الراصد القديم

2012/02/26

اعادة تشكيل نظم الحكم في الشرق الأوسط

في قراءة تحليلية لكتابات المفكر الأمريكي المتمرد (نعوم تشومسكي) والذي يعتبر أحد أبرز رموز التيارات المعارضة لسياسة واشنطن الخارجية ... يبين لنا الكاتب كيف تنظر الولايات المتحدة للمنطقة العربية ... فبعد أن تسلمت الولايات المتحدة أوراق وديعة الشرق الأوسط من حليفتها في مطلع الخمسينات من القرن الماضي كان من الواجب تنظيم الإقليم على الأسس التي أرستها الإمبريالية البريطانية لتقسيم المنطقة العربية بداية من الحرب العالمية الأولى حيث كانت سياستها في المنطقة تتركز على وضع واجهات حكم مصطنعة قابلة للتشكل والتكيف مع المصلحة البريطانية ...

ووفقا لتصرف الولايات المتحدة بهذه التركة وهذه الوديعة كان يتم (امتصاص) المستعمرات و المحميات ومناطق النفوذ أوالدول العازلة أوغيرها من المسميات البريطانية واستبدالها بمسميات جديدة تحت أقنعة من الإستقلال الشكلي ... وكان هذا هو الأسلوب الأكثر نجاحا والأقل تكلفة من الإحتلال المباشر ووفقا لتشومسكي الذى يرى أن هذه المنظومة الاستعمارية التقليدية كانت تتمحور على أسر وأنظمة حاكمة تنفذ ما يمليه عليها سادتها وتضمن تدفق أموال و أرباح البترول إلى الولايات المتحدة ووصيفتها المملكة المتحدة والى الشركات العابرة للقارات وشركات الطاقة العاملة فيها ... تضمن في ذات الوقت حماية الولايات المتحدة لها من القوى الإقليمية ومن التمردات والانقلابات المحلية ... ووفق رؤية تشومسكي لهذه المنظومة القديمة فانه تم إبعاد الشعوب العربية من هذه المعادلة والحيلولة دون بسط يد هذه الشعوب على ثرواتها الطبيعية وبدل من ذلك تم وضع هذه الثروة تحت تصرف حكومات زائفة تبدد هذه الثروات على أفرادها الذين يقومون بتكديس الثراء الفاحش وحرمان شعوبهم من هذه الثروة ... الولايات المتحدة تدخل على الخط من جديد في تشكيل المنطقة وتعيد ترتيب أوراق اللعب لصالح قوى جديدة ترى واشنطن بأنها ستؤدي بعض الوظائف الأستراتيجية للنظم السابقة وإن كان بشكل جزئي ...

وحسب التحليل العام لهذا التغير في السياسة الأمريكية , فإن واشنطن لن تتسرع بدعم المطالبات الشعبية في بعض الدول العربية حتى تكتمل الصورة الكاملة للمشهد , فإن تركيزها سينصب على ضمان توفر البديل القادم أولا ... ثم التزامه بالشروط والاتفاقيات السابقة ثانيا... وهذا ما يجعلها تغض النظر في الوقت الحالي عن الانتهاكات التي تمارسها النظم السلطوية في الفترة الحالية ....

وفي نفس الوقت تتعهد الولايات المتحدة لوكلائها الرسميين في الشرق الأوسط (إسرائيل - تركيا - إيران) بأن التغيير القادم في خارطة المنطقة لن يسعى للتكتل أو التوحد أوالاندماج في المستقبل ولن يكون منافسا لهم في السيطرة الإقليمية ... مع التأكيد على بقاء الوضع الحالي دون أي تغيير بالنسبة للاعبين الغير أساسيين في تشكيل المنطقة كالفلسطينيين –الأكراد- بعض الجماعات المناوئة للحكم في ايران (حسب مفهوم واشنطن) ...

وفقا لهذه الرؤية فإن حركات الاسلام السياسي وعند وصولها للحكم ... فانها ستتعهد لواشنطن أن تقوم في المستقبل بالنظر في مطالب بعض الاقليات و الطوائف في بلدانها بحقهم في تقرير مصيرهم وفق استفتاء أو أي آلية أخرى يترتب عليها حكم ذاتي أو انفصال كما حدث في السودان وكما قد يحدث في دول اخرى ( ربما اليمن هو المرشح القادم) أو يكون التدخل العسكري لحماية الأقليات هو البديل الآخر ... وهذا التعديل في الخارطة السياسية العربية تطالب به اسرائيل في السابق ومازالت , حيث تجد أنه يشكل أهمية إستراتيجية يصب في اندماجها الاقليمي ليس الآن ولكن على المدى البعيد ... ولتحقيق هذا الأمر تطلب ذلك اجراء تعديل على التقسيم السابق والمتمثل بتقسيم (سايكس- بيكو لعام 1916 ) والذي قام على أسس جيوسياسية لم يأخذ بعين الاعتبار وضع الأقليات والطوائف الاثنية في الدول العربية , بإستثناء (لبنان) ...

وبحكم أن الكيان الصهيوني يعتبر نفسه أقلية فرضت على الخارطة السياسية في المنطقة العربية ... فإن اسرائيل بدورها ستدعم وبقوة أيضا ظهور دول قزمية تأسس على أسس عرقية أودينية , وسيكون في صالحها نشوء مثل هذه الكيانات بغض النظر عن توجهاتها العقائدية المعارضة لها ... وهذا سيترتب عليه ظهور لمفاهيم جديدة ستتشكل في المنطقة كالإقليم الآمن أو أي مفاهيم أخرى (قد تكون معاهدات حماية دولية تشرعن من ناحية دينية ) وستؤدي نتائجها الى تقبل فكرة وجود إسرائيل كأمر واقع , أو شر لا مفر منه على أحسن حال .
اياد ابوشباب

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر