الراصد القديم

2012/02/02

النهضة 'العلمانية' أمام تحديات السلفيين الآن

أصبح الشيخ راشد الغنّوشي، زعيم حركة "النهضة" ـ الحاكم الفعلي في تونس بحسب ‏العديد من المراقبين ـ محشوراً في الزاوية بعد تكرّر وتنوّع الاعتداءات اللّفظية والجسديّة ‏من طرف بعض المنتمين الى السّلفية، والتي طالت حتّى رجال الأمن، وهو المنادي بحقّ ‏السّلفيين في التعبير عن آرائهم لكن بالطرق السلمية ومن دون ممارسة العنف والإكراه في ‏الدين.‏

فقد تعدّدت وتعالت الأصوات المندّدة بالممارسات القمعيّة التي تصدر من حين لآخر من ‏أشخاص ملتحين يرتدون اللباس الأفغاني ورافعين الرايات السوداء في عدّة مناطق من ‏البلاد، وسط صمت شبه مطبق من حكومة "النهضة".‏

‏"سكوپات" بالجملة

وطالت هذه الاعتداءات بعض الصحفيين والمحامين والأكاديميين والمفكرين والمبدعين.‏

وفرضت مجموعة سلفية اعتصاما داخل حرم كلية الآداب والفنون بـ"منوبة" لعدّة أسابيع ‏من أجل فرض ارتداء النقاب في قاعات الدّرس والامتحانات، واعتدت بالعنف على طلبة ‏وأساتذة.‏

واقتحمت مجموعة أخرى كلية الآداب بـ"سوسة"، مطالبة بتطبيق الشريعة وبضرورة ‏ارتداء النقاب داخل الجامعة.‏

وعمدت مجموعة أخرى إلى تشكيل "أول إمارة إسلامية في تونس" اتّخذت من ‏‏"سجنان"، القرية المهمّشة في محافظة "بنزرت" شمال العاصمة، مقرّا لها. ‏

وحدثت سلسلة من الاعتداءات استهدفت أعوان الأمن في مناطق مختلفة من البلاد، ‏كان آخرها الثلاثاء بالقرب من "بئر علي بن خليفة" و"الصخيرة"، التابعة لولاية ‏‏"صفاقس" التي أعلنت منطقة عسكرية مغلقة.

ونقلت بعض المواقع عن مصادر في ‏الحرس الوطني أن أحد أفراد القوات الخاصة أصيب بطلقة نارية في كتفه كما اصيب ‏عسكري من الجيش برصاصة خلال تبادل اطلاق النار.‏

وكان النّاطق الرسمي باسم وزارة الدّاخلية هشام المؤدب أعلن عن 400 عملية اعتداء ‏ضد رجال الأمن تسببت بأضرار جسدية بليغة ووفاة عدد منهم منذ اندلاع الثورة، لكن ‏لم يذكر السّلفيين بالاسم.‏

ونظّم الاتحاد الوطني لنقابات قوات الامن ونقابة موظفي الادارة العامة لوحدات التدخل ‏وقفة احتجاجية امام مقر المجلس التاسيسي في "باردو" للتّنديد بهذه الاعتداءات.‏

وما من شك أن صورة رجل الأمن لدى المواطن التونسي بدأت تتحسن بعد عقود من الرعب ‏والرضوخ لأحد أعمدة النظام الدكتاتوري، لكن منظر رجل الأمن على شاشة التلفزيون ‏الوطني وهو يشتكي من اعتداءات مواطنين من شأنه أن يوتّر العلاقة بين الطرفين من ‏جديد.‏

أين نحن من "مبادئ" الغنّوشي؟

وكان راشد الغنّوشي شدّد بعيْد انتصار "النهضة" في انتخابات المجلس الوطني ‏التأسيسي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي على مبادئ أساسية تتعلّق بـ"الصّدق في ‏الإسلام" و"الحرّية في الإسلام" و"التعدّدية"، وخاصّة بالنسبة للتيّار السّلفي في تونس.‏

وقال في مقابلة مع قناة "الجزيرة" القطرية أثناء زيارته الأولى إلى قطر بعد الانتخابات ‏‏"نحن ليس لنا مشكل مع التّعدّدية. والسّلفيون هم أبناء تونس، هي فئة نشأت في ظلّ ‏أوضاع قمع وفي ظلّ تغييب الحركة الإسلامية. فهؤلاء من حقّـهم التّعبير عن آرائهم، لكن ‏بالطريقة السلمية".‏

وأضاف زعيم "النهضة": "ما دمتَ لا تحرّض على العنف ولا على العنصريّة، فمن ‏حقّك أن تطرح أفكارك في المجتمع، والمجتمع هو الذي يحكم وليس الدّولة".‏

واختتم كلامه مشدّدا على أن "كلّ التونسيين مسلمون والإسلام لا تحتكره النهضة ولا ينبغي ‏أن نمنع جمعية تعمل في إطار القانون وتعمل بشكل سلمي ووفق الأهداف العامة للمجتمع".‏

إشارات تطمينية

وخلال هذا الأسبوع، بعث وزير الداخلية علي العريض إشارات لطمأنة التونسيين، مشدّدا ‏في حديث خاص لقناة "حننبعل" على ان "من يتجاوز القانون ويستخف بالسلطة ويتصرف ‏وكأنه المرجع، سيطبّق عليه القانون، سلفيّا كان أم غير سلفي".‏

كما صرّح الناطق الرسمي باسم الحكومة ووزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية سمير ‏ديلو في مداخلة هاتفية على راديو "شمس آف آم" بأنه "سيتم اتخاذ إجراءات خلال الأيام ‏القليلة القادمة لتفعيل القانون الذي يحمي رجال الأمن لأنه بالأساس موجود".‏

وأعلن مؤخّرا القبض على شاب تبدو على ملامحه علامات الانتماء للتيار ‏السلفي، المتّهم بالاعتداء على رئيس تحرير جريدة "المغرب" زياد كريشان وعلى ‏الدكتور حمادي الرّديسي.‏

وقبلها بعدّة أشهر، قال "شهود عيان" أن قوات الأمن اعتقلت عددا من السلفيين بعد أن ‏احتشد نحو مئة شخص منهم أمام قصر العدالة في العاصمة للمطالبة بالإفراج عن رفاق ‏لهم اعتقلوا قبل يومين.‏

اللّعب بالمكشوف ‏

إلا أن الفرع التونسي لـ"حزب التحرير" السّلفي "يصرّ ويوقّع" على التّحرّك في وضح ‏النّهار وبكثافة، وليس فقط على الشّبكة العنكبوتيّة، بالرّغم من أنه لم يحصل إلى حد الآن ‏على تاشيرة قانونية. ‏

وقد أعلن بالأمس على موقعه الإلكتروني وعلى صفحات "الفيس بوك" عن تنظيم ندوة ‏بعنوان "العلمانية حرب على الإسلام والمسلمين" الأحد 5 شباط/فبراير بـ"حمام الغزاز" ‏في معتمديّة "قليبية".‏

وأثار هذا الإعلان تساؤلات العديد من التونسيين حول شرعية التحرّك، نظرا إلى أن ‏الحزب لم يحصل على ترخيص رسمي.‏

ومن الأسئلة التي توجهوا بها إلى حكومة السيد حمادي الجبالي "لماذا لا تحرك الحكومة ‏المؤقتة ساكنا تجاه هذا الحزب الذي يمارس خرق القانون علنا؟ وما سرّ هذا الصّمت تجاه ‏تجاوزات هذا الحزب؟ وهل عنوان الندوة لا يمثلّ إعلان حرب، طالما أنّ الحزب غير ‏القانوني يطرح العلمانية كحرب على الإسلام والمسلمين؟ وبما أن التونسيين في غالبيتهم ‏مسلمون، هل ننتظر أن تخرج علينا الحكومة التونسية بتوضيح رسمي لما يحدث فعلا، ‏وما الذي يجعل هذا الحزب فوق القانون؟ وماذا يعني السيد علي العريض وزير الداخلية ‏عندما تحدث عن تطبيق القانون على الجميع بدون استثناء وبما يمليه قانون البلاد؟ وإذا ‏كان هذا الحزب غير المرخص له فوق القانون، أفلا يفتح الباب أمام أحزاب أخرى أكثر ‏تطرفا لتملأ المشهد السياسي في تونس باسم الدين الإسلامي؟ ‏

‏"النّهضة" والعلمانيون وجهان لعملة واحدة

وردّ عليهم أنصار "حزب التحرير" باستماتة "تركنا جمعيات 'الليونز' و'الروتاري' ‏وأخيرا ظهرت لنا في الأسواق مجلات الشواذ"، "تمنعون النقاب وتقبلون الشذوذ ‏الجنسي"، "هل هذه هي الحريات التي تدافعون عنها يا أيتام بن علي؟".

كما دافع آخرون عن الرئيس السابق لحركة "النهضة" الصادق شورو الذي طالب أمام ‏المجلس التأسيسي بتطبيق الحدود الشّرعية على "الذين أحرقوا المؤسسات العمومية ‏وعطّلـوا الإنتاج في المصانع والمنـاجم واغتصبوا أموال الناس بالقـوة وانتهكوا الأعراض ‏والحرمات".

وكان شورو تعرّض لانتقادات من القوى السياسية التقدّمية التي رأت في ‏تصريحاته دعوة صريحة للتقتيل وتقطيع الأطراف.‏

فكتب أحدهم "من يقول الحق مستشهدا بكلام الله وتعاليمه لا يكون مضطرا للتوضيح و ‏التفسير للجهلة وعميان البصيرة".‏

وعلّق سلفيّ آخر قائلا "بقي للشيخ الصادق شورو أن يختار بين الحق أو إرضاء الناس. ‏والأكيد أن 'النهضة'‏ وأعضاءها اختاروا منذ أمد إرضاء الناس وبلوغ السّلطة. لذلك لا ‏نكاد اليوم نميّز بينهم وبين العلمانيين".‏

حبيب طرابلسي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر