الراصد القديم

2012/03/12

العالم يزداد خطوة.. ليس لدى أميركا ما تخشى منه

أصبح العالم أشد خطورة من أي وقت مضى. الولايات المتحدة تواجه تهديدات عديدة ومعقدة. لننظر فقط إلى الإرهابيين والدول المارقة والأخطار الناشئة عن ثورات الشرق الأوسط والهجمات الإلكترونية وطموحات إيران النووية والقوة المتزايدة للصين. وما أطول القائمة.

يصف وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا هذه الأوضاع بقوله إنها تجعل من العالم مكانا "أكثر غموضا وتقلبا وخطورة". وتشير استطلاعات الرأي إلى أن معظم النخبة في السياسة الخارجية الأميركية يعتقدون أن العالم أصبح خطرا بنفس القدر أو ربما أشد خطورة مما كان خلال الحرب الباردة.

ويقول محللا السياسة الخارجية ميكا زينكو ومايكل كوهين إن هذا الاعتقاد هو الذي يشكل مضمون وطبيعة المناقشات في السياسة الخارجية الأميركية ويحدد أطر الفهم للشؤون الدولية.

وفي أحدث عدد من مجلة الشؤون الخارجية كتب الاثنان يقولان "هناك مشكلة واحدة فقط. بمنتهى البساطة.. هذا خطأ. إن العالم الذي تعيش فيه الولايات المتحدة اليوم هو مكان آمن ومأمون إلى حد كبير. بل هو عالم يفترض أن ما يشهده من صراعات عنيفة أقل من أي مرحلة أخرى في التاريخ ".

وأضافا "إن الولايات المتحدة لا تواجه تهديدات ملموسة لوجودها ولا توجد قوة عظمى منافسة لها ولن تواجه منافسة على المدى القريب على دور القوة المهيمنة في العالم. والجيش الأميركي هو أكبر قوة على وجه الأرض". وأوضحا أنه على الرغم من أن هناك مجموعة متنوعة من التحديات على الصعيد الدولي إلا أنها لا تشكل خطرا يذكر على الأغلبية الساحقة من المواطنين الأميركيين.

ويضرب زينكو وكوهين مثلا بالإرهاب قائلين إن 13816 شخصا قتلوا في هجمات إرهابية في عام 2010 لم يكن بينهم سوى 15 أمريكيا بنسبة (0.1 في المئة). وبين عامي 2006 و 2010 تراجعت الهجمات الارهابية في جميع أنحاء العالم بنسبة حوالي 20 في المئة وانخفضت أعداد الوفيات الناجمة عنها بنسبة 35 في المئة.

ويقول زينكو وكوهين إن هناك تفاوتا بين التهديدات الخارجية والترويج الداخلي للتهديدات وهو أمر تبدو النخب السياسية في أميركا غير مستعدة للاعتراف به وغير راغبة حتى في الانخراط بشكل أكبر في صنع القرار فيما يتعلق بالأمن القومي.

والسبب وراء ذلك هو أن تضخيم التهديدات يخدم مصالح كلا الحزبين وخاصة في سنة الانتخابات. فالجمهوريون يصعدون لهجة التحذير لإبراز ضعف الديمقراطيين المزعوم في التعامل مع التهديدات. ويبالغ الديمقراطيون في تصوير التهديدات كسبيل للحماية من هجمات الجمهوريين.

ويشير زينكو وكوهين إلى أن المبالغة وتضخيم التهديدات يتخذ أيضا وسيلة لتبرير الميزانيات الضخمة للجيش ووكالات المخابرات الأميركية.

والنتيجة المترتبة على كل هذا هي عسكرة السياسة الخارجية وخلل توزيع الاعتمادات المالية وعدم التركيز بما فيه الكفاية على أدوات الأمن الوطني غير العسكرية.

وفي تحد لما أصبح حكمة تقليدية كتب الرجلان إن "السياسة الخارجية الأميركية تحتاج عددا أقل ممن يمكنهم القفز من الطائرات وعددا أكبر ممن يمكنهم عقد المناقشات حول الطاولات المستديرة وقيادة المفاوضات".

لكن ميزانيتي وكالتي القوة (الناعمة) الرئيسيتين وهما الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ووزارة الخارجية الأميركية تتضاءل بالمقارنة بوزارة الدفاع الأميركية. إن ميزانية البنتاجون الهائلة "لا تؤدي فحسب لإهدار الموارد السابقة بل إنها تشوه أيضا التفكير الخاص بالأمن القومي وصنع السياسة."

فهل ستدفع حجج زينكو وكوهين المثيرة للانتباه صناع السياسة لإعادة التفكير؟ ربما لا لكن حقيقة ظهور مقالهما في المجلة سيثير جدلا ولا شك أنه سيثير انتقادات من المدافعين عما يسمى مبدأ الواحد في المئة وهي الفكرة القائلة إن من الواجب بذل كل جهد لمواجهة التهديد حتى لو كان احتمال حدوثه واحدا في المئة فحسب.

زينكو وكوهين ليسا الوحيدين اللذين يؤكدان أن العالم أصبح مكانا أكثر أمنا على الرغم من أن ذلك يبدو غير منطقي في ضوء كم الاخبار اليومية عن إراقة الدماء في أنحاء العالم.

وفي العام الماضي نشر ستيفن بينكر وهو أستاذ علم النفس في جامعة هارفارد كتابا مؤثرا بعنوان (الملائكة الأفضل في جنسنا) يتتبع فيه تراجع العنف على مر القرون.

وكتب بينكر "صدق أو لا تصدق -وأنا أعلم أن معظم الناس لن يصدقوا- أن العنف تراجع على مدى فترات زمنية طويلة" مضيفا "ربما نحيا اليوم في أشد العصور سلما في تاريخ البشرية". ويوضح أن هذا الانخفاض هو تطور لا خلاف عليه وشيء ظاهر خلال فترات زمنية تتراوح بين آلاف السنين وعدة سنوات.

ويقر بينكر بأن تأكيده قد يعتبره البعض ضربا من "الهلوسة" نظرا لأن القرن الجديد بدأ بمقتل أكثر من 3000 شخص في الهجمات على نيويورك وواشنطن وأودت الحروب في العراق وأفغانستان ودارفور بحياة ألوف آخرين.

لكنه يقول متحدثا بلغة الأرقام والنسب أن الدماء التي أريقت في بداية القرن الواحد والعشرين والقرن العشرين كله (على الرغم من الحربين العالميتين والمحرقة) أقل من الحقب والعصور السابقة. ففي القرن السابع عشر على سبيل المثال تسببت حرب الثلاثين عاما في انخفاض عدد سكان ألمانيا بمقدار الثلث.

فهل تؤدي مثل هذه المقارنات الرقمية إلى تغيير المفاهيم؟ يجيب بينكر بالنفي. ويقول في مقدمة كتابه إن "ملكاتنا الإدراكية تجعلنا ميالين لأن نعتقد بأننا نعيش في زمن العنف.. خاصة عندما تذكيها وسائل الإعلام التي ترفع شعار كلما زادت الدماء (في القصة الخبرية) كلما زادت اهميتها".

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر