو لزوجتي الحقّ كذلك، والقمم العربية يمكن أن تتسع لشتى أنواع المحاضرات.

بشّار الأسد كان استثناء من ناحية أنّ التوريث انتقل إليه، ليس بشكل تلقائيّ كما يخيّل للإعتقاد لكن من دون مصادمات في الشارع، ولا تظاهرات رافضة، كتلك التي واجهت بها بعض المجموعات السوريّة الإنقلاب "التصحيحيّ" الذي أوصل والده الى السلطة في تشرين الثاني 1970. بيدَ أنّ التوريث في سوريا لم يحصل مع ذلك إلا بفضل نجاح كوكبة من ضبّاط العصبية الغالبة في النظام، في تأمين غطاء أمنيّ لازم لذلك فور وفاة حافظ الأسد في 10 حزيران 2000، الأمر الذي تعيده مصادر أساسية إلى غرفة عمليات كان يقودها العميد محمد سليمان، وتكفّلت بمراقبة ومنع التقاء أي من العناصر التي كان يمكنها أن تغامر سواء داخل الأجهزة الأمنيّة أو ضمن من يوصفون بأنّهم أهل العصبية الواحدة، وبشكل مركّز "ذوي القربى"، في إفساد الطبخة، طبخة توريث رئاسة الجمهورية العربية السوريّة إلى بشّار الأسد. بفضل هذه التغطية الأمنيّة المتقنة كان ممكناً، في هذا البلد الذي عرف الحيوية السياسية، سلمية أو عنفية، أكثر من سواه، أن يشهد على توريث رئاسة الجمهوريّة للإبن، بعد وفاة الأب، من خلال تعديل الدستور في خمس دقائق، ودون أن يكون النجل وقتها قد احتلّ منصباً أساسيّاً في الدولة أو في الحزب.

وحيث "لا مكان لعفويّة الجماهير" (وهذا لا ينفي أنّ للنظام جمهوره لكنّه تحديداً جمهور لا عفويّة لديه)، أخذ التلفزيون الرسميّ يذيع جلسة طارئة للبرلمان تلا فيها رئيسه آنذاك عبد القادر قدورة نعياً للأسد، وعرض اقتراحاً بتغيير الدستور لتعديل السنّ القانونية للمرشح لرئاسة الجمهورية من أربعين عاماً إلى أربعة وثلاثين عاماً، في حين كان التلفزيون يواصل بثّ مشاهد لجموع تبايع بشّار الأسد.

وفي 11 حزيران 2000، أصدر السيد عبد الحليم خدّام، نائب الرئيس السوري، مرسومين تشريعيين، "بترقية الدكتور العقيد الركن بشّار الأسد إلى رتبة فريق، وتعيينه قائداً عاماً للجيش والقوات المسلّحة".

"عبادة الفرد"... والرواية اللحودية

وهنا، يظهر فارق كبير بين "الحالة" بشّار الأسد، التي نجح نظام العصبية الفئوية والتركيبة الشموليّة في توريثها الحكم، وبين المشاريع التوريثيّة المجهضة في العالم العربيّ. فإذا قارنا مثلاً بحالة جمال مبارك، نجد أنّ مشروع توريث الأخير، اتخذ مساراً انتقالياً، اسمه "لجنة السياسات في الحزب الوطني"، أمّا في حالة الأسد الإبن فبدا الأمر أشبه بهبوط مظليّ على كرسي الرئاسة الأوّلى في عاصمة الأمويين.

بيد أنّ النظام البعثيّ، كان استقرّ على "عبادة الفرد" المطلقة لحافظ الأسد وحده، خصوصاً بعد تخلّص الأخير من مغبّة الوقوع في ثالوث الأخوة، الموقعين ببعضهم البعض، حافظ وجميل ورفعت. و"عبادة الفرد" هذه ليس من السهل توريثها داخل النظام، إن لم يكن هناك "وصيّة" أو "نصّ" من حافظ الأسد يقضي بتوريث بشّار الأسد.

وهنا، ولو كان الأمر رمزيّاً، إلا أنّ من تكفّل بالمهمّة كان الرئيس اللبنانيّ، البشّاريّ جدّاً، إميل لحّود. سيكرّس لحّود، ومعه النظام البعثيّ، الرواية التالية: انّ وفاة الرئيس حافظ الأسد حدثت في أثناء مكالمة هاتفية مع لحّود، وأنّ آخر جملة قالها الأسد للحود قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة كانت: "قدرنا أن نبني لأولادنا مستقبلاً يطمئنون اليه، وواجبنا أن نورثهم أفضل مما ورثنا".

على الأقل، كانت هذه الكلمات، في الرواية اللحودية الدراماتيكية، المعتمدة بعثياً، تستبق تذرّع أي ضابط طموح من داخل الصفوة الحاكمة، بما كان سبق لحافظ الأسد أن صرّح به أكثر من مرّة في عقد التسعينيات. مثلاً، في مقابلته مع مجلة "تايم" في 13 تشرين الثاني 1992، وردا على سؤال حول نيّته التوريث قال: "ليس لدي خليفة. إن من يحدّد الخليفة هم المؤسسات والمنظمات الحكومية والدستورية والمؤسسات الحزبية، وأنا أؤمن أنّها جميعها تتمتع بجذور عميقة نظراً لخبرتها الطويلة الممتدة عبر عشرين أو اثنين وعشرين عاماً، وهي قادرة على احتواء هذا الموقف". اللافت هنا، أنّ "المؤسّسات الحزبية" تحديداً لم تلعب دوراً يُذكَر، ولو ثانويّاً، أو شكليّاً، في تأمين عملية التوريث، وهو ما أوقع البعض في الفترة الأولى في وهم أنّ من طعن مفهوم الجمهوريّة بإنتقال كرسي الرئاسة إليه بهذه الطريقة اللادستوريّة، التوريثية، الفظّة والسريعة والكاريكاتورية والخائفة، لا نعرف من أين "تسلّل"، سوف يكون من نمط جديد، غير بعثيّ، أو إصلاحيّ. ويومها، قدّم الرئيس "العتيد" على أنّه داعية المعلوماتية، وهو وهم سيبدّده لاحقاً فيلم المخرج الراحل عمر أميرالاي "الطوفان في بلاد البعث".

واضح إذاً اليوم أنّ عملية أمنية لوجستية كبيرة استطاعت تأمين "تعديل الخمس دقائق" على هذا النحو، وأنّ الخوف من حدوث أي ثغرة وصل وقتها إلى حدود قياسيّة في أجهزة النظام. هذه العملية الأمنية اللوجستية لعب فيها العميد محمد سليمان من ناحية، وعائلة مخلوف (أقرباء الأسد الإبن من جهة الأم) من ناحية ثانية (تحديداً عدنان مخلوف الذي كان قائداً للحرس الجمهوريّ وأولاده)، دوراً أساسيّاً، فكانوا العين الساهرة لتأمين الطريق أمام الرئيس العتيد، ريثما يشتدّ عوده أكثر، ويصير قادراً على قيادة "الأمة العربية" إلى حيث تقتضي "الرسالة الخالدة".

بهذا المعنى، لا يتناقض القول بأنّ بشّار الأسد جاء بتوريث "بيولوجيّ" مع القول بأنّه جاء بعملية أمنيّة، من الممكن أن تنجلي تفاصيلها التقنية أكثر عندما تفتح ملفّات كثيرة بعد سقوط النظام.

"طبيب العيون"... على طريق التأهيل "البعثي"

لكن ذلك لا يعني أنّ بشّار الأسد كان لا يزال "طبيب العيون" إلى حينه. فبين 21 كانون 1994، تاريخ وفاة شقيقه الأكبر باسل اثر حادث سيارة عن عمر يناهز 32 عاماً، وبين تاريخ وفاة والده في 10 حزيران 2000، كان بشّار الأسد قطع ست سنوات من "التأهيل البعثي"، وذلك على مستويين: المؤسسة الأمنية الداخلية، وتأمين تركيبة أمنية مساندة له إنطلاقاً من النظام الأمنيّ اللبنانيّ ـ السوريّ المشترك الذي كان يشكّل منظومة الوصاية السوريّة المطبقة على اللبنانيين بشكل شامل، منذ انتكاسة اللعبة الديموقراطيّة البرلمانيّة اللبنانية الهشّة أساساً بعد الحرب، إنّما التي تعرّضت لضربة كبرى، بوصول إميل لحّود، إلى سدّة الرئاسة، في خريف 1998، بخطاب بونابرتيّ إستفزازيّ، يشكّل حركة مضادة لعملية الإعمار وإعادة تشغيل الإقتصاد اللبنانيّ من ناحية، وحركة مضادة للعبة الديموقراطيّة البرلمانيّة اللبنانيّة على هشاشتها، كما قلنا، تلك الهشاشة التي برّر بها إميل لحّود والنظام الأمني، حملتهما على ما أسموه يومها "الطبقة السياسية اللبنانية".

عُجِنَ بشّار الأسد في هاتين المدرستين بين العامين 1994 و2000: تجاذبات مراكز القوى داخل سوريا، والتركيبة التي كانت تلتقي خيوطها على الثنائيّ إميل لحّود وجميل السيّد في لبنان، وهو ثنائي يستكمل سوريا بالنظيرين، رستم غزالي وجامع جامع. صحيح أنّه عندما نتحدّث عن "نظام أمنيّ مشترك" ينبغي عدم طمس علاقة التبعية الشديدة، والمذلّة، التي تربط المسؤولين اللبنانيين فيه بالمسؤولين السوريين عليهم، إلا أنّه، وفي الوقت نفسه، كان الفريق اللبنانيّ ضمن هذه المنظومة، محوريّاً، ومبادراً، في التحرّك لدعم التوريث لبشّار الأسد. من هنا، كان من تحصيل الحاصل بعدذاك أن يتقاسم بشّار الأسد مع هذا الفريق الأحقاد نفسها، والضغائن نفسها. أيّ أنّه بالمستطاع القول، انّ "العداء للحريريّة" على وجه التحديد، كان حاضراً بشكل منهجيّ منذ نهاية التسعينيات في هذا الفريق الرئاسيّ الذي سيشكله بشّار الأسد، وأنّ الأسد الإبن كان ينظر إلى الحريرية منذ البدء، وتحديداً إلى الهالة التي يشكّلها الحضور السياسيّ والإقتصاديّ للرئيس رفيق الحريريّ، على أنها خطر حيويّ عليه. وفي الأساس، كانت هذه محاولة من بشّار الأسد وفريقه، للهروب إلى الأمام من المشكلة الأساسية التي بدأت تعترضهم، ولو بدأت بأشكال خافتة في حزيران 2000، وهي أنّ الشعب السوريّ "لم يبلع" الطريقة الكاريكاتوريّة التي عدّل بها الدستور للإتيان بالإبن خلفاً للأب، ولو أنّ "المضافات المدنية" التي سيتسامح معها الإبن نسبياً، وجزئياً، لأشهر قليلة، قبل أن يباشر سياسة قمعه الأولى، ضد "ربيع دمشق" كما كان يوصف آنذاك، كانت مضافات وأندية من النوع الذي يطالب الإبن بـ"الغاء حالة الطوارئ" وبإعادة مناخ الحريات والتعدّدية شيئاً فشيئاً إلى النخب ثم إلى البلد، أي بمعنى آخر كانت تطالبه بأن يظهر اختلافه عن والده، أي أن يظهر أنّه محكوم ليس فقط بثوابت انتمائه إلى عشيرته وعصبيته، وإلى تاريخ دمويّ بلغ ذروته في مجازر حماة 1982، بل أن يظهر أنّه ينتمي إلى جيل آخر.

لكن من كان ليرصد مسيرة الشاب آنذاك (مواليد 1965) منذ البدء، ما كانت لتخدعه حكاية "طبيب العيون" الذي سيتزوّج بالحسناء البرجوازية أسماء فواز الأخرس (المولودة عام 1975)، ابنة الطبيب المعروف المقيم في لندن، كاسراً بذلك القيود الطائفية أو المذهبية، رغم اعتراض والدته وشقيقته وربعه.

صورة "الجزار" بانت سريعاً

هذه اللوحة الزاهية ستنجح في خلق أوهام كثيرة لفترة غير قليلة حتى عند الكثيرين، ممن كان يراهن على أنّ التجربة اللندنيّة، الطبية والعاطفية فضلاً عن المناخ الثقافي العام، ستجعل الرئيس الجديد لسوريا بعيداً كل البعد عن شلالات الدمّ التي شكّلت تاريخ التجربة البعثية في سوريا، أو تاريخ نكبة سوريا بالبعث. كثيرون اعتقدوا أنّ مدنيّاً يجري إقحامه في الجيش فجأة، ويرفّع الرتب على نحو إعتباطيّ، سيكون أقل وطأة وجوراً وعنفية ودمويّة من الذين تمرّسوا في الإنقلابات، وتنقّلوا بين "اللجان العسكريّة السريّة" و"مجالس قيادة الثورة" و"المحاكم الثوريّة". وكم كانوا مخطئين.

ومع أنّ نيقولاوس فان دام كان نشر كتابه "الصراع على السلطة في سوريا" قبل بضع سنوات من وفاة حافظ الأسد، إلا أنّه كان من أوائل من رصد الصورة المتعنّتة لبشّار الأسد، قبل أن يتقلّد الأخير أي منصب رسميّ. يعيدنا فان دام إلى اللحظة التي غطى فيها الإعلام الرسمي بشكل واسع عملية تقلد بشّار المهام التي كان يقوم بها شقيقه باسل قبل وفاته. وهكذا تخرّج بشّار الأسد في 17 تشرين الثاني 1994، أي في ذكرى الحركة التصحيحية، رسمياً من الكلية العسكرية في حمص التي التحق بها مباشرة بعد مصرع باسل. وحصل طبعاً على المركز الأول بين دفعته، في حين حصل "على المركز الثاني قريب بشار وهو ابن عدنان مخلوف قائد الحرس الجمهوري". يقول فان دام، انه بدا آنذاك "وكأن جيلاً من الشباب (العلوي) الذي يتكون جزئياً من أبناء وأقارب اللواءات العلويين كان في طريقه إلى التكوين ليخلف داخل القوات المسلحة والمخابرات وفروع الأمن عامي 1994 و1995".

في الوقت نفسه يلمّح فان دام إلى أنّ ذاك تضمّن أيضاً "بعض العناصر المحتملة لنشوب نزاعات بين الأجيال داخل المجتمع العلويّ"، وهو يضع في هذا الإطار تصادم بعض كبار ضباط الجيل السابق، مع بشّار الذي كان لم يبلغ الثلاثين عاماً آنذاك، وهو ما حدث تحديداً للواء العلوي علي حيدر، الذي اعتقل مع آخرين لفترة في صيف 1994.

لكنّ ما بات واضحاً أكثر اليوم، هو أنّ بشّار الأسد استعاد من أخيه باسل مسألة الترويج لنفسه تحت مسمّى الإصلاح ومحاربة الفساد، إنّما ما كان يندرج عند باسل الأسد ضمن طقوس معيّنة لتشكيل جيل عسكريّ أمنيّ جديد يتمكّن من خلافة الجيل القديم، ويحافظ على شوكة العصبية الفئوية إيّاها، إنّما بعد أن يعيد الحيوية إليها، صار يندرج بشكل أكثر مباشرة مع بشّار الأسد، على أساس "المعادلة المخلوفية الأسديّة". أي أنّ مركز النظام سينزاح تماماً من "ذوي القربى" بمعنى حافظ وجميل ورفعت وكامل الدائرة، ليستقرّ في عائلة رئاسية محدّدة، تشكّل عقدة الوصل البيولوجية بينها، زواج حافظ الأسد من أنيسة أحمد مخلوف. لكنها عقدة الوصل.. الأيديولوجيّة أيضاً.

فالمعروف أنّ السيدة أنيسة تزوّجت حافظ الأسد رغم معارضة عائلتها، رغم انتمائهما للطائفة نفسها. وذلك بسبب من التحزّب "القوميّ الإجتماعيّ" عند آل مخلوف. إلا أنّ ما سيحصل بنتيجة هذا الزواج هو تزاوج البعث السوريّ، في صيغته الفئوية الشموليّة، الطائفية ثم العائلية، مع كثير من رؤى وتصوّرات القوميين الإجتماعيين. الأمر الذي يجعل من هذا البعث، خصوصاً في المرحلة البشّارية، بعثاً قوميّاً إجتماعيّاً، على الصعيد العقائديّ، وأسرة حاكمة "مخلوفية أسديّة"، قد لا يظهر إختلافها عن سياسات حافظ الأسد بالشكل الذي سيظهر فيه في أسلوب إدارتها للصراعات داخل الطائفة العلويّة.

فالأسد الأب كان يحاول التخفيف من إراقة الدماء ضمن هذه الطائفة، كما كان يميل للتخفّف، أو ابعاد كل من يغامر بجعل الطائفية علنية، ومجاهر بها، في حين أنّ من المطلوب، كي يبقى النظام واقفاً على قدميه أن تكون هذه طائفية سرّية.

وفي المقابل، الأسد الإبن لم يتورّع في استخدام التصفية الجسديّة حتى داخل الطاقم العلويّ الحاكم، تحديداً مع حالة غازي كنعان، لكن أيضاً في حالة محمد سليمان. كما أنّه ما كان بمستطاعه استيعاب أولاد عمومته، سواء أبناء جميل أو رفعت، وتحديداً في ما يتّصل بالنفوذ على مرفأي اللاذقية وطرطوس.

أمّا على صعيد المسألة الطائفية، فقد ذهب بشّار الأسد بعيداً على الصعيد الشخصيّ، بزواجه الجريء مذهبياً من أسماء الأخرس، رغم اعتراض والدته وشقيقته، إلا أنّ هذا المسلك العلمانيّ على الصعيد الشخصيّ شيء، ودخوله أكثر فأكثر، ومن موقع تبعيّ، في تحالف مع منظومة "ولاية الفقيه" التي يقودها نظام الملالي في طهران شيء آخر. وبنتيجة هذا التحالف التبعيّ، كان من الطبيعيّ أن يشعر الشعب السوريّ مجدّداً بالمسلك الفئويّ، المذهبيّ، المقلق، للطاقم الحاكم، ولو كان التعبير الأوّلي عن هذا القلق هو الأحاديث الكثيرة التي صار يرويها السوريّون في السنوات الخمس السابقة على اندلاع الثورة، حول "التشييع المنظّم" التي تمارسه ايران في أحياء من دمشق وغيرها. ويقيناً أنّ معظم هذا مبالغة، لكنّه يشي دون أدنى شك، بانزلاق فئويّ مذهبي كبير للنظام في مرحلة بشّار الأسد، الأمر الذي يعود إلى معطيين أساسيين: نشأة العائلة "الأسدية المخلوفية الجديدة" من جهة، والتحالف مع ايران ولاية الفقيه من موقع التبعية من جهة ثانية.

وهنا أيضاً، تجدر العودة إلى لبنان، وما شكّله هذا البلد في مرحلة "إعداد" بشّار الأسد لـ"الخلافة"، التي هي توريث بتغطية أمنية محكمة. فعلاوة على صعوده داخل المؤسسة الأمنية الحاكمة التي استدعي إليها بعد وفاة شقيقه، وهو صعود اتسم أساساً بتصليب عود "العائلة الأسدية المخلوفية المشتركة"، كان النظام الأمنيّ اللبنانيّ السوريّ المشترك ممرّاً أساسيّاً لتمكين التوريث السوريّ من أن يتمّ. وبهذا المعنى، لعب فرض هذا النظام الأمنيّ لإميل لحود رئيساً للجمهورية اللبنانية عام 1998، دوراً عضوياً في تأمين السبيل لوصول بشّار الأسد إلى الرئاسة بعد وفاة والده، ثم عادَ التوريث السوريّ فأراد أن يترجم نفسه لبنانيّاً، فاستبقته انتخابات آب 2000 التي ألحقت هزيمة كبيرة بالنظام الأمنيّ، ثم كان نداء مجلس المطارنة الموارنة مطلقاً عملية استعادة السيادة اللبنانية، وبعده إعادة تموضع "قرنة شهوان"، وانطلاقة الحركة الإستقلالية المتعدّدة الأوجه والأطر والمستويات، فكانَ أن كشف "طبيب العيون" مبكراً عن تعطّشه للقمع الدامي، من طريق أعوانه اللبنانيين، كما في ضربة 7 آب 2001، لكنّ الأخطر من ذلك كانت المعادلة التي أوجدها في خريف 2004: التوريث سوريّاً يعني التمديد في لبنان، ومن يعارض التمديد في لبنان يتآمر ضدّ التوريث في سوريّا، ومن يتآمر بهذا الشكل يُقتَل.

إنّ التوريث في سوريّا كانَ، منذ البداية، وبالاً على السوريين واللبنانيين، وندر من كان يعرف ذلك منذ البدء. لكن يروى، أنّ البعض كان يتهامس، أثناء مراسم جنازة الأسد الأب حول المصيبة التي تنتظر البلدين، في زمن بشّار وماهر وآصف وآل مخلوف.
وسام سعادة::

"المستقبل"

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر