الراصد القديم

2012/02/02

نسيب لحود

مات نسيب لحود، ويبدو ان لهذا الموت مضموناً رمزياً أيضاً. ذاك ان موته الجسماني سبقه موت أصاب من يشبهونه، أو من يتمنون مشابهته. أولئك الذين نزلوا الى تظاهرة "14 آذار" من خارج طوائفهم وأحزابهم ومناطقهم. نعم لقد متنا قبل ان يموت نسيب لحود. لا بل ان موت الرجل مثل تتويجاً وتطويباً لموت سياسي كبير بدأ يزحف من اليوم الثاني لنجاح التظاهرة.

نسيب لحود الآتي الى التظاهرة من موقع استثنائي في الحياة العامة في لبنان، كان الرجل الوحيد في "14 آذار" الذي كنا نقول اننا نشبهه من دون ان نشفعها بعبارة "للأسف"، وهو اذ أطاحت به "14 آذار" في الانتخابات الأخيرة، كان سبق ان أطاحت بنا أيضاً، ومرة ثانية كانت إطاحته تتويجاً لاطاحتنا.

الرجل الذي جاء الى جنازة الرئيس رفيق الحريري من موقع خصومة حكومات الحريري الأب الاقتصادية، والذي لم يتمكن ميشال المر من حرمانه من مقعد نيابي متني على رغم جهوده الهائلة، والذي هزم رئيس الجمهورية اميل لحود في بلدته بعبدات، والذي اعتقد ذات يوم ان بول أشقر يمكن ان يكون على رأس حملته الانتخابية، وانه يجب مصالحة جورج حاوي مع أصوله المتنية، نسيب لحود هذا مات بالأمس متوجاً موت وهم كان ساورنا ذات يوم. وبينما قُتل جورج بعبوة في المصيطبة، ها هو بول هائم مع جماهير السامبا من فقراء أميركا اللاتينية شاهراً في وجوهها بطاقة صحافية منتهية الصلاحية.

وخلافاً لما هو شائع عن نسيب لحود لجهة ضعف متنيته لحساب لبنانية جديدة وتقدمية، فإن الرجل يشبه المتن على قدر مشابهته تلك اللبنانية. فهو المتني القادم الى الشأن العام من الموقع السياسي العائلي والتقليدي ابناً وحفيداً، وهو مغادر هذا الموقع الى جوهر سياسي متقدم وحديث. ونسيب لحود بهذا المعنى لحظة نادرة، ذاك ان العائلة السياسية في لبنان لطالما زودتنا بشبابها الجدد مستولدة عبرهم مسوخ آبائهم وأجدادهم، في حين استولدت عبر نسيب المعنى الحقيقي والواعد لتعاقب الاجيال.

هل كان علينا ان ندرك باكراً ان لا مكان للرجل في جمهوريتنا؟ لقد فعلنا ما يشبه ذلك عندما أيقنا ان لا مكان له على رأس جمهوريتنا. ففي يوم اعلان ترشيحه الى الرئاسة عندما أعلن برنامجه أمام اللبنانيين من الـ"بيال" غير مبتعد خطوة واحدة عن موقعه في "14 آذار 2005" وغير مقترب خطوة واحدة نحو حلفائه الجدد، يومها كنا نعلم ان الرجل لن يكون رئيساً للجمهورية. فالرئيس في لبنان هو ذاك الذي لا يُعلن برنامجه أمام اللبنانيين، ولا يختار من اختارهم نسيب لحود لحضور حفل الإعلان.

هل كان علينا ان ندرك ان لا مكان للرجل على رأس جمهوريتنا عندما نمي الينا وإليه ان "14 آذار" تفاوض على مقعده مع مرشح يمثل علامة انحطاط كبرى ومخيفة.

وهل من لحظة سياسية أنقى من ان يجتمع في شخص واحد خصومة ميشال عون وأمين الجميل له؟ وان يكون حاداً وحاسماً في رفضه سلاح "حزب الله"، ومدركاً ان "14 آذار" استنكفت عن مخاطبة جمهور لن يكتمل الربيع من دونه، وهو لم يكتمل فعلاً. فما موت نسيب لحود سوى تتويج مكثف لعدم انعقاد ربيعنا.
حازم الأمين



غيّب الموت صباح الخميس رئيس "حركة التجدد الديموقراطي" النائب والوزير السابق نسيب لحود عن عمر ناهز 68 عاما بعد صراع مع المرض ، وقد توفي في مستشفى "اوتيل ديو".

لمحة عن سيرته الذاتية:

نسيب لحود من مواليد بلدة بعبدات في قضاء المتن عام 1944، متزوج من عبله فستق ولهما ولدان، سليم وجمانة. أكمل دراسته الثانوية في مدرسة سيدة الجمهور، ثم انتقل لدراسة الهندسة الكهربائية في المعهد العالي للهندسة في جامعة "لفبره" في بريطانيا التي تخرج منها عام 1968.

بعد تخصصه، اسس نسيب لحود عام 1972 "شركة لحود للهندسة" التي تعنى بالتجهيز الصناعي والمنشآت الصناعية، والتي نفذت انشاء العديد من محطات توليد الطاقة ومصانع تحلية مياه البحر ومصانع الإسمنت والمنشآت البترولية، في انحاء عدة من منطقة الشرق الأوسط، ومنها دبي وأبو ظبي وقطر والبحرين، فضلاً عن مساهمتها في تنفيذ اجزاء من معملي الجية والذوق الحراريين في لبنان. وخلال سنوات، تحولت "شركة لحود للهندسة" الى واحدة من أكبر الشركات الإقليمية في ميدان عملها.

عام 1990، عين نسيب لحود سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة ، ثمّ نائباً عن المتن عام 1991 عملا باتفاق الطائف الذي نص على ملء الشواغر الى حين اجراء اول انتخابات نيابية. فأوقف نسيب لحود حينها كافة أعماله الخاصة واعمال شركته في لبنان، ليقينه بضرورة فصل العمل العام عن المصالح الشخصية.

عام 1992، انتخب نسيب لحود نائباً عن الدائرة نفسها في اول انتخابات تجرى بعد الحرب. ثم أعيد انتخابه تباعاً عام 1996 وعام 2000 حيث تولي تشكيل لائحة المعارضة في تلك الدائرة وخوض معارك سياسية وانتخابية ضارية ضد القمع والفساد واستغلال السلطة، ودفاعاً عن الدستور والحريات والنظام الديموقراطي.

شغل منصب رئيس لجنة الدفاع النيابية لسنتي 1991 و1992، وعضو لجنة الشؤون الخارجية ولجنة المال والموازنة من سنة 1992 لغاية سنة 2005.

عارض نسيب لحود كل التعديلات التي اجريت على المادة 49 من الدستور لمصلحة اشخاص بعينهم، وكان بذلك النائب الوحيد الذي صوت ضد هذه التعديلات ثلاث مرات متتالية، عام 1995، وعام 1998 وعام 2004.

في نيسان 2001، شارك نسيب لحود مع سياسيين آخرين وناشطين في الحقل العام وفي المجتمع المدني واكاديميين ورجال اعمال ونقابيين في تأسيس "حركة التجدد الديموقراطي"، وهي حركة سياسية تضم أعضاء من كل الطوائف والمناطق، وتهدف إلى تحصين سيادة لبنان واستقلاله، وترسيخ دور لبنان في العالم العربي، والدفاع عن الحريات، وتطوير التجربة الديموقراطية اللبنانية، وبناء اقتصاد حديث منفتح على العالم، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء مواطنية جامعة يلتقي في قيمها جميع اللبنانيين. وانتخب رئيساً لحركة التجدد في تموز 2001 وهو ما زال يشغل هذا المنصب.

عام 2001 ايضا، ساهم نسيب لحود في تأسيس "لقاء قرنة شهوان" الذي اراد اعضاؤه ان يكون الترجمة السياسية للنداء التاريخي لمجلس المطارنة الموارنة في ايلول عام 2000، وشارك لحود في كل اعمال اللقاء ونشاطاته والمحطات السياسية التي تولى فيها اصدار المواقف المتشبثة بالحرية والسيادة والاستقلال، وتصحيح العلاقات اللبنانية-السورية، وإطلاق المبادرات الحوارية مع سائر القوى والأحزاب السياسية اللبنانية، وهو ما شكل النواة الصلبة لما سيعرف لاحقا ب"انتفاضة الاستقلال".

ومنذ العام 2001، كان لنسيب لحود كذلك الدور البارز في جمع صفوف الأحزاب والقوى والشخصيات التي شكّلت لاحقاً "لقاء البريستول" المعارض، سواء من خلال تنظيم المؤتمرات واصدار المواقف الداعمة للحريات وللنظام الديموقراطي او من خلال احتضان كافة التحركات الطلابية والشبابية والشعبية، إثر إمعان سلطة الوصاية السورية والأجهزة الأمنية التابعة لها بقمع حرية التعبير ومصادرة الممارسة البرلمانية الديموقراطية.

بعد التمديد القسري لولاية الرئيس إميل لحود في ايلول 2004، ساهم نسيب لحود في إطلاق "لقاء البريستول" الذي جمع كافة القوى المعارضة من مختلف الاتجاهات الطائفية والفكرية والمناطقية في خريف العام 2004، وكان من أبرز وجوه "انتفاضة الاستقلال" التي اندلعت بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في 14 شباط 2005، والتي من ابرز تجلياتها التظاهرة التاريخية يوم 14 آذار من العام 2005، والتي اعطت اسمها لتحالف "قوى 14 آذار" الذي يعتبر نسيب لحود من ابرز اركانه، والذي يشكل اليوم الأغلبية في مجلس النواب ويواصل مسيرة تحصين السيادة والاستقلال ومشروع بناء الدولة.

في 13 ايلول 2007، اعلن نسيب لحود ترشيحه رسمياً لمنصب رئاسة الجمهورية في لقاء حاشد في مركز بيروت للمؤتمرات BIEL اذاع خلاله بيان الترشيح المستند الى نص جامع تحت عنوان "رؤية للجمهورية" يتضمن آرائه وموافقه من القضايا العامة المطروحة في لبنان.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر