الراصد القديم

2012/02/04

قطع العلاقات مع روسيا أصبح ضرورياً لحماية شعب وأطفال سوريا

إن الصراع على المصالح من الممكن معالجته أو تجاوزه بتعديل اتفاقية أو بتطوير تفاهم أو نص وثيقة، كما أن التباين حول قراءة أحداث سياسية تجري هنا أو هناك قد يتم تخطيه بعد إجراء مراجعة موضوعية للأسباب والنتائج والتداعيات. والخلاف بين الطوائف والأعراق والإثنيات والمذاهب قد يتم تصويبه بتعزيز روح المواطنة وتعزيز الانتماء الوطني بين جميع أبناء الوطن الواحد. ولكن نزيف الدم وسلوك سبيل القمع والبطش والقتل والتشريد يؤسس لأزمة صعبة وطويلة يتطلب علاجها مرحلة طويلة من الدراسة والتفسير والصبر والمراجعة وتحميل المسؤوليات ومعاقبة المسؤول عن ارتكابها، وقد يأخذ هذا الدرب سنوات طويلة، وقد يتطلب تعاقب أجيال ليطوي النسيان هذه الأحداث، لأن الانقسام بين مكونات المجتمع ليس من السهل معالجته، واستغلال الطائفية سلاحاً للاستعداء أو للاستقواء أو للاستنهاض هو ذو حدين فمن السهل استغلاله ولكن من الصعب وضع حدٍ له ووقفه حين يشاء من استنفذ استعماله.

وهذا ما يجري في سوريا اليوم، حيث يقدم نظام الأسد نفسه من خلال بعض الإعلام المؤيد له في لبنان وإيران وروسيا على انه نظام علماني يواجه هجمة طائفية، مع التأكيد على أن استمرار الأسد في الحكم هو ضرورة للأقليات التي تنعم بالعيش في كنف الضمانات التي يقدمها لها هذا النظام العلماني، ويؤكد الأسد في معظم خطاباته ولقاءاته أن نظامه لا يلتفت للمصالح الطائفية والمذهبية بل هو نظام يقدم الانتماء الوطني على الديني ويرعى كافة المواطنين في سوريا. ولكن في لقاء الأسد الأخير مع أحد حلفائه في لبنان، ناقض الأسد نفسه وفضح سلوكه حين خرج هذا الأخير ليقول: (قال وئام وهاب اثر عودته إلى بيروت "أكد الرئيس الأسد المحافظة على وجود الطائفة الدرزية في المشرق العربي، مشيدا بالدور الوطني والقومي الذي لعبته ماضيا وتلعبه اليوم والتاريخ خير شاهد على انجازاتها، مضيفا أن سوريا تكن المحبة لجميع أبنائها دونما تمييز أو استثناء"). لو كان هذا الكلام صحيحاً لما قام النظام السوري وبوحشية باغتيال الزعيم الدرزي المرحوم كمال جنبلاط في عام 1977، في منطقة الشوف اللبنانية. ولكن هذا النظام كما يبدو لا يعرف التعاطي مع مكونات الشعب السوري واللبناني إلا باعتبارها مجموعات وطوائف ومذاهب يقوم بتحريضها على بعضها البعض واستعداء إحداها على الأخرى مستنداً لوقوف بعض الأشخاص ممن يعطيهم الإعلام الموالي لهذا النظام في سوريا ولبنان حجماً يتجاوز حجمهم الحقيقي ودوراً لا يتناسب أبداً مع طاقاتهم وقدراتهم وجمهورهم.

ولذلك جاء هذا الكلام الذي نقله وهاب على لسان الأسد رسالة تحريضية لبث الفرقة والشقاق بين مكونات الشعب السوري وكذلك اللبناني، ولإعطاء الانطباع بأن بعض القوى في سوريا إنما تؤيد الأسد من منطلق الخوف الطائفي والقلق المذهبي، وإلا لكان مضمون الكلام مختلف تماماً ولكان يتضمن كلاماً وطنياً جامعاً، ولكن هذا ما لا يعرف استعماله النظام المتهاوي في دمشق ولا حتى حلفاء هذا النظام في لبنان وكذلك إيران والعراق. لذلك يسعى البعض لإعطاء الثورة السورية طابعاً طائفياً ومذهبياً يبرر للنظام الاستمرار في إتباع سياسة القتل والإبادة، ويعمق لدى بعض المكونات الطائفية الشعور بالخوف من قابل الأيام في حال حصل التغيير وسقط النظام الأسد. وهذا يؤكد أيضاً أن الأسد وأتباعه في لبنان يتعاملون مع المواطنين على أنهم مجموعة مكونات لكيان لا شعب واحد يحمل هوية وطنية واحدة مهما اختلفت انتماءاتهم.

من جهة أخرى أعلن مركز «كاست»، وهو أحد أبرز مراكز أبحاث الدفاع والأمن في روسيا، "إن موسكو قد تخسر عقودا عسكرية بمليارات الدولارات إذا أطيح بالأسد من السلطة". إذاً المسألة لدى النظام الروسي ليست مصالح الشعب السوري، ولا الحرص على منع التدخل الدولي في الشأن السوري، ولكنها لعبة المصالح التي تسمح لصاحب حق النقض في مجلس الأمن (الفيتو) من استعماله في حماية نظام يقتل شعبه ويستبيح دماء أطفاله ويشرد سكانه ويهجر مواطنيه، والسعي لإقناع نظام روسيا بالعدول عن هذا الموقف هو سلوك غير أخلاقي يقوم على إعطاء وعود بتامين وحماية مصالح روسيا في سوريا على حساب دم الشعب السوري اليوم وعلى حساب نمو وتطور وازدهار الاقتصاد السوري في المستقبل، إذ إن العقود السورية الحالية مع نظام روسيا هي عقود شراء أسلحة تستعمل اليوم كما استعملت بالأمس في قمع وقتل الشعب السوري وحماية نظام العائلة الحاكمة حالياً منذ ما يقارب الأربعة عقود..

إن استمرار نزف الدم السوري على يد نظام الأسد هي مسؤولية أخلاقية وجنائية وقانونية وجريمة ضد الإنسانية يتحمل مسؤوليتها كل من ساهم في حماية هذا النظام وأعطاه وسائل الدعم المادي من مال وسلاح والمعنوي من دعم إعلامي وسياسي، وهذا ما يجب أن يدركه ليس فقط النظام الروسي الحاقد على سوريا وشعب سوريا والأمة العربية، بل حتى القوى السياسية في لبنان وإيران والعراق وبعض القوى الفلسطينية، التي تروج إعلامياً لحق بشار الأسد في قتل أبناء شعبه والتنكيل بهم، ولقدرته كما حقه على معاقبة كل من يرفض سلطته وحكم عائلته ومجموعته باسم المقاومة والممانعة وحماية الأقليات.. لذلك فإن على الدول العربية اليوم مسؤولية كبيرة تفرض عليها التصرف بمسؤولية تجاه الشعب العربي السوري الذي يعاني من البطش والقتل كل لحظة، كما أن على هذه الدول أن تدرك أن سياسة الحوار مع روسيا هي عملية منهجية لشراء الوقت، كما مضيعة للجهود، وهذا يعطي نظام الأسد مزيداً من الوقت ليقتل المزيد من أبناء شعبه ويزرع الفتنة بين مكونات سوريا وامتداداً إلى لبنان، وإلا فما معنى تصريحات السفير السوري في لبنان ووزير خارجية لبنان عدنان منصور المؤيدة لنظام سوريا وممارساته ومواقف حزب الله وبعض الأحزاب التابعة لهذا المحور، لذا يجب على الدول العربية اليوم قبل الغد إظهار جديتها وحزمها في معالجة الشأن السوري والإعلان عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع روسيا وكل دولة وكيان ومجموعة وحزب تؤيد هذا النظام الذي يمارس سياسة القتل ويدفع المنطقة نحو أتون فتنة طائفية ومذهبية يروج لها أتباعه والمستفيدين من وجوده وسلطته في سوريا ومحيطها.

حسان القطب

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر