الراصد القديم

2012/02/08

الجزائر: التغيير والتوريث وجها لوجه!

عرف الجزائريون مطلب التغيير منذ الأيام الأولى للحكومة المؤقتة وفي بدايات مرحلة بناء الدولة الجزائرية المستقلة. وبحجة الشرعية الثورية، التي كان لها الفضل في تحقيق الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، جوبه ذلك المطلب الملح بأدوات التوريث، التي لم تكن بالضرورة توريث للأشخاص بقدر ما هي استنساخ للسياسات والإستراتيجيات وتدوير للمناصب والأدوار.

و تستمر المواجهة بين تياري التغيير والتوريث في جميع المراحل وعلى أكثر من صعيد، ليصبح ذلك جليا بعد دخول المجتمع الجزائري في تسعينيات القرن الماضي أتون حرب كادت أن تعصف بمقومات وجوده ومتطلبات استمراره، لولا بروز أصوات عاقلة وآراء رشيدة وضعت على عاتقها تقديم مبادرات للخروج من الأزمة بعد تشخيص لمواضع الخلل وأسباب الانتكاس والفشل التي أعقبت سياسات تكريس ديمقراطية الواجهة التي شرع فيها أصحاب التوريث تحت ضغط أحداث تشرين أول /أكتوبر 1988.

ومع بداية ثورات الربيع العربي يمكن رصد ثلاث مبادرات تغييرية جادة نذكرها حسب ترتيبها الزمني، الأولى ما جاء في رسالة الفقيد عبدالحميد مهري، والتي أرسلها إلى رئيس الجمهورية بتاريخ 2011/02/16، والثانية ما اشتملت عليه رسالة الرمز التاريخي حسين آيت أحمد "من أجل بديل ديمقراطي وسلمي، الحق في التمتع بالحقوق" المؤرخة بتاريخ 2011/03/22، والثالثة ما ورد في بيان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بتاريخ 2011/03/29.

إتفقت المبادرات الثلاث على تشخيص مشترك لمعالم الفشل في معركة بناء الدولة الديمقراطية، التي تمخضت عن أعظم ثورة تحريرية في القرن العشرين، ففي حين ترى رسالة المرحوم مهري أن سياسة الإقصاء التي ينتهجها نظام الحكم منذ الاستقلال في بناء الدولة الجزائرية، ابتعدت عن الروح الجامعة التي تضمنها بيان أول تشرين ثاني/نوفمبر 1954، وأنه بسبب عقيدة التوريث، كان لون ذلك النظام في جميع مراحله واحد لا يتغير بتغيير الأشخاص، وتضيف الرسالة "أن غالبية الجزائريين يعتقدون أن نظام الحكم القائم عندنا غير وفي لمبادئ الثورة الجزائرية وتوجهاتها، وأنه لا يسد ظمأهم للنزاهة والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي ضحى الآلاف من أبنائه في سبيلها." يرى البديل الديمقراطي الذي تضمنته رسالة الرمز آيت أحمد أنه "بمجرد أن حقق الشعب الجزائري استقلاله واعترفت السلطة الاستعمارية بذلك، حتى حل مكانه نظام قمعي، لم يتردد ولم يتأخر في مصادرة هذا التحرر، فدفن الأحلام الديمقراطية المتمثلة في الحقوق والحريات". وفي مقابل ذلك التشخيص ذهب بيان الجمعية إلى اعتبار"أن الأزمة التي تمر بها الجزائر هي أزمة حضارية أكثر مما هي سياسية واقتصادية، وهذا بسبب الانحراف عن قيم ومبادئ أول نوفمبر التي تنص على إقامة دولة جزائرية ديمقراطية اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية".

وإذا فشل فريق التوريث-باعتراف رجاله- في بناء المجتمع الجزائري المنشود بعد نصف قرن من الاستقلال، فإنهم، ولمسيارة للأوضاع والمتغيرات المحلية والإقليمية، وتكريسا للأجواء التعددية، فقد تقدموا للشعب بإصلاحات سياسية تعقبها انتخابات تشريعية في آيار/مايو 2012 وأخرى رئاسية خلال 2014، في مقابل ما يطرحه التغييريون من برامج ومشاريع حصل عليها الاجماع وتهدف إلى التحول السلمي الديمقراطي من الشرعية الثورية والتاريخية إلى شرعية الصندوق الشعبية والدستورية، بعد فتح نقاش وطني يتطرق إلى جميع جوانب الأزمة، وتشارك فيه كل الأطراف والأحزاب السياسية دون إقصاء أو تمييز، ويفضي إلى تبني عقد إجماع وطني، تكون فيه المواطنة والكفاءة والمساواة أمام القانون عناوين لنظام حكم جديد يكون فيه الشعب الجزائري معتز بماضيه ومطمئن لمستقبله.

عبد الحميد فطوش

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر