الراصد القديم

2012/02/17

كيف ولماذا أصبحت سوريا ساحة حرب ضد إيران أولا؟

تصاعدت الأصوات الأميركية والغربية والخليجية والتركية التي تطالب بإنزال قوات دولية في سوريا بحجة أن هناك انتهاكات بمجال حقوق الإنسان، ويا حبذا لو يتم تعميم هذه النداءات لتشمل بعض الدول العربية التي تمارس أنظمتها سياسة القمع والتكميم والإنتهاك في مجال حقوق الإنسان، ولكن وللأسف هناك كيل بمكيالين، وهناك انتقائية في تطبيق وتعميم حماية حقوق الإنسان، ولهذا أصبحت تلك النداءات التي تطالب بإنزال قوات دولية في سوريا على درجة عالية الغموض لأنها نداءات فضفاضة، وتحمل تفاسير ومعاني كثيرة لأنها غير مؤطرة بتحديد الأسباب والأهداف الحقيقية، وليس هناك تحديد زمني لتلك المهمة، وبالتالي هي مجازفة غير محسوبة مادام هناك إصرار على تبادل العنف وانعدام الثقة، وأن الإصرار على تطبيق هذه "الخطة" فسوف تتشابه مع خطة أنزال القوات الدولية في لبنان بعد الحرب الأهلية اللبنانية، والتي، وحال الشروع بها، باشرت قوات الدول التي طالبت بالتدخل في لبنان بالإنسحاب من هناك وعلى فترات، وكانت دولة الأمارات العربية أول الدول المنسحبة في حينها، فبقيت سوريا لوحدها في لبنان ولعشرين عاما، لا بل قدمت آلاف الشهداء والجرحى نتيجة ذلك. وللتذكير فلقد كانت تلك الخطة بدعم أميركي وغربي وخليجي وبتشجيع ومساندة الى سوريا لتقود تلك القوات في لبنان، وعندما باشرت القوات بمهمتها بدأ مسلسل الانسحابات ولم تبق هناك إلا سوريا فقط، ولكن في آخر المطاف أصبحت سوريا التي اغرتها أميركا والغرب والدول العربية بالبقاء هناك ولسنوات طويلة بأنها دولة محتلة للبنان وأنها منتهكة للقرارات الدولية، وحينها جرى ما جرى من قرارات دولية وضغوط بالضد من سوريا ورادفتها صدامات وحوادث وإرهاصات لا زالت جارية لغاية يومنا هذا.

بالتالي فأننا لا نعتقد بأن سوريا وإسرائيل ستوافقان على خطة أنزال قوات دولية في سوريا لأنهما الدولتان المعنيتان بالدرجة الأولى بسبب تشابك الأمن القومي للدولتين، ولن توافق دولا يهمها الوضع السوري مثل لبنان والعراق وإيران وروسيا بالدرجة الثانية، والصين والأردن بالدرجة الثالثة، خصوصا وأن الأردن ومن خلال تاريخ سياستها الخارجية هي حليف تاريخي للولايات المتحدة والغرب، ولكن الأمر هنا مختلف تماما لأنها هي الأخرى تقف على صفيح ساخن، وأن أكثر ما يقلق سوريا وإسرائيل هي الأدوار الخفية لبعض الدول، فمن المعروف أن هناك تنسيقا خفيا لتصبح هذه القوات بزعامة تركية وبدعم خليجي، ولها أطار عربي وفي عمقها قوات غربية وأميركية متخصصة جدا، وهذا بحد ذاته يعتبر تهديدا مباشرا للنظام السوري ولسوريا من وجهة نظر النظام السوري، وسوف يخلق قلقا في إسرائيل التي لا تثق بالأتراك الذين سيفضلون البقاء في سوريا مثلما بقت سوريا في لبنان، وهذا سيولد معارضة شديدة بقيادة إيران وبدعم من روسيا والعراق وحتى من لبنان بالضد من هذه الخطة التي تخفي في جوفها أبعادا سياسية وأستراتيجية وطائفية، وحينها فعندما يكون هناك ضغطا لتطبيق هذه الخطة سوف تتفجر الأوضاع السياسية في أكثر من مكان، وخصوصا في منطقة الخليج لتصبح هناك مساومة شعارها "هات وخذ" أو مساومة عنوانها "اترك صديقي لكي أترك صديقك"!.

مساران مختلفان في الشرق الأوسط!

بعد الشروع بما يسمى بالربيع العربي، وانهيار بعض الديكتاتوريات والأنظمة الشمولية تبلورت في العالم العربي ملامح لـ "مسارين مختلفين" سببهما صعود التطلعات الديمقراطية التي لازالت مرتبكة في شمال أفريقيا والمغرب العربي، وتحديدا في مصر وتونس وليبيا والتغيير الإصلاحي في المغرب، والذي قابله من هناك تقهقر التطلعات الديمقراطية في المشرق العربي بسبب شلل الوليد الديمقراطي في العراق بسبب التوجه العام في المشرق العربي نحو "الطائفية والقومية المتشدّدة" وبسبب تصاعد ثقافة مخطط التمدد والقضم، و التقسيم والتفتيت وخصوصا في المنطقة الممتدة من إسرائيل، ولبنان، والعراق، وسوريا، والأراضي الفلسطينية، كل هذا حرك التنافسات والإرث التاريخي والقومي والطائفي عبر شبكات الدول المتقاطعة في المنطقة، والتي أثبتت بأن سوريا هي بمثابة "سرّة" المشرق العربي الذي يمثل قلب الشرق الأوسط، فسوريا تقع على مفترق طرق وإلتقاء شبكات التحالفات الإستراتيجية والمصالح الجيوسياسية والحساسيات الدينية والطموحات القومية، فجعل من سوريا الجوهرة التي يتصارع عليها الجميع، وفي نفس الوقت جعل من سوريا ساحة صراع بين الدول التي تتقاطع مصالحها في وعند سوريا، بحيث أصبح من الصعب الإجابة على السؤال التالي:

هل هناك صراعا على سوريا، أم صراعا في سوريا؟

فأن ما حدث في سوريا هو حراك شعبي حميد من أجل الحقوق الشرعية للشعب السوري، وكان حراكا منطقيا وصاحب الحراك في أكثر من ببلد عربي، ولكن وللأسف سرعان ما تحول هذا الحراك الحميد الى ثورة مخيفة فرضت على الشباب السوري وعلى العقلاء السوريين والذين هم أبطال الحراك الشعبي السلمي الى الإنسحاب من الساحة بعد بروز قوى آمنت بالسلاح والعنف ولها طموحات وطلبات غاية في التعقيد وتجاوزت المطالبة بالحقوق السياسية وتحسين ظروف الشعب السوري، والمباشرة بإصلاح جميع القوانين، وصولا لتغيير وجه النظام من الشمولية والحزب الواحد نحو التعددية والديمقراطية، مما فتحت تلك القوى الأبواب الى التدخلات الخارجية في الحراك السوري، فصار من الصعب التمييز بين الصالح والطالح، ومن هناك تعالت أصوات شعبية وعقلائية ضاغطة على النظام ليمارس دوره في قمع هذه المجموعات التي آمنت بالعنف والقوة، فأختلط الحابل بالنابل، ولازالت الأوضاع متشابكة لدرجة أنعدم فيها التمييز والفصل في أغلب الأحيان.فلقد حذرنا وحذر معنا جميع المختصين والمحللين والعقلاء بأن سوريا تختلف تماما عن ليبيا، وأنها حالة خاصة ومعقدة، ولكن وللأسف لم يسمعنا أحد، وظن البعض بأننا ندافع عن النظام السوري. فسوريا تختلف عن ليبيا، لأن ليبيا انهارت من الداخل، وأن قوة انفجارها بقي في حدودها، وحتى لم يصل الى بعض المدن الليبية، والجزء الأكبر من أنفجارها ذهب الى عمق الأرض الليبية بسبب انهيار قوة النظام، والتي كانت سببا في تشتت كتائب وسرايا النظام وقتل القذافي ودفنه في قبر مجهول، أما في سوريا فالأمر مختلف تماما، فالأمور تتفجر ولا زالت تتفجر في مساحات واسعة وحتى خارج سوريا، وأن هذه الإنفجارات في طريقها نحو الأعلى ونحو الأفق البعيد، وبالتالي سوف تفجر المنطقة بأسرها، خصوصا وأن الحرب الأهلية باتت ترسم عنوانها الكبير في سوريا، وهذا بحد ذاته سيشكل أسقاط متشابك وخطير في العراق وفلسطين ولبنان والأردن وبالتالي سوف تتأثر به هذه الدول وصولا الى تركيا وإيران. فسوريا هي عبارة عن طابق أرضي لبناية "عمارة" تُشغل طوابقها من قبل لبنان، وإسرائيل، والعراق، والأردن، والأراضي الفلسطينية، وتركيا، وإيران، ودول الخليج، وبالتالي فأن الحريق والخراب والأنفجار الذي يحدث في الطابق الأرضي سوريا سوف يكون كارثيا على الطوابق العلوية التي تشغلها الدول المذكورة، مقابل غياب دائرة أطفاء وقوات أنقاذ جاهزة بسبب أنشغال الولايات المتحدة في الإنتخابات الساخنة، وأبتعادها عن الأحداث في المنطقة بسبب أنسحابها من العراق، لهذا تحاول واشنطن أستغلال الدول الطامحة بسد الفراغ الذي سببه أنسحابها من العراق لكي تملأ الفراغ من خلال تركيا ومجلس التعاون الخليجي والقطع البحرية الأميركية والغربية، مما فتح شهية روسيا والصين لإستغلال هذا الوضع من أجل تحسين موقعيهما في المنطقة وأنطلاقا من سوريا، وهذا بحد ذاته حرك التنافس الشديد بين إيران وتركيا للهيمنة على المنطقة، خصوصا وأن كل دولة من هاتين الدولتين تستندان على إرث تاريخي مهيمن على تلك المنطقة، ناهيك أن إيران لها إرث أخر وتنفرد به لوحدها وهو تقاسم النفوذ بينها وبين الولايات المتحدة، وعندما كان نظام الشاه حليفا لأميركا وشرطيها الساهر في المنطقة.

هلال شيعي وهلال سني!

الدول الخليجية من جانبها وجدتها فرصة تاريخية لتصفية حساباتها مع إيران من خلال التحرك الإستباقي وأستغلالا للإندفاع التركي والغربي وللقلق الإسرائيلي من خلال الأزمة السورية في محاولة منها لقطع السلسلة الإيرانية الممتدة من "إيران فالعراق ثم سوريا فلبنان وصولا الى شواطئ البحر المتوسط" أي كسر "الهلال الشيعي" وهو المصطلح الذي أطلقه العاهل الأردني عام 2006، فهناك طموحات سعودية بإسناد تركي وتورط خليجي لرسم "هلال سني" يمتد من سوريا نحو السعودية وصولا الى تركيا، وهذا بحد ذاته سوف ينسف خط الحرير الإيراني الممتد من العراق نحو سوريا فلبنان وصولا الى شواطئ البحر المتوسط، وفي الوقت نفسه سوف يُفصّل "الهلال الشيعي" الى قطع متباعدة، ولن يتحقق هذا إلا بسقوط نظام بشار الأسد المتحالف مع إيران، أي بأختصار هناك عملية سطو من بعض الدول لسرقة أهداف وطموحات الشعب السوري الذي يطالب بالإصلاح والتجديد، ولكن وللأسف لقد نست بعض الدول الخليجية مصير دول خليجية أخرى شقيقة لها ليس من مصلحتها أن تكون عربونا للمساومات الإقليمية والدولية لأنها تقف على كف عفريت بسبب الحراك الشعبي في داخلها، أو بسبب موقعها الجغرافي القريب من بؤر التوتر وأهمها مضيق هرمز!.

ونتيجة ما تقدم أصبحت سوريا ميدانا للمعركة الجارية ضد إيران، فلقد أصبحت سوريا ميدانا مشتركا لتركيا والسعودية ودول خليجية ولأميركا والغرب ضد إيران بالدرجة الأولى، ومن هنا حاولت تركيا مرارا التوغل داخل لبنان، ولكنها وجدت جبهة سياسية قوية رافضة أن تتحول لبنان الى مخلب قط بالضد من سوريا، فسارعت تركيا لمد الجسور مع أطراف عراقية متخاصمة في محاولة منها للعب على تلك التوترات الداخلية في محاولة لصنع مخلب قط من جهة العراق، مما سبب مشاكل سياسية ودبلوماسية بين أنقرة وبغداد، ومع ذلك لا زالت أنقرة تراهن على عملية جراحية ما في بغداد وربما بمساعدة أميركية لتغيير مراكز القوى في بغداد لصالح تركيا للإطباق على سوريا لتحقيق الهدف الإستراتيجي ضد من إيران، فهناك محاولات مستمرة لتغيير الأوضاع في بغداد وهذا بحد ذاته ربما يفجر أوضاعا جديدة داخل العراق وفي منطقة الخليج، وعلينا أن لا ننسى التربص الروسي لجميع التحركات التركية والأطلسية والأميركية، فروسيا الآن هي بموقع إيران بالضبط، فهي الأخرى تقابل أعداء تاريخيين بالنسبة لها، وهم أميركا وتركيا وحلف الأطلسي "الناتو" وهي تصر أي روسيا على عدم تكرار الأخطاء التي وقعت بها في ليبيا، ونتيجة ذلك فرض التعاون النفعي نفسه بين روسيا وإيران والعراق وصولا للصين ولبنان، وهذا بحد ذاته يؤشر الى ولادة المحاور الدولية والإقليمية، وحتى ولادة المحاور الطائفية في المنطقة والتي ستجر شعوب المنطقة الى ويلات وحروب طائفية ومذهبية تصب في مصلحة الأجندة الأميركية والغربية والصهيونية، لذا مزيدا من العقل والحكمة، لأننا جميعا نعبد رب واحد، ولنا كتاب واحد، ونصلي لكعبة واحدة، ويعيش معنا شركاء هم أخوة لنا في الإنسانية وشركاء لنا في الأوطان والمصير وهم من أديان أخرى لا يفرقنا عنهم إلا الموت، ولا علينا بمن تطرف وتجبر وطغى!

سمير عبيد

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر