الراصد القديم

2012/02/24

هل تعيد سوريا الحقبة السعودية؟

تمزج السعودية بين موقفها الأخلاقي من الثورة السورية وتشددها المتزايد في التعامل مع الخطر الإيراني. فالثورة السورية وجهت أقوى ضربة للتمدد الإيراني وهي فرصة لا تريد السعودية أن تضيعها كما يلاحظ الباحث عبدالعزيز الخميس.

***

تخلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز خلال الاتصال الذي تلقاه من الرئيس الروسي مدفيديف عن هدوء خطابه وردود فعله الدبلوماسية المتحفظة التي عرفت عنه حين يتحاور مع قادة دوليين، الذي طلب منه العمل سويا لحل الازمة السورية عبر خطة عمل، او مبادرة سعودية روسية تذهب الى دمشق حاملة وساطة وحل يقضي بحماية المدنيين السوريين، وفي المقابل بقاء نظام بشار الاسد مع ضمانات بمشاركة المعارضة في الحكم بل وتسليمهم رئاسة الوزراء.

هذا ما تؤكده المعلومات الواردة من الرياض والتي تشير الى ان الرئيس الروسي طالب السعوديين بالانضمام لمساع روسية تهدف لحل الازمة السورية وتقريب جميع اطراف الأزمة الى منتصف الطريق.

رد الملك عبد الله القوي أصاب الروس بخيبة أمل كبيرة، بل أعتبر عقابا للروس على دورهم السلبي في مجلس الأمن.

التساؤل المطروح حاليا في السعودية: ماذا بعد التصريحات والخطابات؟ وهل تفيد المواقف السياسية الضاغطة في ظل التحجر السوري والروسي؟ وما هي إمكانية إختراق هذا الحاجز الذي يعطل الحل العربي؟

في المقابل هناك علامات إستفهام حول تحرك الدبلوماسية السعودية ضمن استراتيجية محددة الأهداف في تعاملها مع سوريا.

تقاسمت السعودية وسوريا العديد من مناطق النفوذ، فكانتا مع بعضهما البعض ضمانة لحل الأزمة اللبنانية التي استعصت على الحل لفترة طويلة. وكان تعاون الرئيس الراحل حافظ الأسد مع السعوديين فعالا جدا، إلى ان بدأ السوريون اساءة استغلال سلطتهم بعد اتفاقية الطائف في لبنان، واصبحوا محتلين اكثر منهم وسطاء، وبدأوا يعينون الوزارات المتتالية الى ان اتهموا بوقوفهم وراء اغتيال صديق الملك عبدالله الشخصي ورئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.

وفي محاولة من الأسد الابن للخروج من تحت عباءة الأسد الأب، عمل بشار على الخروج ايضا من غمار عباءة الملك عبدالله الذي ساعده كثيرا لانتزاع شرعية رئاسة سوريا من عمه رفعت ومن اطراف سنية قريبة من السعوديين. وكان رد الجميل بالوقوع تحت عباءة خامنئي مما اغضب السعوديين كثيرا، لتأتي حرب 2006 بين حزب الله واسرائيل ثم حرب غزة 2008 لتجعل من بشار الأسد عضوا فعالا في حلف ايراني ضد مشاريع التهدئة في المنطقة.

وبمرور الأعوام تفانى بشار في اضافة الكثير لمخزون الغضب السعودي: موقف عدائي جديد وراء الأخر، حتى اندلعت شرارة الثورة السورية وبدأت تزلزل موقع بشار.

كان رد الفعل السعودي على ما يحدث في سوريا هادئا في البداية، معتمدا على سياسة تقليدية تحاول الابتعاد عن التدخل في شؤون الدول الاخرى، ناهيك عن دولة ذات موقع حساس وتعتبر احد المحاور الرئيسة في العالم العربي.

لم يطل هذا الهدوء. ففي اغسطس 2011 تحرك الصقور في القصور السعودية كي يضغطوا على الموقف السعودي الرسمي، وليصدر خطاب ملكي تضمن استدعاء السفير السعودي في سوريا للتشاور حول تداعيات الأزمة هناك.

قال الملك عبدالله إن "ما يحدث في سوريا لا تقبل به المملكة العربية السعودية، وأن الحدث أكبر من أن تبرره الأسباب"، وطالب النظام السوري "بإيقاف آلة القتل وإراقة الدماء، وتفعيل إصلاحات شاملة"، ووضح إن "المملكة تقف تجاه مسؤوليتها التاريخية نحو أشقائها".

الموقف

يحاول الملك عبدالله ان يفعل ما يخفف من غضب السعوديين لما يحدث في سوريا. فعلاقات الشعب السعودي بشقيقه السوري قوية، وكانت سهام النقد تصب على القيادة السعودية داخليا بسبب ما تتهم به من تقصير في دعم الشعب العراقي مما اسقط العراق في القبضة الايرانية، لذا عمدت الحكومة السعودية الى اعلان براءتها من الصمت والوقوف كمتفرج تجاه ما يقوم به النظام السوري. وهي تعمد حسب المفهوم السعودي الى براءة الذمة وإقامة الحجة.

ما يدفع الملك عبد الله لاتخاذ موقف متشدد من نظام بشار الأسد هو معرفته الدقيقة بما يحدث هناك عبر اقاربه فلدى احد ابنائه أخوال قريبون من سوريا كما ان لدى الملك اصدقاء كثر من شيوخ عشائر سورية بعضهم يعيشون في الرياض ويلتقون بالملك بشكل اسبوعي.


كما ان الجالية السورية كبيرة وقوية في السعودية وتحظى باحترام كبير لدى الشعب السعودي.

لكن السبب الأهم لدى صانع القرار السعودي هو ان سقوط بشار يعد ضربة قوية للنفوذ الايراني في الشرق الأوسط وتدمير لكل ازماته التي يصنعها بين الفينة والاخرى اما في جنوب لبنان او جنوب فلسطين.

ويبدو ان السعوديين سيبدأون بتجهيز وتمويل الجيش السوري الحر بعد ان يكملوا تأهيل جسد واحد ومتضامن للمعارضة بتعاون خليجي وتركي وغربي.

ويعلل بعض المقربين لدى القيادة السعودية التحرك السعودي ضد بشار الأسد بأنه لو لم تتحرك الحكومة فسيبدأ مواطنو البلاد من الشباب المقتنع بالجهاد العمل منفردين، وقد يتكرر سيناريو العراق الذي لا يزال يجر مشاكل على السعودية.

كما ان الضغط الشعبي بدأ يتعاظم والاقتناع بأن الصبر على الوضع وان التدخل ودعم المعارضة قد يعقد الوضع اصبحت وراء ظهور السعوديين نتيجة لزخم المعلومات عن قتل الاطفال والنساء والاغتصاب والاعمال التي تستنزف كرامة الانسانية.

ومما اثار غضب السعوديين حصولهم على أدلة مهمة على التعاون الإيراني السوري لاشعال المنطقة الشرقية السعودية، واستدراج قوى الأمن السعودية لردود فعل عسكرية قد تساعد في استفحال الوضع وتخفيف الدعم الخليجي للثوار السوريين وإشغال الخليج وخاصة السعودية وقطر والامارات بما يحدث بقربهم وداخل دولهم.

كان استخدام السوريين للمجلس العلمائي في البحرين وحزب الله الحجاز في المنطقة الشرقية السعودية قد دفع صانع القرار السعودي لحزم أمره والدخول تباعا في صراع مكشوف ضد نظام بشار الأسد.

الإستراتيجية

لم تصنع السعودية استراتيجية محددة بعد للوقوف ضد نظام بشار الأسد والته القاتلة لكن توفر الاستراتيجية يتبلور حاليا وبمساعدة من قطر وتركيا الامارات ودول اخرى يهمها ايقاف عذاب الشعب السوري.

ويمكننا استعراض ما يتم وضعه الان من نواح استراتيجية:

ثورة وليست اعمال عنف:

من أهم المؤشرات التي تعترض العمل لنصرة الشعب السوري في ثورته ان الغرب يصف ما يحصل في سوريا بأنه اعمال عنف وليس ثورة، لذا يتجه صانع القرار السعودي الى محاولة إعادة التعريف والنظرة الدولية لما يحدث على الأراضي السورية.

قوة دولية ضاغطة وعازلة:

يعمل السعوديون على تدعيم العمل الأممي لكن التحرك الروسي والصيني عطل من فعالية هذا التحرك، ولتلافي ذلك يتم الآن بالتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا والغرب بناء قوة فاعلة تضغط على نظام بشار الأسد.

والضغط ليس علـي نظام بشار فقط بل على حلفائه، ولعل الموقف السعودي من روسيا الذي اتضح في تفاصيل المكالمة الهاتفية بين الملك عبدالله والرئيس الروسي تعتبر ضمن هذا السياق.

في المقابل يجد الحلف الايراني السوري العراقي وحزب الله نفسه في وضع لا يحسد عليه، فإيران ببرنامجها النووي تواجه ضغوطا ومشاكل سياسية واقتصادية وكبيرة وهي مهددة بعزلة مثلها مثل سوريا. بينما العراق عبر حكومة المالكي يقترب من السعوديين ويحاول ان يبني له قبولا عربيا استعدادا لقمة بغداد. وبكل براجماتية، يحاول المالكي ان ينقذ اليوم ما يمكن أن تؤول إليه حكومته مستقبلا، خاصة بعد ان قرأ ان مستقبل المنطقة لن يكون بوجود نفوذ ايراني قوي كما كان.

ويبدو ان الغزل السعودي العراقي الأخير سيثمر عن تغييرات كبيرة لصالح التهدئة العربية وتحييد العراق في عملية الاطاحة بنظام بشار الاسد.

ممرات انسانية:

ستدعم السعودية وبقوة المبادرة التركية لبناء ممرات أمنة لانقاذ المناطق المحاصرة وايصال المساعدات الانسانية، وهذا يعني الاصطدام الوشيك عسكريا بنظام بشار.

ستكون الممرات بدءا من تركيا لمنطقة إدلب، ومن لبنان لحمص ومن الاردن لدرعا. وقد يكون الممر التركي الأول والاختبار الحقيقي للارادة الدولية.

دعم الثوار بالسلاح:

كل هذا يمهد لتدخل سعودي قوي في الأزمة السورية حيث ستبدأ عمليات دعم عسكري بالاسلحة والسياسة للثوار، لكن المهمة الأكبر والتي ستقع على عاتق السعوديين هي توحيد المعارضة السورية سياسيا بحيث تظهر قوية وموحدة وتستطيع ان تمثل السوريين. لكن مثل هذا الجهد السعودي يصطدم بتشتت المعارضة واختراقها من قبل النظام السوري الذي سارع حين تم تأسيس المجلس الوطني الى تأسيس جسم مشابه ثم أخر ليعيق توحيد الجهود السورية المعارضة ضده.

دعم المسودة القطرية لمؤتمر اصدقاء سوريا:

وتتضمن تقديم الدعم المادي للشعب السوري والاعتراف بمجلس الوطني السوري وتقديم مرتكبي الجرائم للمحاكمة في المحكمة الجنائية الدولية.

البعد الجهادي

ما تخشى منه السعودية هو استثمار القاعدة للأزمة السورية، ويزيدها قلقا الدعاية الاعلامية الاميركية لتحركات القاعدة وانتقالها من العراق الى سوريا وبدء عمليات التفجير في مناطق متعددة وتراوح الاتهام بين القاعدة والنظام السوري وامكانية استثمار بشار الأسد لهذه التحركات لتأكيد مشروعيته كحامي لسوريا من اعتداءات السلفيين الجهاديين وعلى رأسهم القاعدة.

وقد يبدو تدخل القاعدة للنظام السوري بارقة أمل في ان يخف الضغط الغربي عليه وان تتحول حالة العداء للتأييد لايقاف المد الجهادي من الحصول على قاعدة قوية في سوريا خاصة وانه ما تحل القاعدة في بلد ما الا ويكتسب نظامه مشروعية اكثر كنظام معاد لمن يمثل اكبر الاخطار للغرب واقواها.

وتشير تقارير تروج في السعودية ان ايران حركت خلاياها المنتسبة للقاعدة الى سوريا لمساعدة بشار الاسد في تحويله الثورة الشعبية الى عمل تخريبي جهادي قاعدي ولانقاذه من الظهور كمقاتل ضد شعبه.

للرد على ذلك نبه الاعلام السعودي الى هذه المخططات، ويبذل جهدا قويا في ان يبقي على الصبغة الشعبية البريئة على الثورة السورية. لكن في ظل تعاون اعلامي غربي غير مباشر وخوف من القاعدة وتشجيع ايراني ومن حزب الله لتواجد القاعدة "الايرانية" في سوريا يمكننا ان نراقب ان الصراع سيتخذ بعدا جديدا.

عودة الحقبة السعودية

في حال نجحت الاستراتيجية السعودية باخلاقياتها الاسلامية ونصرتها للمظلوم او في ذرائعيتها السياسية ضمن صراع القوى مع ايران، يمكننا الجزم ان انهيار النظام السوري يعني اضمحلال النفوذ الايراني في المنطقة وصعود النجم السعودي بقوة كقوة اقليمية وحيدة بالتعاون مع دول الخليج العربي وعمل متناغم لصيانة المصالح العربية في المنطقة.

لا يبدو ان الغرب يقف امام هذه الاستراتيجية بل يراها لصالحه نتيجة للموقف السعودي من مصالحه، ايضا لا تجد دول صغيرة كقطر غضاضة في ان يبرز الدور السعودي طالما وجدت لها دورا ضمنه وهذا ما اتضح في العمل السعودي القطري المنسجم تجاه الأمة السورية.


لكن ما يعيق عودة الحقبة السعودية هو احتمال عودة تركيا للتحرك بدور مستقل للسيطرة على سوريا دون العمل مع العرب. كما ان العراق قد يجد نفسه مدفوعا من ايران لموازنة الدور السعودي، اضافة الى ان الجيوب الايرانية الفاعلة في الخليج العربي لن تقف مكتوفة الايدي وهي ترى انحسار دور ايران وقد تصعد من احتجاجاتها الداخلية.

لكن بعض المراقبين السعوديين يرون ان الوقت حان لعودة السعودية كلاعب قوي في المنطقة وان تتخلى الرياض عن احجامها عن استغلال امكانياتها وقوتها وان الأزمة السورية هي بوابة الدخول الى حقبة جديدة من النفوذ، ولكن هذه المرة بتعاون اقليمي يضم مجلس التعاون وتركيا وقوى غربية صديقة وفي انتظار هدوء العواصف في دول الربيع العربي.

ولعل زيارة رئيس الوزراء التونسي للسعودية وتأكيده على التعاون مع السعودية يحمل دلالات كبيرة على ان كل الرهانات على الربيع العربي سيضعف موقع الرياض قد خسرت، وفي انتظار نظام جديد في مصر سيكون منشغلا بداخله والازمة الاقتصادية وقد يرحب باستمرار التحالف مع السعودية ليتفرغ لشؤونه الداخلية.

بعد كل هذا، هل تعيد الأزمة السورية فعالية السياسة السعودية حقبتها التي صعدت اسهمها في ثمانينات القرن الماضي؟ الاجابة هي في ان لا تركن السعودية للهدوء والحذر السابق.

عبد العزيز الخميس

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر