الراصد القديم

2012/02/29

حين يؤيد تجمع العلماء المسلمين في لبنان الأسد عندما تنهش أنيابه لحم الشعب السوري

التضامن والإحساس مع الأخر، والشعور بضرورة الوقوف إلى جانب كل مظلوم ومقهور ومغبون، هو موقف إنساني وواجب أخلاقي قبل أن يكون واجباُ دينياً، ولا يمكن أن نعتبر أن ما يجري في هذا الوطن أو ذاك له ما يبرره حتى إذا كنا نتفاعل أو نتضامن أو نتعاون مع هذا النظام أو ذاك.. بل وحتى إذا كان يجمعنا معه قواسم فكرية أو دينية أو توجهات سياسية مشتركة. كذلك ولنفس الأسباب لا يمكن اعتبار أن هناك قضية أكثر أهمية من قضية أخرى أو أن شعباً يجب أن يعاني نيابةً أو وكالةً عن شعبٍ أخر.. ولا أن دماً أكثر أهمية أو قدسية من دمٍ سواه.. فكل دمٍ يسال ظلماً هو جريمة، وكل قتلٍ لبريء هو عدوان على نفسٍ بشرية، وكل هدمٍ لأماكن عبادة هو اعتداء على مقدسات وكل حرقٍ لكتاب ديني هو إساءة لدين واعتداء على حرمات.. والأطفال والنساء والعجز في كل مكان وفي أي بلد ولأي دينٍ انتموا، ومهما كان لون بشرتهم أو معتقدهم أو عرقهم، كل هذه الأسباب لا تبرر الاعتداء عليهم، بما في ذلك الرغبة في حماية نظام ورعاية سلطة والحفاظ على خط استراتيجي أو أي مشروع معين مهما كانت عناوينه براقة وشعاراته جذابة. فكل تأييد لجريمة هو فعل شراكة في ارتكابها، وكل عونٍ ودعمٍ ولو باللسان لمجرم هو بمثابة تحريض على القتل. ولكن يبدو أن البعض في لبنان والعالم العربي من أتباع نظام إيران ورعاة ودعاة مشروعها مستعدون لتبرير وتمرير وتفسير بأن كل ما يجري من جرائم حرب يرتكبها النظام السوري بحق أبناء شعب سوريا، هي تحت عنوان الدفاع عن خط المقاومة الممتد من طهران إلى حارة حريك عبر بغداد ودمشق..

لذلك لا يرى بعضهم حرجاً في الخطابة من على المنابر والتصريح عبر الوسائل الإعلامية وإطلاق البيانات والتصريحات الصحفية دفاعاً عن ممارسات هذا النظام والدفاع عن سلوك حزب أو فئة وعائلة، وإعلان إدانة كاملة لشعب وجمهور جريمته انه يطالب بحقه في أن يعيش بكرامة وان يحظى باحترام رغبته في اختيار قادته والانتخاب بحرية في ظل دولة ديمقراطية تعددية.. فقد ورد مؤخراً في بيانٍ وزعه تجمع العلماء المسلمين في لبنان، الذي يفترض فيه (التجمع) أن يكون مثال الالتزام بالأخلاق والقيم والمبادئ الإسلامية والإنسانية ونبذ الفرقة والصراعات بين مكونات الأمة، ما يلي: "في الوقت الذي يجتمع فيه حلفاء أميركا في تونس للبحث في خطة تقضي على النظام الوحيد (سوريا) الذي بقي ممانعاً ومقاوماً ورافضاً لحلولهم التخاذلية". وورد فيه أيضا: "ألم تهز ضمائرهم ونخوتهم صرخة تلك المرأة في القدس التي تطلب الحماية؟! ألم يؤلمهم إضراب المجاهد خضر عدنان عن الطعام حتى كاد يستشهد؟"!

نعم لقد هزت ضميرنا صرخة تلك المرأة في القدس وكذلك إضراب المجاهد عدنان دون شك، ونشعر بالغضب والقهر لعجزنا عن مساعدتهما تماماً كما نشعر مع نساء وأطفال وعجائز وشيوخ سوريا ومعتقلي سوريا، وكما صدمتنا أيضاً مشاهد وصرخات المعذبين من نساء وأطفال مدينة حمص وسائر مدن سوريا الجريحة جراء قضمات أنياب الأسد الذي بات يتغذى ويقتات يومياً من لحم شعبه ويشرب من دماء أبناء سوريا، وهي للمفارقة المشاهد عينها التي نراها في فلسطين المحتلة من النهر إلى البحر؟ ولكن ماذا فعل نظام الممانعة في دمشق وطهران لحماية شعبه من هذه الممارسات وكذلك دفاعاً عن تلك المرأة في القدس؟ مع العلم أنه لم يتبجح يوماً أي نظام عربي ممن يطلقون عليهم دول الاعتدال بأنه سوف يقوم بتحرير فلسطين أو أنه رفع شعارات فضفاضة كتلك التي رفعها الأسد وأتباعه وأسياده؟ ولكن يبدو أن تجمع العلماء في لبنان، يريدنا أن نشعر ونرى باتجاهٍ واحد وبعينٍ واحدة، وأن نتجاهل صرخات النساء والأطفال في سوريا. وهل معاناة المرأة في القدس مختلفة عن تلك المرأة المعذبة في حمص ودمشق ودرعا؟ إذا كانت المشاعر الإنسانية واحدة فعلينا أن نتحسس آلام وجراح كل معذب وان نسمع صراخ كل متألم، وإذا كان جيش الاحتلال مستقر في فلسطين لضعفٍ فينا، فلا يبرر هذا لأي نظام أن يتحكم بمصير شعبه كيفما يريد وان يعذب مواطنيه باعتبار أن المواجهة مع المحتل أولوية وأنه أقوى من شعبه.. وإذا كان لهذا (التجمع) أن يستغل بقراءته هذه تصريحات معينة لخدمة مصالح فئوية لتعميق الانقسام والخلل في ساحتنا الوطنية والعربية، فها هو التجمع يتجاهل كلام أحمد جنتي عضو "مجلس الخبراء" الإيراني، المختص بمهمة تعيين وعزل المرشد الأعلى للجمهورية إيرانية، حين قال خلال خطبة الجمعة في طهران: "على الشيعة العرب الدخول إلى سوريا والجهاد إلى جوار النظام السوري حتى لا تقع سوريا بأيدي أعداء آل البيت". وكان علي أكبر ولايتي، المستشار الدبلوماسي للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، قد أكد أن نظام بشار الأسد "لن يسقط" على الرغم من التكهنات الغربية والدعم الذي يقدمه الأميركيون والعالم العربي للثورة في سوريا. وأضاف: "بمساعدة العرب استهدفت الولايات المتحدة النقطة الأكثر حساسية في محور المقاومة (ضد إسرائيل)، ونسيت أن إيران والعراق وحزب الله يدعمون سوريا بحزم".وأشار أيضاً إلى دعم روسيا والصين لنظام دمشق. وتابع إن "طهران ستواصل دعم الحكومة السورية، وستعارض الذين يتحركون ضدها".

يبدو أن جنتي واكبر ولايتي لم يسمعا صراخ تلك المرأة في القدس كما سمعها أعضاء التجمع، ولكن يبدو أنهم جميعاً قد سمعوا صراخ الأسد وهو يتألم من شدة انتفاضة شعبه في سوريا.. وإضافةً إلى تجاهل هذين القياديين في السلطة الإيرانية لقضية فلسطين ومعاناة أهلها، فقد أعطيا إلى جانب بيان تجمع العلماء المسلمين الصراع في سوريا أبعادا خطيرة:

- البعد الديني، وذلك حين دعا جنتي الشيعة لنصرة نظام الأسد حتى لا تقع سوريا في أيدي أعداء آل البيت مستعيداً بهذا وقائع وأحداث الصراع الذي وقع قبل 14 قرناً بين أمير المؤمنين علي والخليفة معاوية؟

- البعد القومي، وذلك حين اعتبر ولايتي أن طهران عاصمة الدولة الفارسية لن تسمح بسقوط الأسد وخسارة سوريا وهي الدولة العربية؟

- تبرير التدخل الدولي، وذلك حين أشار ولايتي إلى دعم روسيا والصين، لنظام بشار الأسد، في موقف يعبر عن دعم النظام السوري في قمعه لشعبه ووأد رغباته ودفن مستقبله ومنعه من تحقيق طموحاته برعاية دولية؟

- استعمال قضية فلسطين، كغطاء لتبرير جرائم وممارسات، إلى جانب إطلاق وعود ومعاقبة شعوب، وتجاهل معاناة والتركيز على أخرى، رغم أن المعاناة واحدة والألم واحد والضحايا أرواح بشرية بريئة.

- إن الحديث عن إصلاح وتطوير النظام السوري، هو مجرد كلام استهلاكي لشراء مزيد من الوقت وتحقيق المزيد من القمع وإنزال خسائر بشرية جسيمة تمهد لاستمرار حكم سوريا من قبل العائلة الحاكمة عقوداً أخرى.

- إن تساؤل بيان تجمع العلماء، عن الساحات الجاهزة للتحرك باتجاه فلسطين، هو في غير محله على الإطلاق، وهل كانت ساحة نظام سوريا وحتى اليوم في لبنان متاحة ومفتوحة لممارسة فعل المقاومة ونصرة شعب فلسطين؟ أم أنه يتم اتهام الأصوليين والجهاديين بإطلاق الصواريخ وخرق الهدنة؟

- لماذا جاء كلام تجمع العلماء عقب كلمة نصرالله وهما بالمناسبة متطابقتان لجهة الإشارة لمؤتمر أصدقاء شعب سوريا في تونس ومهاجمة مفتي السعودية، وكأن معركة تحرير فلسطين لا بد أن تمر من القطيف في المملكة السعودية، وعبر جزيرة سدرة في البحرين.. بعد تدمير درعا وحمص؟ وهذا معناه أن تجمع العلماء جزء من تركيبة ومنظومة حزب الله وليس مؤسسة وحدوية كما يتم الترويج لها؟

من المؤسف أن يستمر البعض في ممارسة سياسة الاستقواء بالسلاح، والترهيب بالتكفيريين، وزرع بذور الفتنة والشقاق بين مكونات الوطن وعائلاته الروحية، والتلطي خلف قدسية القضية الفلسطينية، واستغلال معاناة الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل والشتات والمخيمات، لتبرير الظلم وحماية أنظمة، وقمع الشعوب.. وكأن للظلم هوية..؟؟ ليحترم هؤلاء المعممين في هذا التجمع دماء الشعب السوري النازفة، وآلام الأطفال وجراح الشيوخ وصرخات الأمهات وعذابات المعتقلين، وحسرة العائلات على أبنائها المفقودين ظلماً في غياهب أقبية نظام الإجرام..وليتذكروا أن الثورة لا يمكن أن تنطلق إلا من رحم الظلم والقهر، وأن ربيع النصر والتغيير في سوريا لا بد آتٍ..

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر