الراصد القديم

2012/02/23

الآذان في مالطة

رحم الله عبد الناصر ، ليته عاش ليشهد هذا اليوم الذي شارك في صنعه على نحو ما ، حارب التيار الديني بكل أطيافه ، سجنهم ، نكل بهم ، عذبهم ، لأنه كان يريد أن ينقل مصر إلي الحاضر بينما كانوا يريدون سحبها إلى الماضي . ولأن الأخوان ومعهم أصحاب التيار السلفي قد تعذبوا كثيرا وذاقوا الأهوال على أيدي التيار الناصري فقد تعاطف الناس معهم شأنهم مع أي ضعيف مضطهد. ، ولأن أصحاب التيار الديني - ظاهريا علي الأقل - أناس طيبون ، يتسمون بخلق رفيع ومتدينون بشكل يجعلهم لايقيمون وزناً للدنيا وشؤونها ويضعون الآخرة فقط نصب أعينهم فقد استقطبوا الناس وجمعوا الأنصار والأتباع وصوروا لهم أن محاربتهم واضهادهم كان في حقيقته محاربة واضطهاد للدين ذاته .

وقد نجح عبد الناصر في إبعاد الأخوان عن مشروعه الوطني القومي طوال فترة رئاسته لكن الخطر كان يتربص به وبمشروعه من جهة لم تخطر له علي بال ، فماإن ووري جثمانه التراب حتي أطلق خليفته إشارة البدء في هدم المشروع الوطني القومي الناصري واستكمل الخليفة الثاني عملية الهدم حتي أنه باع كل مكتسبات الثورة الناصرية برخص التراب وانقض أتباعه وأعوانه ينهشون لحم الوطن ويهمشون الشعب المصري الحقيقي الذي عاش عبد الناصر ومات من أجله ، والعجيب أنهم حين فعلوا ذلك لم يكفوا عن الإدعاء بأنهم ورثة مشروع النهضة الناصري والأمناء عليه .

وكان لابد لذلك الشعب الذي سرقت أمواله وبيعت ممتلكاته وسحقه الفقر وأذلته الحاجة أن يثور ثانية ، ثورة بلاقيادة وبلامشروع وبلا خطة طريق فكان من الطبيعي أن يقفز علي مقود قيادتها أولئك الذين عزلهم عبدالناصر وأبعدهم ونكل بهم ، اليوم جاءتهم الفرصة لتصفية الحساب والانتقام ممن ظلمهم ولتربية الشعب من جديد وتعليمه ماذا يأكل وماذا يشرب وماذا يلبس بل وماذا يشاهد أو يسمع !! ، فرجل دين واحد في زعمهم مسؤول مسؤولية كاملة عن حياة الناس جميعاً وفي كل دقائقها وعليه تقويمها بكل وسيلة حتى ولو صادر رغباته وقيد حرياته !!

اليوم يعودون كما أرادوا أول مرة لقيادة المسيرة ولم يجدوا هذه المرة من يمنعهم بل وجدوا من صفق وهلل وكبر لأن السجين قد خرج من سجنه والمضطهد قد علا صوته ، أما إلي أين سيقودوننا هذه المرة فذلك هو السؤال الذي ستجيب عليه الأيام القادمة. المتتبع لآداء قيادات التيار الديني تحت القبة لاشك سيدرك وللوهلة الأولي أن هؤلاء قوم قد نذروا أنفسهم للدين ولاشأن لهم بالسياسة ولابإدارة شؤون الدولة وهذا ليس أمراً سيئاً علي أي حال فمن حق كل إنسان ان يمارس حريته الشخصية فهماً وسلوكاً ولطالما نادينا بإبعاد رجال الدعوة عن السياسة ودهاليزها وألاعيبها حفاظاً على هيبة الدين ومكانة رجاله ، لكنهم أصروا علي المنافسة مطمئنين إلي شعبية تكتسح من أمامها بسهولة ويسر ، لم يميزوا بين شعبية حازوها باعتبارهم أناس طيبون ومتدينون قادرون علي اكتساب حب من يسمعهم وتوقيره وبين أن يكونوا رجال سياسة قادرين علي وضع خطط للتنمية ومناقشة ميزانية الدولة ومحاسبة الحكومة وتقويمها أو حتي سحب الثقة منها ،والجمع بينهما متاح لمن أراد شريطة ان يعرف أن لكل مقام مقال ولكل ساحة أدواتها وطرائقها ، لكن ماشهدناه مع الأسف أنهم قد ابتدأوا دخول عالم السياسة بخطأ قاتل سرعان ماتلته أخطاء عديدة عقدت الحياة السياسة وأدخلتنا متاهة يعلم الله متي وكيف نخرج منها .

أصروا علي إجراء الانتخابات قبل وضع دستور جديد للبلاد يكون بمثابة خارطة طريق توضح معالم الطريق ومهام وواجبات الحاكم و مؤسسات الدولة المختلفة ، الدستور الذي هو أبو القوانين والمصباح الذي بدونه نتخبط في ظلمات بعضها فوق بعض ، تجاهلوه من أجل ضمان المقاعد أولاً وصوروا للناس أن الصراع ليس بين أبناء الوطن الواحد وصولاً إلي الصياغة الأفضل لمنظومة الحكم وإنما صوروه صراعاً بين مؤمنين وكافرين بل بين حلال وحرام !!

من هنا فإننا لم نندهش حين وجدنا من يقف ليرفع الآذان تحت قبة المجلس ، ومن يبدأ ممارسة السياسة. بالمطالبة بحجب المواقع الإباحية علي الانترنت !! ، لم يسأل النائب المحترم نفسه كم نسبة مستخدمي النت من أفراد الشعب وكم من هذه النسبة من يعرفون طريق المواقع الإباحية ، لم يسأل نفسه ألهذا منحه الشعب ثقته وصوّت له أم من أجل الغلاء الفاحش في أسعار السلع وملايين العاطلين الذين لايجدون عملاً والملايين غيرهم الذين لايجدون ماينفقون .

من هنا تحول آداء المجلس النيابي إلي مشاهد كوميدية لحد المسخرة تتفوق على كل مانعرفه من فنون الفانتازيا ، وفي المقابل ونظراً لأن الاشتغال بالسياسة ليس مجال نشاطهم وتفوقهم فقد اكتفوا بمقاعد المجلس النيابي وبدا كأنهم يتهربون من تشكيل حكومتهم بوصفهم حزب الأغلبية مع أن الأعراف تقضي بأن يترجموا أغلبيتهم بتشكيل حكومة تمكنهم من الحكم ولامانع من إشراك أحد أحزاب الأقلية معهم لضمان أغلبية مريحة ولضمان الاستمرار في الحكم لأطول فترة ممكنة كما تقضي الأصول وكما هو حال الأغلبيات البرلمانية في كل الدنيا التي تجعل همها معالجة أمور الدنيا لا الاهتمام بشؤون الاخرة وحل مشاكل الناس على الأرض لاتهيئتهم للانتقال إلى العالم الآخر ، وقد شجعت هذه الخيبة الثقيلة المجلس العسكري- ومعه كل الحق- علي أن يبقي زمام الأمور في يده فيبقي علي حكومة الجنزوري التي هي استنساخ أمين لحكومات مبارك وأساليب آدائها وأن يتجاوز صلاحيات المجلس المرتبك في الأمور الحيوية وأهمها قانون انتخاب رئيس الجمهورية مادام السادة نواب الشعب لايعرفون أكثر من الآذان في المجلس بينما الشعب كله يؤذن في مالطة.
د. محمد فؤاد منصور

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر