الراصد القديم

2012/02/02

شيعيّة الشيخ صبحي الطفيلي

من نافل القول إنّ الأمين العام الأسبق لحزب الله الشيخ صبحي الطفيلي يعرفُ الكثير الكثير عن الحزب بنيةً ومواقعَ وتشابكاتٍ ومعلوماتٍ أمنيّة، وقد يكون يملك معطياتٍ عن جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهو الذي كشفَ أنّه التقى في ربيع 2005 القائد العسكريّ - الأمنيّ للحزب الراحل عماد مغنيّة، وهو الذي يعتبر الاغتيال شرخاً "تأسيسياً" في العلاقات الشيعيّة - السنيّة بل يرى أنّ على "حزب الله" أن يقدّم كلّ التنازلات في موضوع المحكمة الدوليّة وغيره من أجل حماية السلم الاهلي.
بيدَ أنّ لإطلالته التلفزيونيّة مساء الإثنين عبر شاشة "ام.تي.في" علاقةً بعنوان أكبر من عدد من الجزئيّات مهما كانت أهميّتها.
لم يترك الرجل مكاناً للشكّ في كونه مقتنعاً بأنّ النظام في سوريّا آيل إلى الانهيار.
لكنّه كان واضحاً جداً في كونه مسكوناً بهاجس الخطر المتأتيّ من فتنة سنيّة – شيعيّة وبهاجس الخطر من "مطحنة" للشيعة كما سمّاها تقود إليها سياسة إيران - "حزب الله".
فمن الواضح أنّ الشيخ صبحي الطفيلي يقرأ سياسة طهران - "حزب الله" على نحو دقيق. فهو يعتبر أنّ دعم النظام الإيراني و"حزب الله" لنظام بشّار الأسد في سوريّا، قد أدّى إلى وضع الشيعة – خصوصاً في لبنان – في مواجهة الشعب السوريّ بكافّة طوائفه وأطيافه وتحديداً المكوّن السنّي. وقال في محطّة مفصليّة من حديثه إنّ "حزب الله" الذي كان يتلقّى حتىّ الآن الدعم من سوريّا (من النظام السوريّ) سيتلقى غضباً سوريّاً عارماً في ضوء المتغيّرات السوريّة، وإنّ هذا الغضب سيصيب الشيعة.
وفي السياق نفسه، أفاض الطفيلي في شرح السياسة الإيرانيّة لافتاً إلى أنّها في دعمها لنظام الأسد من جهة وفي ردّها على أزماتها الداخليّة وأزمات علاقاتها بالعالم من جهة أخرى، وضعت شيعة المنطقة، الشيعة العرب، في وضع خطير.
وأبرَز فكرةً بالغة الأهميّة في قوله إنّ شيعة عدد من الدول العربيّة – لا سيّما في الخليج – دفعوا دفعاً لينفصلوا عن الغالبيّات في دولهم في معارك "خاصة" ضدّ أنظمة الحكم بدلاً من أن يخوضوا في أمر التغيير وظروفه من ضمن حركات شعبيّة "عامّة".
لم يقم الشيخ صبحي في حديثه التلفزيونيّ بصياغة "كاملة" للإستنتاجات. لكنّه أراد ان يقول إنّ ما يتخوّف منه وما يخشاه، أي الفتنة السنيّة – الشيعيّة ليست افتراضاً تحليلياً – نظرياً عنده بل هي أكثر من احتمال: ففي المنطقة فتنةٌ مشتعلة بالفعل كما في العراق و"نائمة" في دول أخرى... وذات أساس في لبنان. وهوَ إذ حمّل المسؤوليّة لـ "الجميع" كما قال، لم يُخفِ قناعته بأنّ "حزب الله" يتحمّل تلك المسؤوليّة بالأولويّة، ويُطلق صرخةً عالية: إلى أين يتمّ أخذ الشيعة؟.
ويستطردُ في ما هو أكثر من مجرّد تحذير، متوجهاً إلى الحزب ليؤكّد له أنّ كلّ ما لديه من تسليح لا يفيده لأنّ البداية يجب أن تكون في مراجعة الحزب لسياساته التي شكّل احتلال بيروت في إطارها في أيّار 2008 أكبر إساءة إلى العلاقات الإسلاميّة – الإسلاميّة وإلى السلم الأهلي.
إنّ ما يدقّ الطفيلي الناقوس بشأنه هو في العمق، حتىّ من دون أن يقولَه حرفياً، إنّ "حزب الله" الذي أنهى المشروع المقاوم في 1996 بـ "تفاهم نيسان" كما يعتقد الشيخ، باتَ "حزب حرب أهليّة".
ولذلك طالبه بـ "المراجعة"... بمراجعة ما آلت أموره إليه ودعاه إلى مبادرة تصالحيّة مع الفريق الإسلامي الثاني وبسرعة، على أن تتضمّن المبادرة خطوات فعليّة في مسألة العدالة للرئيس الشهيد رفيق الحريري.
على أنّ الشيخ صبحي أثار في حديثه مسألةً أخرى على درجة عالية من الأهميّة والخطورة. فهو ألمحَ إلى أنّه سمع من أوساط قريبة من "حزب الله" أو غير بعيدة عنه أنّ "خيار التحالف مع إسرائيل" قد يكون وارداً ذات يوم في مواجهة ما قد يعتبره الحزب وطهران مدّاً إسلامياً سنّياً!.
للوهلة الأولى يثير هذا الطرح قدراً من التعجّب... إذ كيفَ لهكذا تحالف أن يقوم؟. غير أنّ ما يثيره الشيخ فيه نسبةٌ من "الواقعيّة" إذا جاز التعبير.
واقعيّة إمكان الانكفاء بالشيعة من طائفة فاعلة في محيطها الإسلاميّ ومتأصّلة في عروبتها... ومؤسّسة في الكيان اللبناني، إلى أقليّة قد يقودها عقل سياسيّ ما إلى استهواء "تحالف الأقليّات"!.
وبهذا المعنى فإنّ الشيخ صبحي يحذّر في خضمّ الربيع العربيّ من هكذا "انبعاثات سامّة".
خلاصةُ القول إنّ كلام الأمين العام الأسبق لحزب الله موجعٌ للحزب وإيران لكنّه منبّه ومحفّز للشيعة.
إنّه "الكلام الشيعي" الذي يجب أن يُقال عند هذا المنعطف الذي تجتازه المنطقة ويجتازه لبنان. إنّه الكلام الذي يجب أن يُسمع كي تتحصّن كلّ البيئات في لبنان من أجل سلام لبنان.
لقد أحسنتَ يا شيخ صبحي وأصبت كبد الحقيقة، ليس لأنّك بما أعلنت اصطففت في وجه سياسة قيادة الحزب، بل لأنّك تحدّثت في توقيت حسّاس وقرّرت أن تحاول التأثير بخطاب فيه قدرٌ من التحديث للخطاب الدينيّ!. 
نصير الأسعد

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر