الراصد القديم

2012/02/05

على ماذا يتناطح قادة العملية السياسية في العراق؟

لم ينجلِ غبار انسحاب القوات الاميركية من العراق بعد، حتى تصاعد غبار التناطح المشع تخندقا بين شركاء العملية السياسية التي استخلفها المحتل الاميركي لحكم العراق، ليغطي على كل الاغبرة المشعة منها وغير المشعة، والتي يكتظ بها الوضع القائم في العراق، والذي لا يبشر الا بالمزيد من الاغبرة الهابة على بلاد اجتيحت مصداتها من كل حدب وصوب!

اذا كان لجمهوريتهم المفدرلة دستورا يفتخرون به، وعملية سياسية وطنية وديمقراطية كما يدعون، واذا كان الشعب كل الشعب معهم بدليل الملايين التي صوتت لهم كما يدللون، واذا اقاموا قواعد ثابتة لدولة القانون كما يرددون، واذا هم مخلصون للشعارات التي يرفعون، اذن على ماذا يتناطحون؟

اذا كان جميعهم متفقون على ادانة الاعمال الارهابية التي تريد اشعال حرب طائفية في العراق والتي تشنها خلايا القاعدة العابرة للحدود بالتناغم مع اختراقات المجندين من اجهزة المخابرات الاقليمية والدولية الساعية لنفس الهدف، وان اختلفت المنطلقات، اذن لماذا يرهب بعضهم بعضا؟

"التحالف الوطني" الذي انحدر للسلطة منه رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي، يطرح نفسه امام نفسه وامام الاخرين كواجهة تمثل شيعة العراق وهو يسعى لتكتيل الشيعة خلفه برغم من اختلافات اطراف التكتل ذاتها على نسب حصصها، والتحالف الكردستاني ممثلا احتكاريا لاكراد العراق، اما تحالف العراقية فتتخندق به الواجهة السنية، برغم ان رئيسها علاوي ليس بسني، وبرغم وجود حالة من التطعيم الطائفي التي اعطت تحالفه نوعا من التميز، هذه الاصطفافة الطائفية والعنصرية السائدة، هي بمثابة دستور غير مكتوب للعملية السياسية التي اقامها بريمر وهي سارية المفعول منذ ايام مجلس الحكم وحتى الان، على اعتبار ان هؤلاء هم من يمثلون مكونات العراق، وبالنتيجة لا نجد من يمثل المواطن العراقي باعتباره انسان ينتمي الى هذه الارض المسماة عراق، وله حقوق وعليه واجبات، بمعزل عن اي هوية اخرى.

بسبب من النزعة الاستقلالية المعلنة والمصحوبة بالضمانات الاميركية فان التحالف الكردستاني ليس بغريم مباشر للتحالف الوطني او تحالف العراقية، الا فيما يخص المناطق المتنازع عليها وحصصه من واردات النفط، ولذلك ليس له تطلع ندي للامساك بتلابيب الحكم في بغداد، اما التحالف الوطني والعراقية فهما يتنازعان على حكم بغداد، وبالتالي حكم ما تبقى من العراق السني الشيعي، ويبدو ان تحالف العراقية قد اقتنع بان اي انتخابات قادمة وعلى نفس اسس التمثيل المكوناتي السائد فانها ستعيد انتاج نفس النتيجة القائمة حاليا وهذا يعني تواصل الحكم من نفس الكتلة المكوناتية المتحولة الى كتلة برلمانية مما يعني حكم دائم للتحالف الشيعي وان اختلفت تسمياته او اختلفت اسماء رؤساء الوزراء المنحدرين منه ـ جعفري او مالكي او عادل عبدالمهدي او بيان جبر ـ لذلك راحت ابرز قيادتها تناور باتجاه اضعاف موقع رئيس الوزراء خشية من نجاحه في تكريس النتيجة المتوقعة لاي عملية انتخابية مستقبلية، وبما يعني منطقيا قمع اي محاولة لتغيير هذا المنوال الواقعي والافتراضي ايضا، بالطرق الانتخابية او بالطرق الانقلابية، فعندما نرى الهاشمي مؤيدا ومؤججا للمطالبات باقامة الاقاليم في المحافظات السنية فانه يحاول محاصرة رئاسة الوزراء طائفيا بطريقة دستورية، ومن نفس المنطلق يفعل النجيفي او العيساوي، لان الاقلمة بالنسبة لهم تعني اضعاف المركز لمصلحة الاطراف، بالضبط كما هو حال اقليم كردستان، وهنا فان هؤلاء لا يثقون اصلا بوجود مؤسسات دولة حقيقية تتمتع بخاصية فصل السلطات وهذا ما يدلل على هشاشة العملية برمتها، فمن يسيطر على رئاسة الوزراء سيسيطر بالتالي على العصب المركزي للحكم في بغداد وهو بالتالي يسيطر على الجيش والامن والمخابرات ورويدا رويدا يسيطر على الاعلام وعلى كل المفوضيات التي يفترض بها الاستقلال التام عن الحكومة، كمفوضية الانتخابات والنزاهة، حتى القضاء بحكم ضعفه البنيوي وتسرب ديناميكية المحاصصات اليه فانه مؤهل للتبعية الانسيابية للسلطة التنفيذية.

ربما يقول قائل بان لنظام المحاصصة ايجابية وهي توزيعها للمناصب وبالتالي منعها لانبثاق سلطة شمولية، لكن واقع الحال يقول بان صاحب الحصة الاكبر يكون قادر على جعل سلطته شمولية ايضا وذلك عندما تطغي حصصه وفي كل المفاصل على حصص الاخرين، فحتى لو كان رئيس الاركان كرديا مثلا ووزير الدفاع سنيا لكن قيادات العمليات ـ عمليات بغداد والبصرة والموصل ـ والذين يرتبطون برئيس الوزراء مباشرة والذي هو نفسه القائد العام للقوات المسلحة، تجعل منهما مجرد موظفين لا دور حقيقي لهما!

الازمة التي تعصف بالعملية السياسية القائمة والتي انبثقت بقوة بعد انسحاب القوات الاميركية من العراق هي اكبر واعمق من كونها ازمة الهاشمي المتهم بالارهاب وازمة المطلك الذي نحاه المالكي من منصبه او ازمة علاوي الباحث عن دور بصلاحيات تناصف صلاحيات المالكي، انها ازمة منطلقات ومقاصد وغايات ووسائل، فالمنطلقات تغيب المكون الوطني لمصلحة المكون الطائفي والعنصري الذي يجير هو الاخر لمصلحة من يستعين بالاجنبي لتكريس سلطته وان على اقليم من اقاليم العراق المفدرل الى اقطاعيات تحاكي زمن ما قبل قيام الدولة الوطنية، وبهذا الخصوص فان ما عند السفير الاميركي في بغداد وقاسم سليماني قائد فيلق القدس الايراني ما يملي فراغات المعادلة.

لقد بلغ بهم صلف المحاصصة المكوناتية حد سحب نظام التقاسم على الاحتفال بالمناسبات العامة، فالشيعة حصتهم المتمحورة على رزنامة الامام علي والحسين وال بيته "عليهم السلام" وقبلتها كربلاء والنجف، اما السنة فحصتهم تنحصر في رزنامة النبي "ص" وتحديدا مولده وهجرته ووفاته، وقبلتها جامع الامام الاعظم ابو حنيفة النعمان في الاعظمية، واما حصة الاكراد بالمناسبات المتعاشقة في هوى كل العراقيين فتتجسم باحتكار الاحتفال بعيد النوروز، وكأن الرسول محمد ليس جدا للحسين، وكأن ربيع النوروز ليس بغداديا ولا بصريا ولا حتى موصليا، هذا الربيع الذي هو "دورة السنة " والذي من اجله كان اجدادنا العراقيون القدامى يوقدون الشموع ويطلقونها مشتعلة على كرب النخيل لتسبح في مياه الفراتين معلنة استبشارها بحلول موسم الخصب والنماء!

ربما يعقدون اتفاقات جديدة بينهم تسكن من حدة التناطح القائم لكنها لن تكون قادرة على اجتثاثه الا باجتثاث منطلقات العملية السياسية ذاتها، لقد قال ابناء العراق قولتهم بتلك المنطلقات االبائسة ومنذ السنوات الاولى لانبثاقها، قالها عثمان العبيدي على جسر الائمة وقالها قيصر الجنابي وقالها اليوم نزهان الجبوري وعلي السبع وقالها كاكة حمة، وقالتها قبل هؤلاء جميعا مقاومة شعبنا الباسلة لكل اشكال الاحتلال والتقسيم.

جمال محمد تقي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر