الراصد القديم

2012/02/06

واشنطن بوست: خمس أفكار مغلوطة عن القوة الصينية

لا عجب أن الصين امتعضت كثيراً عندما أعلنت إدارة أوباما حديثاً إنشاء محور استراتيجي خاص في آسيا بينما شعرت معظم دول المنطقة بالاطمئنان ورحبت بتلك الخطوة ولو ضمنياً.

1- تزايد النفوذ الصيني يهمّش النفوذ الأميركي في آسيا

العكس صحيح! لا شك أن النفوذ الصيني يشهد تنامياً ملحوظاً في آسيا، فقد أصبح اقتصاد الصين اليوم الأهم في المنطقة، وتحولت الصين أيضاً إلى أكبر شريك تجاري بالنسبة إلى كل دولة آسيوية أخرى. كما أن تحديثها العسكري ساهم في تعزيز الإمكانات القتالية لجيش التحرير الشعبي.
لكن بدل تهميش أو تقليص النفوذ الأميركي، يساهم توسع النفوذ الصيني في تقريب المسافة بين معظم الدول الآسيوية وواشنطن، فضلاً عن رفع مكانة الولايات المتحدة، فلا يزال الوجود الأميركي يحظى بالترحيب في هذه المنطقة لأنه يمنع أي قوة إقليمية من السيطرة على الدول المجاورة لها ويضمن التوازن الاستراتيجي. كلما زادت قوة الصين اليوم، أصبح الالتزام الأميركي أكثر أهمية في المنطقة وتستطيع واشنطن بذلك فرض نفوذ أكبر.
لا عجب إذن أن الصين امتعضت كثيراً عندما أعلنت إدارة أوباما حديثاً إنشاء محور استراتيجي خاص في آسيا بينما شعرت معظم دول المنطقة بالاطمئنان، ورحبت بتلك الخطوة ولو ضمنياً. اليوم، من الواضح أن الروابط الأمنية الأميركية مع أبرز الدول الآسيوية (الهند، أستراليا، اليابان، كوريا، وحتى فيتنام) هي أفضل من أي وقت مضى.

2- ارتفاع مخزون احتياطي النقد الأجنبي يمنح الصين نفوذاً هائلاً

تملك الصين حوالي تريليونَي دولار على شكل رهون وديون للخزانة الأميركية و800 مليار دولار على شكل سندات أوروبية، قد تثير هذه الحيازات الضخمة القلق في أوساط الغرب، وقد تعطي بكين امتيازات وحقوقاً كثيرة، ولكنها لم تمنح الصين الكثير من الثقل الدبلوماسي.
لم يتحقق أسوأ السيناريوهات الذي يتوقع أن تُغرق الصين الأسواق العالمية بالسندات السيادية الأميركية لإخضاع واشنطن لرغبتها، ولن يحصل ذلك يوماً على الأرجح. فقد فضّل صندوق الثروة السيادية في الصين (وهو يستثمر جزءاً من ذلك الاحتياطي) الاعتماد على الموارد التي لا تحمل مجازفات كبرى (مثل شراء حصة محدودة في شركة مياه بريطانية)، وقد سعى إلى تجنب أي جدل جيوسياسي. في ما يخص أزمة الديون الأوروبية، بقيت الصين غائبة عن الساحة.
لا يساهم مخزون الصين من العملات الصعبة في تعزيز نفوذها الجيوسياسي فعلاً لأن مخزونها هذا ينجم عن استراتيجية نمو تتكل على عملة منخفضة القيمة للحفاظ على القدرة التنافسية للصادرات. إذا هددت الصين بتخفيض استثمارها في الدين الأميركي، فستضطر إلى إيجاد استثمارات بديلة (ليست مهمة سهلة في هذه الأيام) أو إلى تصدير كميات أقل إلى الولايات المتحدة (إنها فكرة سيئة بالنسبة إلى المصنعين الصينيين). فضلاً عن ذلك، مع ارتفاع حجم الاستثمارات في الديون الغربية، ستواجه الصين خسائر كارثية في الرساميل إذا عمدت إلى نشر الذعر في الأسواق المالية.

3- الحزب الشيوعي يسيطر على شبكة الإنترنت في الصين

يملك الحزب الشيوعي استثمارات هائلة في مجال التكنولوجيا والقوى العاملة، ولكنه يجد صعوبة في السيطرة على الفضاء الإلكتروني الصيني الناشط. صحيح أن تكنولوجيا “فلترة الإنترنت” في الصين هي الأكثر تطوراً وقوانينها هي الأصعب مقارنةً بالأنظمة الاستبدادية الأخرى، لكن ارتفاع عدد مستخدمي الإنترنت (يتجاوز هذا العدد 500 مليون شخص الآن) والتقدم التكنولوجي الحاصل (مثل نشوء مدونات صغرى شبيهة بموقع تويتر) أدى إلى تراجع فاعلية تلك الرقابة.
دائماً ما تحاول الحكومة مواكبة هذه الثورة الإلكترونية، وقد كانت محاولتها الأخيرة تهدف إلى إجبار المشتركين في المدونات الصغرى على التسجل بأسمائهم الحقيقية، لكن يصعب تطبيق هذه القواعد حتى بالنسبة إلى نظام يحكمه حزب واحد.
في أقصى الأحوال، يمكن أن يفرض الحزب رقابة انتقائية على المواضيع التي يعتبرها “حساسة” بعد وقوع أي حدث مهم، وعندما تصدر أنباء عاجلة (فضيحة فساد، حادثة أمنية خطيرة، أو تظاهرة حاشدة ضد النظام)، تزخر شبكة الإنترنت سريعاً بالتغطيات والانتقادات اللاذعة للنظام. في الوقت الذي ينجح فيه نظام الرقابة في استعادة السيطرة على الوضع، يكون الضرر السياسي قد وقع.

4- النظام الصيني اشترى ولاء الطبقة الوسطى

هذه الفكرة ليست دقيقة! بعد ثلاثة عقود شهدت تحقيق نمو اقتصادي كبير، ارتفعت مكانة 250 أو 300 مليون صيني (معظمهم من سكان المدن) وأصبحوا جزءاً من الطبقة الوسطى، فمنذ أن قمع النظام حركة الديمقراطية في ساحة تيانانمين في عام 1989، انشغلت الطبقة الوسطى في تجميع الثروات من دون المطالبة بأي حرية سياسية، لكن لا يعني ذلك أن هذه الجماعة تدعم الحزب الحاكم، فالفرق كبير بين اللامبالاة السياسية والولاء الدائم!
في أقصى الحالات، تتقبل الطبقة الوسطى الصينية وضع المراوحة لأنه يُعتبر تحسناً مهماً مقارنةً بالحكم الاستبدادي الذي كان سائداً في الماضي ونظراً إلى غياب أي خيار بديل عملي أو فوري، ولكن أثبت الربيع العربي أن حدثاً واحداً أو إخفاقاً واحداً من جانب الحكام الاستبداديين كفيل بتحويل مواطني الطبقة الوسطى اللامبالين إلى ثوار متشددين.
قد يحصل ذلك حتى من دون وجود أي أزمة اقتصادية مسبقة. اليوم، يزداد استياء الطبقة الوسطى الصينية بسبب انعدام المساواة، واستفحال الفساد، وصعوبة شراء المنازل بكلفة مقبولة، والتلوث، وسوء الخدمات، فقبل بضع سنوات، نظم آلاف المواطنين المنتمين إلى الطبقة الوسطى “مسيرة جماعية” في شنغهاي وأوقفوا مشروع تمديد سكة قطار لأنه يهدد قيمة منازلهم، حصلت تظاهرة مماثلة في السنة الماضية في منطقة داليان وأدت إلى إغلاق مصنع بتروكيماوي يلوّث الجو.
يدرك الحزب الحاكم أنه لا يستطيع الاعتماد على دعم الطبقة الوسطى، إذ يسود جو من انعدام الأمان بسبب استمرار حملات القمع في وجه أي معارضة سياسية.

5- ما من مؤشرات على تباطؤ النمو الاقتصادي الصيني المتسارع

بدأ إيقاع النمو الصيني يتراجع منذ الآن (انخفض من 10.3% في عام 2010 إلى 9.2% في السنة الماضية) ومن المتوقع أن يتسارع هذا التحول التنازلي في السنوات المستقبلية.
تماماً مثل كوريا الجنوبية وتايوان اللتين حققتا نمواً هائلاً طوال ثلاثة عقود قبل أن يتباطأ ذلك النمو تدريجاً منذ التسعينيات، سيواجه الاقتصاد الصيني مطبات كثيرة. بدأت نسبة كبار السن ترتفع في المجتمع الصيني، إذ شكل المواطنون فوق سن الستين ما نسبته 12.5% من الشعب في عام 2010 ومن المتوقع أن تبلغ هذه النسبة 17% في عام 2020. سيؤدي هذا الوضع إلى تقليص المدخرات ونسبة اليد العاملة، فضلاً عن زيادة تكاليف معاشات التقاعد والرعاية الصحية، فإذا أرادت الصين الحفاظ على معدل نمو مرتفع، فيجب أن تبدأ بتصنيع تكنولوجيا متطورة صينية ومنتجات لها قيمة مضافة عالية، وستحتاج الصين في هذه الحالة إلى ابتكارات إضافية، ما يستلزم تراجع سطوة النظام وتوسيع هامش الحرية الفكرية.
الأهم من ذلك كله هو أن النموذج الاقتصادي المبني على الاستثمارات وسيطرة الدولة والمسؤول عن النمو الصيني المتسارع يجب أن يُستبدل بنموذج أكثر فاعلية يرتكز على الاستهلاك ويكون منفتحاً على الأسواق. لن يكون هذا التحول ممكناً من دون تقليص صلاحيات الدولة ومحاسبة الحزب الحاكم أمام الشعب الصيني

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر