الراصد القديم

2012/02/08

على وقع الثورة السورية، لبنان بين خيارين

منذ العام 2005، ولبنان يمر في مخاض صعب وعسير يؤدي إلى تؤخر ولادة دولة القانون والسيادة، ويتعرض لعراقيل تمنع إنشاء المؤسسات الدستورية والحكومية والقضائية والأمنية التي تضمن المساواة بين المواطنين ضمن الأطر القانونية وترعى شؤونهم بعدالة وتضمن أمنهم ومؤسساتهم ومستقبل أبناءهم، وأخرها كان تعطيل عمل الحكومة تحت وطأة الممارسات العونية برعاية وحماية ومؤازرة حزب الله حليف ميشال عون.

منذ انطلاق ثورة الأرز، والهجمة الشرسة على باقي مكونات الكيان اللبناني من اتهام بالعمالة إلى اتهام بالتطرف إلى اتهام بالاختلاس وصولاً لتحريض القوى الأمنية على مناطق وأبناء قرى محددة من لبنان، وخاصةً في شمال لبنان، وشمال منطقة البقاع والبقاع الأوسط، هذه الحملة الدعائية والسياسية تمارسها أبواق وأدوات قوى شكراً سوريا الدولة التي تمارس القتل اليوم برعاية روسيا والصين وبدعمٍ من إيران وبعض القوى العراقية واللبنانية بكل روح إجرامية وبنهمٍ بالغ لسفك الدماء وقتل النساء والأطفال. وقد أكد هذا الواقع المؤسف وليد جنبلاط حين قال: "وكان حرياً ببعض الأجهزة الأمنية اللبنانية أن تمنع بعض الشبيحة من قرى جبل لبنان من الذهاب إلى جبل العرب في سوريا للقتال ضد الثوار والمناضلين الذين يرفضون السكوت عن الواقع القائم ويناضلون في سبيل التغيير". كذلك فقد اتهم البيان التأسيسي الذي أصدره المجلس العسكري الثوري في سوريا "إيران وحزب الله بالمساهمة بشكل مباشر في قتل الأطفال والنساء بسوريا، وتحويل سوريا إلى قاعدة متقدمة لإيران."

هذه التصريحات الصادرة عن مرجعين مختلفين احدهما لبناني والأخر سوري يؤكدها أكثر التصريحات المؤيدة للنظام السوري ولكافة ممارساته وبطشه بحق الشعب السوري وأبنائه الأحرار، وهي تلك التي تصدر عن بعض المرجعيات اللبنانية ومنها نبيل قاووق نائب رئيس الهيئة التنفيذية في حزب الله حين أوضح "أن حزب الله وحركة أمل وشعب المقاومة سيبقون إلى جانب سوريا، لأنهم ينسجمون مع مشروع المقاومة ومواجهة المشروع الإسرائيلي". وكذلك حين رأى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان الشيخ أحمد قبلان أن "العرب يستجدون العالم من أجل إصدار قرار دولي يهدف إلى سحق سوريا)."

أي ضمير هذا وأي شعور إنساني وأي مشاعر وأي مشروع سياسي وأي قوى هي هذه التي ترضى بل بالأحرى تؤيد سياسة البطش والقتل وسفك الدماء بهذه الوتيرة وبهذه الفظاعة التي نراها اليوم في سوريا، وهذا الذي يدعونا للقلق والتفكير بجدية حول أي وطنٍ هذا الذي يمكن لنا أن نبنيه مع هؤلاء، وأي كيانٍ هذا الذي يجعلنا نشعر بالاستقرار والدعة والسكون والهدوء ونحن نرى تأييداً منقطع النظير وبصوتٍ عالٍ وباسم المقاومة والممانعة لنظام يقتل شعبه، ويشرد ويسجن ويعذب مواطنيه، وفردٍ تمنع حريته وتهان كرامته.

ألا يمكن أن يكون هذا مصيرنا نحن اللبنانيين أبناء المكونات الأخرى في حال سيطر هذا الفريق على السلطة وهيمن على مقدرات البلد والوطن، وها هو نبيل قاووق الذي يقول معتبرا أن "طائفتنا هي طائفة المقاومة التي لا يحدها مذاهب ولا طوائف"، مؤكدا "أننا سنبقى في موقع الوفاء لإيران بقيادة قائد الأمة السيد علي خامنئي". فهو يعتبر أن قائد الأمة هو مرشد جمهورية إيران، فعن أية امة يتحدث وعن أي وطن وكيان هو يدافع؟ وما هو دور فخامة رئيس الجمهورية في لبنان ورئيس المجلس النيابي ورئيس مجلس الوزراء؟ وما هو ترتيب هؤلاء في سلم القيادة؟ هل هم في موقع متقدم على خامنئي أم خلفه؟ وبعد أن نقرأ هذا الكلام ونسمعه بوضوح، كيف لنا أن نصدق كلام عضو كتلة "الوفاء للمقاومة"، النائب علي فياض الذي رأي أن "من يكون دوره رعاية مجلس الوزراء (الرئيس نجيب ميقاتي)، لا يجوز أن يعطل الحكومة تحت أي مسمى، خصوصا وأن الظروف الحرجة التي تمر بها البلاد لا تواجه بسياسة الضرب على الطاولة، بل بعقلية مرنة معتدلة ومنفتحة، تأخذ في الاعتبار كل الحساسيات السياسية، وأحجام القوى السياسية والطائفية، وتلتزم بالأعراف التي درجت عليها الحياة السياسية اللبنانية، في سبيل أن نمضي قدماً في تسيير عجلة الدولة". وتخوف من أن "يكون لدى البعض أجندة مخفية وحسابات غير معلنة".

من الذي لديه أجندة مخفية وعلاقات غير منظورة مع دولة مجاورة ومشاريع مشتركة مع قوة إقليمية ويتلقى منها السلاح والدعم ويعلن على الملأ التزامه بها وبقيادتها ويشيد بدعمها ورعايتها؟ وعن أي أحجام يتحدث سعادة النائب، فإذا كانت هذه هي المشكلة فلماذا يتجاهل هذه السياسة وهذا المبدأ في سوريا وغيرها من الدول وحتى في لبنان..إنه حزب يتحدث مخاطباً جمهوره بلغتين مختلفتين في يومٍ واحد، ويتهم باقي مكونات الوطن بالتفريط بالسيادة والاستقلال في حين انه يعلن ولاءه لمرشد الجمهورية الإيرانية، ويطالب القوى الأمنية بضبط الحدود الشمالية لمنع تدفق السلاح عبر لبنان إلى سوريا بينما هو يعرف شديد المعرفة أن لا سلاح يمر وان القوى اللبنانية الأخرى في لبنان لا تملك من السلاح إلا السلاح الفردي الذي يملكه كل مواطن لبناني، ولكنها سياسة التحريض والتزييف والتشكيك والاتهام البغيض من قبل من يسعى لبسط سيطرته وسطوته لا على لبنان فقط بل على شعب سوريا والعراق والأمة العربية بسلاح إيراني ولخدمة مشروع لا يمت للمقاومة بصلة على الإطلاق.. وللتذكير فقد ورد في البند الأول من تفاهم نيسان/ابريل، عام 1996، الموقع بين حكومة لبنان بموافقة حزب الله والكيان الإسرائيلي وبالتشاور مع سوريا الأسد ما يلي: "تفهم الولايات المتحدة أن بعد محادثات مع حكومتي إسرائيل ولبنان وبالتشاور مع سوريا يضمن لبنان وإسرائيل الآتي: 1- ألا تنفذ الجماعات المسلحة في لبنان هجمات بصواريخ كاتيوشا أو بأي نوع من الأسلحة على إسرائيل." فالموافقة تمت من قبل الحكومة اللبنانية آنذاك بقبول ورضا من قبل حزب الله وبالتشاور مع سوريا الممانعة كما ورد في نص الاتفاق على بند يضمن الاستقرار والهدوء على الحدود الجنوبية للبنان والشمالية لإسرائيل.. كما نص الاتفاق على آلية التعامل مع أي خرق في بنوده 4-5-6 بالقول:

4- ومع عدم انتهاك هذا التفاهم فليس هناك فيه ما يمنع أي طرف من ممارسة حق الدفاع عن النفس.

5- تشكل مجموعة مراقبة تضم الولايات المتحدة وفرنسا وسوريا ولبنان وإسرائيل. وستكون مهمتها مراقبة تنفيذ التفاهم المنصوص عليه أعلاه.

6- تقدم الشكاوي إلى مجموعة المراقبة. وفي حالة الزعم بحدوث انتهاك للتفاهم يتقدم الطرف صاحب الشكوى بها في غضون 24 ساعة. وتحدد مجموعة المراقبة إجراءات التعامل مع الشكاوى.

إذاً وبموجب النصوص الواردة أعلاه يتم التعامل مع أي خرق بالطرق القانونية والدبلوماسية، وهذا معناه بالحد الأدنى اعتراف حزب الله بوجود كيان إسرائيل وبحدود دولية، وبرعاية دولية لهذه الاتفاقية من قبل القوى الراعية لهذا الاتفاق ومن بينها فرنسا والولايات المتحدة، وبدور الحكومة اللبنانية التي أصبح حزب الله اليوم جزءاً أساسيا من حكومتها إن لم يكن كل حكومتها.. لماذا إذاً استمرار الحديث عن مشروع مقاومة وتحرير وممانعة وعن طائفة المقاومة وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر؟ أم أن السلاح أصبحت مهمته اليوم حماية أنظمة وعائلات حاكمة وخدمة مشاريع إيرانية باسم المقاومة. والمقاومة هي شعار يرفع لتبرير وجود السلاح. وهذه البنود هي برسم القراءة والمناقشة من قبل كل من يريد ويرغب.. إن لبنان اليوم على مفترق طرق صعب ووعر وخطر، فسياسة التجاهل والاستقواء والتعالي والغطرسة لم تعد تنفع ولن تفيد بعد اليوم والثورة السورية المباركة إضافةً على أنها قد كشفت زيف وكذب ادعاء البعض التزامهم مشروع المقاومة وحماية الشعب وتحرير الإنسان إلا أنها أرست إضافةً إلى ذلك قواعد صلبة للجهاد والنضال والمقاومة السلمية بكل عزم وقوة ضد كل مستبد وطاغية وأثبتت أن الحرية وقودها دماء المخلصين من أبناء الشعب بكل فئاته والوطن بكل مكوناته لترسيخ مفاهيم واطر الديمقراطية التي لا يعرفها ولا يرغب بتطبيقها أصحاب الفكر الشمولي والتعددية التي ترى قيمة وغنى في كل مكون وطني مهما كان حجمه وحضوره لا كما يقول النائب علي فياض على الإطلاق.

حزب الله عليه أن يقرأ بعناية الواقع المستجد على الساحة العربية برمتها ومنها الساحة السورية وان يدرك أن ما جرى على الساحة السورية من انتفاضة مباركة قد تتكرر في لبنان سلمياً أيضاً ولكن بوجه السلاح غير الشرعي وكل من يرعاه ويحمله ويستخدمه، وضد كل من يريد تعطيل الحياة السياسية وعمل المؤسسات بكل تفاصيلها ومسمياتها.. لذا عليه أن ينخرط في حوار سياسي جدي وموضوعي وليس استعراضي وفولكلوري كما كان يحدث في السابق فيسلم سلاحه للجيش اللبناني الذي قبل بحكومته راعياً لتفاهم نيسان/ابريل عام 1996، ويتساوى في ذلك مع سائر المواطنين اللبنانيين، وان يعتبر أن أولويته لبنان وان ولاءه لهذا الكيان وان طائفته هي لبنان ويبتعد عن سياسة التخوين والاتهام بحق باقي مكونات الوطن، وإلا فإن لبنان سيكون بين خيارين: التفاهم تحت سقف اتفاق الطائف بما يضمن العيش المشترك والسلم الأهلي والاستقرار الداخلي والخضوع لحكومة واحدة وسلطة واحدة أو الانخراط في صراع مفتوح بين من يمثل ويتبنى مشروع الدولة والوطن المستقر وبين من يعتبر نفسه جزءاً من مشروع أممي يمتد من طهران إلى جنوب لبنان عبر بغداد ودمشق.

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر