الراصد القديم

2012/02/01

مستديرة جنبلاط

عاش كمال جنبلاط حياته المثيرة والقصيرة على قاعدة واحدة: شريك دائم في الحكم وزعيم أزلي في المعارضة. تعامل مع السياسيين من فوق، مسلحا بفكره، وثقافته، ومعارفه، وعرف الإمارة، وتعامل مع السياسة من تحت، يحيط نفسه ببسطاء الدروز، ويقاتل في سبيل الموقع البرلماني، ويعادي ويخاصم، في الكبيرة كما في الصغيرة.


كان كمال جنبلاط، في حقيقة نفسه، يعتقد انه ولد في بلد صغير على آفاقه الفكرية، وفي طائفة صغيرة على احلامه القومية. عاش وحيدا منعزلا عن الحياة الاجتماعية لكنه كان يتكبد السفر الشاق في الهند، على رغم آلام الظهر، لأنه هناك كان يشعر ان سعة المكان تتسع له، وان الحوارات الفلسفية هي لغته الحقيقية.


اساء اليه سعيد تقي الدين عندما سماه "قضيب الزعرور"، الكثير العقد. ولكن ايضا الغزير الثمار. وكم كان الوصف دقيقا. لم يكن كمال جنبلاط كتابا مقروءا في المحليات اللبنانية المسطحة. كان زعيما في المختارة، ونفرا عند كارل ماركس، وتلميذا أبديا عند هيغل، ومتربعا بتواضع في حضرة غاندي وكيركيغورد وغبريال مارسيل. لم يكن من السهل فهم وريث آل جنبلاط في ضوء ماركس. ولم تكن الناس تفقه ان يخرج اول حزب اشتراكي من تحت قناطر المختارة. لذلك عاش زعيما دون حلمه، وقضى زعيما دون كابوسه.


كتبت مرة الى ميلوفان دجيلاس، نائب تيتو، بعدما اخرجه الماريشال من السجن الطويل. وفي رده قال بطل الحرب العالمية الثانية: "لقد مررت في بلدكم الجميل. وأكثر ما أذكر منه أمران: زرقة المتوسط، وهي أجمل منها في أي مكان من ذلك البحر، ولقاء رفيقنا في الحركة الاشتراكية، كمال جنبلاط.


كان وليد جنبلاط الوريث الوحيد. وليس في امكان رجل واحد ان يرث كل تلك المكونات التي عرفت، للاختصار، باسم كمال جنبلاط. ولا اعتقد انه حاول. فقد هبط الارث فجأة في شكل فاجعة عائلية وكارثة عامة. وعندما قتل كمال جنبلاط، كان الهدف اغتيال بضع شخصيات فيه، او بالاحرى بضعة أبعاد، اهمها البعد العربي المتعدد والمتناقض (مصر، الفلسطينيون، القوميون) والبعد الدولي، وخصوصا بمعناه السوفياتي: فوريث الزعامة الاقطاعية في المختارة كان واحدا من قلة نادرة قلدها الكرملين ميدالية لينين.


كان لا بد ان نتذكر كل ذلك ونحن نرى وليد جنبلاط يوم الخميس الماضي في الكرملين، خارجا من لقاء مع وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف. فبأي صفة بروتوكولية يستقبل الرجل الثاني في حكومة فلاديمير بوتين، سياسياً لبنانياً لا صفة رسمية له، ولا موقع سياسياً مفصلياً، فلا هو ركن في 8 آذار ولا هو عمود في 14 آذار، بل هو في اضعف محطة من محطات قطاره السريع: لا هنا ولا هناك. على الاقل حتى كتابة هذه السطور.


اجريت خلال الحرب مقابلة مع وزير خارجية فرنسوا ميتران السيد كلود شيسون، في مكتب تعلو جداره صورة الكاردينال ريشوليو. لم يكن موضوع المقابلة لبنان بل الوضع العربي. وبعد انتهائها خرج المسيو شيسون من خلف مكتبه ودعاني الى الجلوس على مقعد جلدي أسود قبالته، لكي نحكي عن لبنان وعن الطفلة الفيتنامية التي تبناها، ويعلق صورتها خلف رأسه. ولكن عوض ذلك تحدث طوال الوقت عن "رفيقنا العزيز وليد". وكان يعني الرفيق في الاشتراكية الدولية.


عندما يقال الآن في لبنان ان وليد جنبلاط "يرى" اكثر من سواه، وهو طبعاً قول فولكلوري ومبسط، أتذكر يوم سألت والدي، من اين يأتي ريمون اده باستشرافاته السياسية. وبعفوية اللبناني عابر المراحل والايام، اجاب: "هل نسيت انه ولد في بيت اميل اده؟".


يروي كاتب اميركي وضع كتابا عن الدروز (أعتذر عن نسيان الاسم لأنني بعيد عن مكتبتي) انه عندما ذهب لزيارة نظيرة جنبلاط في قصر المختارة (كانت تخاطب زوارها من خلف الستار) رأى المفوض السامي، الجنرال ماكسيم ويغان، يداعب طفلا يرتدي بزة عسكرية. كان ذلك كمال جنبلاط. كان المنحني ماكسيم ويغان.


يعيش رجال قصر المختارة في تلال ووهاد ومحن وامتحانات دائمة. المسألة ليست بقاء القصر، بل بقاء دوره. ومن دون دوره يعود مجرد جدران أثرية وبساتين تساهم اشجارها في تغطية المصاريف. لسنا في موقع نعرف معه (على الاقل هذا الكاتب) متى تأتي الادوار الى وليد جنبلاط ومتى يذهب اليها. ولكن لم يكن امرا بسيطا ان يذهب الى انقرة وموسكو في وقت واحد. وان يلتقي – تكرارا من دون اي صفة بروتوكولية مبررة – الرجلين الأكثر تعاملا مع المسألة السورية: احمد داود اوغلو، متزعم العمل المناوئ للنظام، وسيرغي لافروف، رأس الحربة الدولية في الدفاع عن حل، بوجود الرئيس بشار الاسد وليس من دونه، كما دعت المبادرة العربية، ومن خلفها تركيا، ومن امامها الجزء الغربي في مجلس الامن.
لا نعتقد ان وليد جنبلاط قال خلف جدران انقرة وموسكو غير ما قاله خارجها. فهو خائف، ليس مثل اي زعيم عارف بهول المرحلة، بل مثل اي فلاح في جرود العرب، تصل اليه نشرات الاخبار، ومؤتمرات الدكتور وليد المعلم، الموثقة عادة بالافلام الملونة.


عندما عاد ريمون اده جثمانا الى كاتدرائية مار جرجس، كان الموارنة منشغلين في اماكن اخرى. وكانوا يخافون ان يظهروا وهم حزانى عليه. ثم تشجع البعض في تقديم العزاء عندما شاهدوا وفداً عسكرياً سورياً من أعلى الرتب يقدم التعازي، في خصم شجاع ونظيف ونزيه وذي كرامة. لكن جنازة العميد يتيم الموارنة الدائم، امتلأت بستة آلاف رجل (الكلمة لها معنى خاص عند الدروز) من الجبل تقدمهم وليد جنبلاط.


اراد، أعتقد، الايحاء بأنه ينوي ان يحمل حِمل ريمون اده الذي لا يريده احد. الحِمل الذي لا يطعم خبزا ولا يمنح جاهاً ولا يجعل الناس تتراكض من عتبة الى عتبة: حِمل القيم المدنية، ومجتمع القانون ومحاولة الارتفاع بصغار النفوس من أسن الطائفية وهمجية التمذهب، الى حيث يرتقي الانسان بإيمانه ويعلو بخلقه.


كنت دائما اقول للعميد، بسذاجة الذين يعرفون السياسة من ظاهرها: لماذا لا تهدأ قليلا؟ لماذا لا تجرب الناس وتعطيهم الفرص؟ وكان ساخرا لا يرحم. ويقول: لن احاول ان اقنعك بشيء، فرجاء لا تحاول ان تقنعني. وذات يوم، بالسخرية الطيبة ذاتها قال: قبل ان تولد سعادتك، كان ديبلوماسي فرنسي يدعى روبير دوكيه، يتعاطى الصراع الفرنسي – البريطاني في لبنان وسوريا. وعندما قيل له: لماذا لا تجرب حسن النيات اجاب: "بالنسبة الي، هناك امران في هذا العالم، الاشياء التي تخدم بلدي، والاشياء التي تؤذيه. وليس لي من رؤية ثالثة".


تنقل وليد جنبلاط في محاور كثيرة. وغطى بظرفه دراميات التحول، كما عندما قال لمارسيل غانم: "زبّال في نيويورك ولا زعيم في لبنان". ثم عاد فخرج من دائرة نيويورك وقام عليها، ووضع جانبا شعار لبنان اولا، عندما رأى منزله في كليمنصو محاصرا. لكن دمشق التي لم تنس خطبه القاسية في ساحة الشهداء، فتحت لعودته بابا دوارا، ورسمت دربا تمر في الجاهلية والرابية ودارة الرئيس اميل لحود، الذي رفض جنبلاط انتخابه كعسكري ثم رفض التمديد له. وعندما وصل اخيرا الى الشام وتطلع خلفه رأى المختارة في غمامة رمادية. ولم يكن امامه سوى ان يحك فوديه، اللذين يستند اليهما في حال الضعف والضياع. فقد اعتاد ساكن المختارة الصفوف الاولى، عليم الله، وانت سيد العارفين! "لم يطل ليلي لكن لم انم". لم يتراجع سريعا لكنه توقف عن الذهاب الى الشام وعاد الى استقبال جيفري فيلتمان في المختارة. ألم يمازحه السفير السابق مرة عندما ارسل اليه هدية ثوب (بول اوفر) زبال نيويوركي؟


اذا كانت الشام لا تستقبل، فأحفاد لينين يستقبلون. وأهل الاناضول يستقبلون ايضا، وهذه المرة بربطة عنق قاتمة ومن غير ان يحك فوديه، يقف على شرفات مرمرة وموسكو، متحدثا كرجل اقليمي في اصعب محنة منذ قتوم 1967.


إلى أين من هنا، إلى أين؟
إلى جناح الكتب التاريخية في قصر المختارة. ينقل الى كمال جنبلاط تحية الرفاق في موسكو. يعتذر منه لأنه ذهب اضطراريا الى عند العثمانيين. ثم يبتسم راضيا: الشريك الدائم في السلطة والزعيم الازلي في المعارضة. طلعة جنبلاط. او مستديرة جنبلاط.
سمير عطاالله

"النهار"

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر